فيلم "أرغو".. كذبة هوليودية تنقذ ستة دبلوماسيين من قبضة إيران

صباح يكسوه الغيم في مطار مهر آباد بالعاصمة الإيرانية طهران، وزحام شديد في بلاد تشهد ثورة عارمة. تزحف في منتصف الزحام مجموعة من "صناع السينما الكنديين"، يجرون أرجلهم في حذر نحو صفحات حكاية تبدو أقرب إلى الخيال، فالمجموعة ليست إلا ستة دبلوماسيين أمريكيين متنكرين في هيئة طاقم تصوير كندي.
ينظر أفراد الحرس الثوري إليهم بفضول وحدّة وسخرية، ثم يتقدّم المجموعة "توني مينديز" حاملا جوازات السفر الكندية، وبطاقات سفر مزيفة، وسيناريو فيلم "أرغو"، وقد طبعت على غلافه رسوم لمخلوقات فضائية وسفن فضاء.
إنه أحد المشاهد المفصلية والأكثر توترا في فيلم "أرغو" ، لكنه يثبت -بعد مرور أكثر من عقد من الزمن- أنه لم يكن مجرد تصوير سينمائي مثير، بل اختزالا مرعبا لما يعنيه الاختراق في زمن الصراع متعدد الطبقات والأوجه والأقنعة.
فلم تعد الحدود السياسية منذ يومئذ هي ما يخشى عليه من الاختراق فقط، بل حدود الوعي والثقافة والهوية، فالفريق المخابراتي لم يجد سوى الفن وصناعة الخيال وسيلة للتسلل، ولم يجد سوى السيناريو أداة للنجاة.
تدور أحداث الفيلم حول الخطة الجريئة التي دبرها عميل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "توني مينديز"، لإنقاذ ستة دبلوماسيين أمريكيين، نجوا من اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، ولجؤوا إلى مقر إقامة السفير الكندي.
وبينما يمشط الحرس الثوري الشوارع بحثا عن "جواسيس" أمريكيين، يُقدم "مينديز" غطاء غريبا، فيزعم أن الدبلوماسيين هم فريق تصوير كندي، يبحث عن مواقع غريبة لفيلم خيال علمي بعنوان "أرغو" (Argo).

لترويج هذه الحيلة، يتعاون مع المنتج الهوليودي "ليستر سيغل"، وخبير المكياج الحقيقي "جون تشامبرز"، اللذين يُساعدان في صناعة تفاصيل فيلم حقيقي، من إعلانات صحفية، وقصص مصورة، إلى إثارة ضجة إعلامية.
يسافر "مينديز" إلى طهران بجوازات سفر مزورة، ونص معدّ بعناية، مخاطرا بحياته لتهريب الدبلوماسيين عبر المطار، وإعادتهم إلى بر الأمان، لينقذ زيف هوليود أرواحا وسط ثورة عنيفة في الطرف الآخر من العالم.
فيلم "أرغو" (Argo) هو من بطولة "بن أفليك" وإخراجه، وهو أول تجربة إخراجية له، وقد عُرض عام 2012، ويستند على أحداث حقيقية نفذتها وكالة المخابرات الأمريكية، إبان أزمة الرهائن في طهران عام 1979.
هوليود وطهران.. الخطة الحربية السينمائية
لم يكن نجاح فيلم "أرغو" منحصرا في إعادة تمثيل الحدث، بل في الطريقة التي روى بها القصة، بتداخل ذكي بين السخرية من هوليود، وتصوير إيران ما بعد الثورة على أنها جحيم لا يحتمل للأمريكيين.
ينقل الفيلم بتقنيات دقيقة وأسلوب شبه وثائقي ذلك الرعب الذي ساد ردهات مبنى جهاز المخابرات الأمريكي، وانتقل مع الأفراد الستة إلى شوارع طهران، المزدحمة بالشعارات الثورية والحماس، لكنه في العمق يكشف أن ما بدا عملية إنقاذ، كان في حقيقته غزوا ناعما، تسللت فيه الولايات المتحدة بالسينما إلى قلب الثورة الإسلامية، ولم تطلق رصاصة واحدة.

يبدو الفيلم أول وهلة واحدا من الأفلام الدعائية الأمريكية المعروفة بصناعة قصص لإقناع الآخر وخداعه، والتسلل إلى مساحاته الممنوعة، لكن الخدعة في هذا العمل لا تؤسس على الكذب الفج، أو فرض مقدمة غير منطقية تحت التهديد، بل بسردية دقيقة متكاملة، تدعمها تفاصيل عن فيلم خيال علمي سيُنتج في هوليود، ويصور في الشرق الأوسط.
وليست اللافت في الفيلم كونه فيلما عن التجسس، أو عن عملية مخابراتية سياسية، بل في تمجيده للسينما، وكشفه لقوتها الجبارة، فالقصة لا تدور حول اختراق أمني فقط، بل حول صناعة الخطط الحربية في أستوديوهات التصوير وغرف المونتاج، وصفحات السيناريو، لتتحول صناعة فيلم إلى شكل جديد من الاختراق أكثر تطورا.
وقد استخدمت الأجهزة الأمنية المصرية الأسلوب نفسه في تدمير حفار إسرائيلي عملاق، وذلك في عملية مخابراتية في مارس/آذار عام 1970، تحت غطاء فيلم "عماشة في الأدغال"، وهو من بطولة محمد رضا وفؤاد المهندس، وكما حدث في "أرغو" فقد دخل فريق التفجير المخابراتي مع فريق العمل السينمائي.

يقدم صناع "أرغو" البطل الفردي "توني مينديز" (بن أفليك)، في مقابل صورة جماعية مشوشة عن الخصم الإيراني، فالثورة في الفيلم تظهر كأنها فوضى غاضبة، لا حالة سياسية ذات منطق.
ومن هنا جاءت الانتقادات التي رافقت عرض الفيلم، متهمة إياه بإعادة إنتاج الصور النمطية عن الشرق، وتصوير إيران كيانا غوغائيا غير عقلاني، لكن هذا التوصيف كان مقصودا في سياق الفيلم ذاته، بهدف ترك المشاهد متأرجحا بين الإعجاب بذكاء الخطة، والارتياب من الطريقة التي يُروى بها الحدث.
توليفة متناغمة بين الواقع القاسي والسخرية
يُعِد مشهدُ الفيلم الافتتاحي المُشاهدَ ببراعة لأكثر من مجرد فيلم، وهو مقدمة تاريخية مروية بلوحات القصة ولقطات حقيقية، فالمقدمة الصوتية تقود المشاهد فورا إلى توقع ملحمة، كما يُبرز اختيار المخرج لمزج المواد الأرشيفية مع التمثيل الدرامي عملية الفرز والاختيار لمساحات تاريخية معينة دون غيرها، تمهيدا لصناعة سردية على المقاس المطلوب.
ولعل أكثر أجزاء فيلم "أرغو" تميزا من الناحية الأسلوبية هو الفصل الأوسط في هوليود، فتُصوّر صناعة السينما على أنها سخيفة وقوية في آن واحد، ويبدو النفاق والوهم أدوات لحكم الدولة، فيدرك المشاهد أن فكرة فيلم داخل الفيلم (أرغو المزيف) ليست إلا استعارة بارعة، بوصفه خيالا علميا يخفي الواقع السياسي القاسي، الذي جسده التدخل الأمريكي في إيران.

يحتوي الفيلم تحولات متكررة، من الكوميديا إلى الإثارة ثم المشاعر، لكن الانتقالات سلسة بشكل ملحوظ، فقد حافظ مونتاج المحرر "ويليام غولدنبرغ" على وتيرة منتظمة، فنال جائزة الأوسكار على عمله. أما الموسيقى التصويرية، فكانت هادئة ومثيرة في آن واحد، فتجنبت الميلودراما، وسمحت بتخفيف حالة التوتر حين تزيد عن معدلها المطلوب.
ويتميز أداء "بن أفليك" لشخصية "توني مينديز" بالهدوء، في فيلم مليء بالضجيج، ويخطف المنتج الهوليودي "سيغل" (الممثل آلان أركين) الأنظار في كل مشهد يظهر فيه، مقدما العبارة الأهم في الفيلم "افعل ما يحلو لك يا أرغو"، وقد أصبحت بمنزلة تعليق شامل على عبثية هوليود، ويأس وكالة المخابرات المركزية، أما "تشامبرز" (الممثل جون غودمان) فكان إضافة رائعة وساخرة وودودة، وقد قدما معا لمسة كوميدية مميزة، دون أن يقللا جاذبية الفيلم.
يجسد الممثل "برايان كرانستون"، دور رئيس وكالة المخابرات المركزية "جاك أودونيل"، ليبلور الآلية السياسية التي يتعين على "مينديز" التعامل معها. ويستحق طاقم الرهائن الستة الثناء، فمع أنهم لم يظهروا ظهورا فرديا معتبرا، فإن خوفهم وقدرتهم على الصمود قدم تقديما مقنعا.
ويبقى الجانب المثير للجدل والدال في الوقت نفسه في الفيلم هو تناوله للحقائق التاريخية، فمع أنه استند إلى أحداث حقيقية، فإن فيه قدرا كبيرا من الحرية في التأثير الدرامي، كما ظهر في مشهد المطار، فقد كاد الأمن الإيراني يكشف الخطة، وتلك مبالغة واضحة، ويهمش الفيلم تماما الدور الكندي في العملية.
دعاية رمادية توجتها السيدة الأولى بالأوسكار
صدر فيلم "أرغو" في لحظة حرجة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، حين كان البرنامج النووي الإيراني قضية حساسة في الدبلوماسية العالمية، وكان الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" يواجه إعادة انتخابه، ويُنتقد انتقادات حادة من الجمهوريين لتساهله المزعوم مع إيران. في ظل هذه الخلفية، لاقى تصوير "أرغو" للشجاعة الأمريكية والعداء الإيراني استحسانا واسعا.
لكن تصويره للإيرانيين حشودا غاضبة أو حراسا متجهمين، أثار انتقادات لتعزيزه الصور النمطية، ومع أنه يُظهر إيماءات نحو التفاصيل الدقيقة، مثل إظهار الخوف والقمع الذي يلقاه الإيراني العادي، فإن هذه الإيماءات تطغى عليها الرواية الكبرى عن الضحية والمكر الأمريكي.

وقد وصف بعض النقاد الفيلم بأنه دعاية خفية، تهدف إلى تعظيم وكالة المخابرات المركزية، وتبرير التدخل الأمريكي تحت ستار الإبداع. ثم إن فوزه بجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار، وإعلان السيدة الأولى يومئذ "ميشيل أوباما" عن الجائزة، عزز الادعاءات بأنه كان امتدادا ثقافيا للسياسة الخارجية الأمريكية.
هذا التفاعل بين السينما والقوة الناعمة ليس جديدا، لكن "أرغو" يُضفي عليه طابعا دراميا بوعي ذاتي ساخر، ليصبح فيلم "أرغو" المزيف أداة للمناورة، مع أنه سيناريو مثير للسخرية من أفلام الدرجة الثانية، وفي تطور مفاجئ، يتحول فيلم "أرغو" الحقيقي عام 2012 إلى حملة علاقات عامة عالمية، تحتفي بالعمل الاستخباراتي والبطولة الأمريكية. ويطرح العمل أسئلة مُلحّة حول دور السينما في تشكيل السياسة.
صراع العالم على صفحات السرد السينمائي
في عام 2025، وقد أصبحت الحروب تُخاض عبر الشاشات، والاختراقات تحدث في أنظمة الطاقة والمصارف والتعليم عبر الإنترنت، يعود الفيلم إلى الواجهة كأنه تحذير مبكر، تحذير من قدرة الخيال الأمريكي على الوصول إلى قلب أكثر المجتمعات انغلاقا، وتحويله إلى مسرح مغامرة هوليودية.

ولا تزال إيران تحاول استعادة سيادتها السردية بأفلام ومسلسلات محلية، لكنها لم تستطع صناعة سردية جذابة عالميا. وهنا تكمن خطورة ما فعله "أرغو"، فقد جعل الهروب انتصارا، والكذبة بطولة، والفيلم الوهمي حقيقة.
"أرغو" ليس مجرد فيلم إثارة، ولا حتى قصة إنقاذ حقيقية، بل بيان سينمائي حول القوة الناعمة، حول قدرة الخيال على إعادة تشكيل الواقع، وحول الطريقة التي يعيد بها سطر مكتوب على غلاف سيناريو رسم خريطة العالم.
لم ينقذ "توني مينديز" الدبلوماسيين الستة بجوازات سفر فقط، بل بسردية متقنة. هذا هو الدرس الأخطر الذي يبقى معناه، فمن يملك القصة يملك الهروب، ويملك النجاة في عالم مليء بالرقابة والجدران.