غياب الأغنية الوطنية في زمن الأزمات.. صمت فني أم تحوّل في الوعي؟

حفظ

Lebanese composer and singer Marcel Khalife performs at the Barbican Centre in London, Britain April 2, 2016. REUTERS/Jamal Saidi
الفنان اللبناني مارسيل خليفة (رويترز)

بيروت – شكلت الأغاني الوطنية والثورية في الماضي دوراً محورياً في تعزيز الشعور بالوطنية والقومية ومناصرة القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وقد برزت بشكل خاص من خلال القصائد التي قدمها الفنان مارسيل خليفة من أشعار الشاعر الراحل محمود درويش، والتي حظيت بانتشار واسع وإقبال جماهيري كبير في العالم العربي من المحيط إلى الخليج.

وقد تحولت هذه الأغاني حينها إلى مساحة تعبئة ثقافية، جمعت بين الفن والكفاح، وأعطت صوتاً للثورة والقضايا الوطنية، كما شكلت تعبيراً عن بطولات الثوار، وكانت الصوت الهادر في الاحتجاجات والتظاهرات.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لكن هذا الحضور بدأ يتراجع تدريجياً مع تغير السياقات السياسية والاجتماعية، وخفوت حضور الأغنية الثورية رغم استمرار الأزمات في فلسطين ولبنان.

فبعد عملية "طوفان الأقصى" والعمليات العسكرية على غزة، لم يصدر سوى عدد محدود من الأعمال الغنائية التضامنية، من بينها أغنية "غصن الزيتون" للمغني المصري أحمد سعد، وأغنية "فكّروا فينا" لزياد برجي التي جاءت كرسالة من أطفال فلسطين إلى العالم، إضافة إلى أغنية "جايين فلسطين" لعاصي الحلاني.

أما الفنان مارسيل خليفة، الذي يعد من أبرز الأسماء في الأغنية الوطنية والثورية، فاكتفى بإصدار معزوفة موسيقية تضامنية مع غزة، نشرها عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن تحظى بانتشار واسع.

ظاهرة ممتدة

تراجع الأغنية الوطنية ليس وليد اللحظة، إذ تراجع الإقبال الجماهيري عليها بشكل ملحوظ منذ أكثر من عشر سنوات. وأصبحت الأعمال التي تنتج، رغم ندرتها، عرضة للإهمال والنسيان.

هذا الواقع دفع العديد من الفنانين إلى العزوف عن إنتاج أغنيات وطنية أو ثورية، في ظل غياب إجماع شعبي حول القضايا الوطنية وتحوّل المزاج العام.

يرى الناقد الفني جميل ضاهر أن صعود التيارات اليسارية في العالم العربي رافقه مشروع ثقافي وفكري متكامل أعاد تعريف دور الفن في المجتمع، حيث لم يكن الإبداع ترفاً بل أداة وعي ومقاومة.

إعلان

ويقول ضاهر إن تلك المرحلة أفرزت أسماء شكلت ملامح هذا الصوت، من بينها الشيخ إمام في مصر، وزياد الرحباني، ومارسيل خليفة، وخالد الهبر، وأحمد قعبور، إلى جانب شعراء مثل محمود درويش، وسميح القاسم، ومظفر النواب، فضلاً عن تجارب جماعية مثل “فرقة الطريق” في العراق، وفرق مغاربية مثل “ناس الغيوان” و“جيل جلالة”.

ويضيف أن ما جمع هذه النماذج لم يكن الانتماء الحزبي فقط، بل التأثر العميق بموجة الفكر الثوري العالمي، حيث كان الفن جزءاً من مشروع التغيير لا انعكاساً له فقط، وكانت الأغنية والقصيدة تكتبان من داخل المعاناة وتوجهان إلى جمهور يرى نفسه فيهما.

تحولات ما بعد المرحلة الثورية

بحسب ضاهر، حاولت أجيال جديدة استكمال هذا المسار أو تطويره، لكن السياق تغير جذرياً مع تراجع الحلم الجماعي واختلاف علاقة الفنان بالجمهور.

ويشير إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن بعض هذه المحاولات جاءت من فئات أكثر انفتاحاً على الثقافة الغربية، لكنها لم تستطع إنتاج خطاب فني أصيل، بل وجدت نفسها تعيد أداء أعمال الجيل السابق مثل الشيخ إمام وأحمد قعبور ومارسيل خليفة، وكأنها تعترف ضمنياً بصعوبة تجاوز تلك المرحلة.

