رفع الإسلام شأن الأمومة فجعل برها بعد الأمر بعبادته (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ]الإسراء: 23[، كما جعل برها طريق مغفرة الذنوب فقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: إني أذنبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة فقال هل لك أم؟ قال: لا، قال فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها رواه أحمد، بل ملازمتها فيه الجنة فيروى أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك؟ فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة تحت رجليها. رواه النسائي
مع كل هذا التقديس لمكانة الأم في الأديان السماوية، نرى محاولات متتالية متعاقبة لتدنيس وتحقير الأمومة داخل نفوس الفتيات الصغيرات.
الأمومة هي الرحمة والعطاء بلا حدود وبلا مقابل، وهي البذل والحضن الدافئ، وهي الملجأ الآمن، وهي الأمان والسند، وهي من أعظم نعم الله على عبده، وهي المهمة العظيمة، والرسالة الثقيلة التي لا يمكن تجاهلها والاستخفاف بها، وهي الخليط من المشاعر والأحاسيس والوظائف التي تحتاج إلى طاقة وجهد عظيمين، تستدعي معها المرأة القدرة على اليقظة والاستمرار الدؤوب، لخلق أطفال وتهيئة بيت قادر على إنتاج أفراد أسوياء.
وهي فطرة لا دخل لعمل البشر فيها، نرى بأعيننا فتيات صغيرات تلعبن بعرائس صغيرتها تطعمها وتسقيها وتصنع لها فراش كل هذا في تناغم مع طبيعتها وفطرتها التي فطرت عليها.
مهمتها عظيمة ورسالتها ثقيلة لا يمكن تجاهلها والاستخفاف بها، لا سيما في ظل الدعوات المنادية بخروج المرأة للعمل، والانطلاق نحو إثبات الذات.
قال عنها الشاعر الكبير حافظ إبراهيم:
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ
الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ
الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ
ومع كل هذا التقديس لمكانة الأم في الأديان السماوية، نرى محاولات متتالية متعاقبة لتدنيس وتحقير الأمومة داخل نفوس الفتيات الصغيرات.
تعمل الرأسمالية على جعل الأسرة وحدات اجتماعية تخدم أهدافها، وتوفر لها الأيادي العاملة لاستمرار عجلتها وتحقيق مكاسبها.
بداية رحلة التدنيس والتحقير
بدأت رحلة التدنيس والتحقير بعد انتهاء الحرب الأهلية الأميركية في ستينيات القرن التاسع عشر، فبعد استقرار الأمور وانتهاء حالة الفوضى التي خلفتها تلك الحرب، ظهرت حركات يسمونها تحريرية، كان منها ما يعرف بالحركة النسوية والتي نادت وقتها بالمطالبة بين الرجل والمرأة، والذي تبعه انخراط متزايد للنساء في أسواق العمل مما ولد علاقات جنسية غير شرعية.
تعمل الرأسمالية على جعل الأسرة وحدات اجتماعية تخدم أهدافها، وتوفر لها الأيادي العاملة لاستمرار عجلتها وتحقيق مكاسبها، لكنها، وبصورة موازية متقنة، لا تصنع ذلك بالقهر المادي دون اعتمادها على القهر المعنوي، فهي تعمل على تبديل التصورات وصياغة القناعات، حول العمل المادي، وتحويله من وسيلة للعيش إلى قيمة في حد ذاته.
كانت اللافتات البراقة والقوى المتكاتفة لإخراج المرأة كثيرة، وهنا التقطت النسوية النيولبرالية الخيط، ولأنها تعنى بالسوق والمال والنفعية الذاتية وكل شيء بمقابل، فكان تشجيع النساء على الالتفات لحياتهن الخاصة ولهمومهن الفردية وطموحاتهن لتثبيت المرأة نفسها، وتحقق ذاتها دون اهتمام بما هو تلبية لفطرتها وأمومتها، ولكن كل هذا ليس بمهم طبعا، المهم ما يصب من مكتسبات في مصلحة أصحاب رؤوس الأموال.
وما العمل في مشكلة الحمل؟
وهنا تظهر مشكلة، ما العمل مع طبيعة المرأة من حمل وإنجاب؟ هنا يتقدم الطب الإنجابي خطوات متسارعة هائلة فتظهر وسائل منع الحمل بأنواعها وأسعارها الرخيصة مع حملات توعية، ويعقب هذا الإخصاب في المختبر والأدوية التي تعزز هذا وتخزين البيض وكذا والتلقيح الاصطناعي. المقصد أن الحل موجود لكل ما يقف في طريقنا، المهم أن نسير في طريقنا فالمرأة سلعة رائجة لابد من استثمارها بأي طريقة.
من عفن المحاولات
هل تلاحظون معي وفي طريقنا تختفي أو تقل تدنيس فكرة الأمومة رويدا رويدا، وإليك كلمات توضح ما نريد الوصول إليه:
نوال السعداوي قالت خلال حوارها على أحد الفضائيات: "ظروفي ساعدتني في استمرار الثورة على الحياة الزوجية"، وقالت: "تخلصت من سجن الأمومة، الذي يحول المرأة إلى عبدة، وذليلة، وتضحى بكرامتها، وثقافتها، من أجل الأطفال".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

