القيم والمبادئ التي تقدَّس، سواء كان مصدرها الدين أو الأفكار أو الشخصيات، تُعتبر أهم المحددات التي تحدد السلوك العام للفرد، فنجد أن الإنسان يسعى لامتثالها، واتخاذها مُثُلًا عُليا، ويكون الدافع لسعيه القناعةَ بأهميتها، سواء كانت القناعة فكرية، أو كان منشؤُها اعتقادًا دينيًّا. إلا أن تلك القيم والمبادئ (المقدسة) قد تَخْفُت مع مرور الزمن، أو قد تَتَغير، وربما تزداد تعمقًا وتجذرًا.
قد يتعرف الإنسان إلى أفكار أو وقائع جديدةٍ، وتكون تلك الوقائع الجديدة سببًا في اصطدامه مع قِيَمه التي سعى لامتثالها، أو في أقل الأحوال تجعله يتساءل عن سبب عدم تواؤم تلك القناعات التي تشكلت لديه مع ما اصطدم به في الواقع، فيظل الإنسان في موقفه هذا دائم التفكير مشغول البال، خصوصًا إذا كانت قناعته السابقة قوية، أو كان قد مرّ عليها زمن طويل؛ لأن الفِكَر الجديدة التي تتشكل في الذهن، إذا اصطدمت بفِكَر أخرى في عملية التفكير ذاتها، فإن الإنسان قد يتخلى عن تلك التي تشكلت حديثًا؛ فهو ينظر إلى التخلي عن الفكرة الحديثة على أنه جزء من عملية التقويم والتطوير للفكرة ذاتها، أما الفكرة القديمة التي بنى عليها تصورات أو مواقف، فمن الصعوبة التخلي عنها عند تعارضها مع أخرى جديدة، وعند التأمل نجد أن الناس في موقفٍ كهذا ينقسمون إلى أقسام.
أحيانًا تستمر القناعة الفكرية في حدها الأدنى إلى أن يصطدم بموقف احتياج أو اضطرار ينتج عنه ترك مبادئه، لأن الامتثال تحول إلى امتثال صوري بعد ورود تلك الفِكَر الجديدة
أحوال الناس مع الفِكَر المتصادمة مع القناعات والقيم
- النوع الأول: هو من تجعله تلك الوقائع أو الفِكَر الجديدة التي اصطدم بها يتراجع عن القناعات السابقة، ويتخلى عن المبادئ التي كان يضحي من أجلها.
- النوع الثاني: هو من تؤثّر فيه إلى حد التشكيك، الذي ينتهي معه المطاف إلى المراجعة وإعادة النظر في بعضها، فيعدلها أو يشذبها، وقد يتنازل عن بعضها، أو يضيف إليها ما يراه مناسبًا للتواؤم مع خليط صدمات الواقع التي قد تكون منطقية لديه.
- النوع الثالث: هو من يصل به التأثير إلى ضعف في التمسك، والخروج من دائرة التضحية إلى دائرة الامتثال الصوري، وأحيانًا تستمر القناعة الفكرية في حدها الأدنى إلى أن يصطدم بموقف احتياج أو اضطرار ينتج عنه ترك مبادئه، لأن الامتثال تحول إلى امتثال صوري بعد ورود تلك الفِكَر الجديدة.
وأما من لا يتأثر بتلك الوقائع والأحداث، فهو من لم يصل إلى حد الاصطدام، أو اصطدم لكنه بعد مراجعة سريعة أدرك الفوارق والمبررات، لذلك نجد في الصور الثلاث السابقة أن أسباب تأثير الفِكَر والوقائع الجديدة على المبادئ التي يحملها الشخص تكون مختلفة بحسب الظروف المحيطة بالشّخص.
فمن الأسباب، التصور الناقص عن الفكرة والمبادئ التي كان الإنسان يسعى من أجلها، فلم يكن التصور كاملًا، إذ لم تكن الصورة واضحة بشكل كافٍ، أو أن أبعاد القيم والمبادئ لم يكن الإنسان يدركها بوعي وفهم عند اعتناقها أو الاقتناع بها، وقد يكون السبب استعجال صاحب القيم والمبادئ قطفَ الثمار، وذلك عندما تكون تلك القيم والمبادئ مربوطة بزمن ما، أو تكون مربوطة بنتيجة أو ثمرة ينتظرها صاحب تلك القيم والمبادئ، وقد يكون السبب فرديًّا يعود إلى طبيعة الفرد نفسه من حيث طبيعة النظر إلى الأحداث ومن حيث طبيعة قراءته للوقائع والمعلومات الجديدة.
نجد أن من أسباب الثبات هنا التصور الكامل للفكرة، أو الإحاطة بأبعاد الفكرة التي نؤمن بها، ومن دواعي تبديل الإنسان لفِكَره التي آمن بها الجهل ببعض جوانبها
مثال وختام
وحتى لا يتشتت القارئ الكريم نأتي بالمثال ليتضح المقال، ولنأخذ أمثلة من التاريخ الإسلامي.
فلو نظرنا إلى موضوع حادثة الإسراء والمعراج، فسنجد أن بعض المسلمين لم يصدق بوقوع الحادثة فترك الإسلام وخرج من دينه، وهنا يمكننا أن نلاحظ من خلال الروايات التاريخية أن الذين تركوا لم يكونوا من المشهورين، بل من المغمورين، إذ لم تُنقل لنا أسماؤهم.
وبغض النظر عن شهرتهم أو عدمها فإن الموقف يبين لنا أن ترك الإسلام إشارة إلى أن القناعة السابقة بمبدأ الإسلام لم تكن قناعة نابعة من تصور كامل للفكرة بحيث يستطيع حاملها الإحاطة بأبعادها المختلفة، أو في أقل الأحوال لم تكن الفِكَر التي آمن بها واضحة له.
ولذلك فإنه بمجرد الاصطدام بالذي تكوَّنَ لديه من منطق عقلي لم يُكلِّف نفسه النقاش في المسألة نفسها، بل اتخذ القرار بترك الإسلام، لأن الفكرة في أصلها غير واضحة عنده كما اتضحت عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي أحاط بأبعاد فكرة الإيمان بالنبي وبدين الإسلام، لذلك لم يكتفِ، رضي الله عنه، بمجرد التصديق، بل ناقش "قريش" نقاشًا منطقيا وعقلانيًا لإقناعهم بأن الذهاب إلى بيت المقدس والرجوع إلى مكة ليس بأغرب من التصديق بمجيء الخبر من السماء في اللحظة الواحدة، فالوحي يأتي النبي، صلى الله عليه وسلم، في الصباح والمساء، وهنا يتحول أبو بكر الصديق من موقف المدافع إلى موقف المهاجم.
ولذلك نجد أنّ من أسباب الثبات هنا التصور الكامل للفكرة، أو الإحاطة بأبعاد الفكرة التي نؤمن بها، ومن دواعي تبديل الإنسان لفِكَره التي آمن بها الجهل ببعض جوانبها.
ومن هنا يتوجب علينا الإحاطة بكل قيمنا ومبادئنا، ومعرفتها وإدراكها، حتى لا نكون مصيدة لبعض الشبهات أو الأفكار الدخيلة، أو عُرضة للاصطدام السلبي ببعض الوقائع والأحداث.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