ويختم ضاهر بالقول إن الإشكالية ليست في الموهبة، بل في السياق والسؤال: هل يمكن إنتاج فن ثوري حقيقي دون مشروع فكري واجتماعي حاضن؟ أم أن تلك المرحلة كانت استثناءً تاريخياً تلاقت فيه السياسة مع الثقافة وأنتجت هذا الأثر العميق؟

تبدّل المزاج الفني الثوري

يعكس تراجع اهتمام الفنانين والجمهور بالأغاني الثورية تبدلاً واضحاً في المزاج الفني. وقد برز ذلك خلال ثورة 17 أكتوبر/تشرين الأول في لبنان، حيث جرى استخدام أغانٍ لا تنتمي إلى القوالب الوطنية التقليدية، مثل أغنية فضل شاكر “فاكر يعني لما تقولي حسيبك يعني هترجاك”، للتعبير عن رفض الطبقة الحاكمة، إضافة إلى الديو الذي جمع سعد لمجرد ومحمد رمضان في “إنساي”، واللافت أيضاً صعود أغنية “كاراميلا سيكسي ليدي”.

في المقابل، استُحضرت أعمال قديمة تحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية، مثل “بحبك يا لبنان”، وأعمال مارسيل خليفة وأحمد قعبور، وأغنية جوليا بطرس “بنرفض نحنا نموت”، و“وين الملايين”.

في حين غابت الإصدارات الفنية بشكل لافت، إذ لم يجرؤ معظم الفنانين على إصدار أعمال مرتبطة بالثورة، خشية الاصطدام بانتماءاتهم السياسية والحزبية. وكانت الفنانة إليسا الاستثناء الأبرز بعد إعلان دعمها للثورة وإصدار أغنية “أنا عم ثور”، إلا أن الأغنية لم تحقق صدى واسعاً.

أما انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب 2020، فشكل الحدث الأبرز الذي دفع الفنانين إلى إصدار موجة واسعة من الأغاني "البكائية" التضامنية مع بيروت، من بينها أعمال ليارا وغسان الرحباني ورامي عياش وفضل شاكر وعاصي الحلاني والشاب خالد وناصيف زيتون وغيرهم.

غير أن هذه الأعمال، التي وصلت إلى حد "التخمة"، اتسمت بالتكرار والرتابة، ولم تحقق تفاعلاً جماهيرياً فعلياً، بل إن بعضها مرّ دون أن يُلاحظ.

بين التسييس وتراجع

الصحفي والكاتب فراس حمية يرى أن الأغنية الوطنية لا تنتهي، بل إن تأثيرها يرتبط بمدى استمراريتها. ويقول: "قديمًا، مع فيروز ووديع الصافي والرحابنة، كان هناك مشروع وطني وهوية ورمز. أغنيات مثل ‘بحبك يا لبنان’ و’لبيروت’ كانت أعمالاً متكاملة تحمل أفكاراً تتجاوز الأزمات والمواقف المستجدة خلال السنوات الأخيرة مثل انفجار المرفأ، التظاهرات، ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول، أو الحرب على لبنان."

إعلان

ويضيف أن نسب المشاهدة على "يوتيوب" تكشف جزءاً من الصورة، مشيراً إلى أن أعمالاً حديثة مثل “بدي عيش بلبنان” لزياد برجي التي صدرت منذ عام، و“نيالو لبنان” لملحم زين صدرت منذ خمس سنوات، و“أوبريت جيش لبنان” لنانسي عجرم التي أصدرتها قبل 13 عامًا، و“أنا ثائر” لرامي عياش، لم تتجاوز مجتمعة مليون مشاهدةٍ، في حين أن أغنية واحدة لفيروز أو أعمال غير وطنية حديثة كالأغاني العاطفية قد تتخطى 50 مليون مشاهدةٍ.

ويرى أن الأغاني الوطنية اليوم باتت تنتج بأسلوب سريع أشبه بـ"الفاست فود"، ما ينعكس على ضعف تأثيرها الجماهيري.

كما يشير إلى أن الانقسام السياسي منذ عام 2006 أثر مباشرة على الأغنية الوطنية، بحيث لم تعد تجمع الجمهور كما في السابق، خاصة مع ارتباط بعض الفنانين بمواقف سياسية واضحة، إضافة إلى انتشار الأغاني الحزبية المرتبطة بالأحزاب اللبنانية المختلفة.

ويختم بالإشارة إلى أن الأغنية الحزبية باتت تطغى على الأغنية الوطنية، وأن أعمال فيروز مثل “لبيروت” و“وحدن” ما زالت تمثل النموذج الأعمق للأغنية الوطنية العابرة للزمن.

في المحصلة، لم تتمكن أي أغنية وطنية جديدة من إزاحة الأغاني الكلاسيكية التي تحولت مع مرور الزمن إلى تراث وطني راسخ.

ويستثنى من ذلك أغنيتا “بيكفي إنك لبناني” لعاصي الحلاني و“لبنان راح يرجع” لجوزيف عطية، وهما عملان صدرا قبل أكثر من عشر سنوات وحققا رواجاً مقبولاً، بينما بقي المشهد العام على حاله، حيث تستمر الأغاني القديمة في الهيمنة على الذاكرة الموسيقية الوطنية.

المصدر: الجزيرة
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان