فلسطين.. ماذا عن دور الأنظمة والشعوب؟

الحرب على غزة في عام
القضية الفلسطينية اليوم ليست مجرد نزاع جغرافي أو صراع سياسي إنها اختبار أخلاقي للعرب وللعالم بأسره (الجزيرة)

منذ فجر القضية الفلسطينية، كانت فلسطين رمزًا للوحدة العربية، وعنوانًا للعدالة التي ينتظر تحقيقها كل من آمن بالحرية والكرامة الإنسانية. وقد حملت هذه الأرض هموم العرب وآمالهم، وأضحت مقياسًا للضمير الجماعي.

ولكن، ومع مرور السنوات، تغيّر المشهد وتبدّلت المواقف.. فمن العجز الجلي للأنظمة العربية، التي تركت القضية خلف ظهورها، إلى العجز التام للشعوب التي باتت صامتة، نشهد اليوم موقفًا مخزيًا يفوق في قسوته ظلم الاحتلال ذاته. في المقابل، يُظهر لنا الغرب، الذي لطالما اتُّهم بالتحيز لإسرائيل، حركات متضامنة مع فلسطين تدافع عنها بحماس، متفوقة في إنسانيتها على من هم أصحاب القضية أنفسهم.

السلبية المطلقة لا يمكن أن تكون مبررًا، إذ علّمنا التاريخ أن الشعوب، متى اجتمعت إرادتها وتوحد صوتها، كانت قادرة على صنع التغيير. وإن تعذّر النضال السياسي المباشر في ظل الظروف الراهنة، فإن أقل ما يمكن فعله، وأضعف الإيمان، هو المقاطعة

إن اتفاقيات السلام المزعوم، التي أبرمتها بعض الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، كانت خصمًا من القضية الفلسطينية؛ فقد منحت إسرائيل شرعية احتلالها للأراضي الفلسطينية مقابل وعود واهية بالسلام والاستقرار، وكأننا أمام رجل ضحى بميراثه الثمين من أجل حفنة من السراب!. هذه الاتفاقيات لم تكن فقط تخلّيًا عن الفلسطينيين الذين يعانون من القمع اليومي، بل كانت أيضًا إقرارًا ضمنيًا بقبول الأمر الواقع، والمساهمة في تعزيز الاحتلال.

إنّ تطبيع بعض الأنظمة مع إسرائيل هو أكبر شهادة على هذا التواطؤ، كمن يبيع بيت جاره للمعتدي؛ بحجة بناء "جسور السلام"، بينما الحقيقة هي أن هذه الجسور مبنية من الأنقاض والدماء؛ فالسلام الحقيقي لا يأتي بالتطبيع مع الظلم، بل بمقاومته والتصدي له.. ولكن، للأسف، اختارت بعض الأنظمة الطريق الأسهل، مفضّلة المصلحة السياسية الضيقة على الوقوف مع الحق والعدالة.

إعلان

ولكن ماذا عن الشعوب؟ هل يمكن تبرئتها من المسؤولية؟ إن الحقيقة المرة تكمن في أن الشعوب العربية، التي كانت يومًا عماد القضية الفلسطينية وسندها الأبرز، باتت اليوم غارقة في حالة من الخمول والتقاعس. ولا شك أن الأنظمة القمعية التي تكبل الحريات وتقمع الحراك الشعبي قد ساهمت في ترسيخ هذا الشعور بالعجز، لكن ذلك لا يعفي الشعوب من واجبها الأخلاقي.

فالسلبية المطلقة لا يمكن أن تكون مبررًا، إذ علّمنا التاريخ أن الشعوب، متى اجتمعت إرادتها وتوحد صوتها، كانت قادرة على صنع التغيير. وإن تعذّر النضال السياسي المباشر في ظل الظروف الراهنة، فإن أقل ما يمكن فعله، وأضعف الإيمان، هو المقاطعة.. مقاطعة الكيان الصهيوني وشركاته، وكذلك العلامات التجارية التي تمده بالدعم، هي خطوة رمزية تعبر عن موقف راسخ في رفض الظلم والاحتلال.. المقاطعة ليست مجرد فعل استهلاكي بسيط، بل هي تجسيد للإرادة الشعبية، ورسالة أخلاقية موجهة إلى العالم بأسره، بأننا -وإن لم نستطع حمل السلاح- نرفض أن نكون شركاء في تمويل آلة القمع والعدوان.

القضية الفلسطينية لا تزال بحاجة إلى دعم شعبي عربي حقيقي؛ فالتاريخ أثبت أن الأنظمة السياسية تتغير، ولكن إرادة الشعوب تبقى هي القوة الحقيقية للتغيير

كثير من العرب باتوا يتعاملون مع القضية الفلسطينية وكأنها شأن سياسي بعيد لا يخصهم، رغم أن الاحتلال الصهيوني هو امتداد لمأساة عربية.. غابت مظاهر التضامن الحقيقية، وتقلّصت حملات المقاطعة الاقتصادية التي كانت في الماضي رمزًا للمقاومة الشعبية. فالمقاطعة قد تبدو خطوة بسيطة، إلا أنها كانت تعبيرًا عن موقف أخلاقي وإنساني تجاه الاحتلال. ولكن، في ظل هذا الصمت الشعبي، تتراجع قيمة التضامن ليصبح مجرد شعارات خاوية، كمن يهتف بلا صوت في ساحة خالية.

والغريب في الأمر أن بعض الحركات الغربية باتت أكثر التزامًا بقضية فلسطين من العرب أنفسهم! في الجامعات والمجتمعات المدنية في الغرب، تنتشر حركات المقاطعة ضد إسرائيل، وتخرج مظاهرات حاشدة تطالب بإنهاء الاحتلال، وتُمارس ضغوطًا على حكوماتها لاتخاذ مواقف أكثر عدالة تجاه القضية الفلسطينية.. هذا التفوق الإنساني الغربي يُظهر مفارقة قاسية: أن من يدافع عن فلسطين أحيانًا هم من لا تربطهم بها أي علاقة قومية أو دينية، وإنما فقط التزامهم بالمبادئ الإنسانية.

في هذا السياق، نرى أن الحملات التي تُنظم في الغرب، مثل حركة "BDS" (المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات)، أصبحت قوة مؤثرة في فضح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي.. هذه الحركة، التي أطلقتها منظمات حقوقية فلسطينية، وجدت صدى واسعًا في الدول الغربية، حيث دعمتها شخصيات عامة وأكاديميون وفنانون. في المقابل، نجد أن الموقف العربي الشعبي أقل فاعلية بكثير، وكأن الشعوب العربية استسلمت للواقع المرير.

إن القضية الفلسطينية لا تزال بحاجة إلى دعم شعبي عربي حقيقي؛ فالتاريخ أثبت أن الأنظمة السياسية تتغير، ولكن إرادة الشعوب تبقى هي القوة الحقيقية للتغيير. وإذا كانت الشعوب العربية قد أبدعت في مقاومة الاستعمار قديمًا، فإنها قادرة على أن تكون القوة المحركة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

فلسطين لن تُحرر إلا إذا اجتمع الجميع على كلمة واحدة: الحرية لا تُشترى بالتطبيع ولا بالصمت، بل تُنتزع بالمقاومة الحقيقية، مهما كانت الوسائل بسيطة

الاحتلال الإسرائيلي ليس فقط مشكلة فلسطينية، بل هو قضية أخلاقية وإنسانية. وكما قال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". ولأجل هذا الحق، ينبغي ألا نتخاذل أو نتراجع، بل علينا أن نستمر في النضال من أجل العدالة والحرية.

إعلان

القضية الفلسطينية اليوم ليست مجرد نزاع جغرافي أو صراع سياسي؛ إنها اختبار أخلاقي للعرب وللعالم بأسره. وبينما نرى في الغرب حركات إنسانية تتضامن مع فلسطين وتدافع عن حقوقها، نجد في عالمنا العربي تراجعًا مخزيًا، سواء من الأنظمة التي تخلت عن القضية علنًا، أو من الشعوب التي استسلمت للصمت.

لكن الأمل لم ينتهِ.. لا تزال هناك فرصة لإعادة إحياء القضية الفلسطينية في وجدان العرب، وإعادة تفعيل دورهم في الدفاع عنها. فالعروبة ليست مجرد شعارات، بل هي التزام بالعدالة والحق، وعلى الشعوب العربية أن تدرك أن قوتها تكمن في وحدتها وتضامنها، وأن فلسطين لن تُحرر إلا إذا اجتمع الجميع على كلمة واحدة: الحرية لا تُشترى بالتطبيع ولا بالصمت، بل تُنتزع بالمقاومة الحقيقية، مهما كانت الوسائل بسيطة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان