يعرفوننا كما يعرفون أنفسهم!

FILE PHOTO: U.S. special envoy for Syria Tom Barrack speaks during a press conference with Syrian Foreign Minister Asaad Hassan al-Shibani and Jordanian Foreign Minister Ayman Safadi, in Damascus, Syria September 16, 2025. REUTERS/Khalil Ashawi/File Photo
المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك (رويترز)

لطالما كانت الحقيقة -بمرارتها- ثقيلة على الأسماع، ومع تسارع الأحداث السياسية التي تمر بها منطقتنا العربية والإسلامية، مصطحبة معها الجغرافيا إلى طريق لا تبدو ملامحه حتى اللحظة، نجد أنفسنا مجبرين على الوقوف متسائلين عن تلك الحقيقة: أين نحن منها؟ وهل كل ما يقال يمكن التسليم به كما هو، بلا شائبة تشوبه أو حق يصاحبه؟

كمؤرخ ينظر للعرب وتاريخهم، يطلق (توم براك) -مبعوث الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) إلى "سوريا"- تصريحات مدوية، يقول فيها بكل وضوح لا لبس فيه: "إنه لا وجود حقيقيا لشيء اسمه الشرق الأوسط، فهناك فقط قبائل، وهناك قرى، أما الدول القومية فقد أوجدها البريطانيون والفرنسيون".

ويسترسل في مقابلة صحفية سريعة قائلا: "إن الدول القومية تأسست عام 1916 بموجب معاهدة (سايكس-بيكو)، حين قررا اقتسام ما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، فرسما خطوطا مستقيمة على الخريطة وسمياها دولا قومية".

لقد جرى تقسيم الأرض وترسيم الحدود على أساس المصالح الاستعمارية للقوى الأوروبية، لا على أساس قومي موحد. بل إن العرب رأوا في القومية مظلة تجمعهم بعد الفراغ الذي خلفه سقوط الخلافة

وعلى الرغم من "اللغة الاستعلائية" التي استخدمها الرجل -والتي برزت في محطات أخرى متعددة- وهي بالطبع تتناسب مع "العهدة الترامبية الثانية"، ينبغي التوقف عند هذا الكلام وفحصه بدقة، قبل التسليم به أو إنكاره جملة. كما يلزم النظر في دوافع هذا التصريح في هذا الوقت بالذات. ولنبدأ بالحقائق الواضحة وبيان ما غاب منها.

نسلم لبراك -اللبناني الأصل، الأميركي المولد والنشأة- بأن التقسيم حدث بعد سقوط "الخلافة" أو "الإمبراطورية العثمانية" على أيدي البريطانيين والفرنسيين، لكن هل كان ذلك تقسيما قوميا كما قال؟

مع الحرب العالمية الأولى، عقد (الشريف حسين بن علي) مراسلات مع بريطانيا عرفت بـ(مكاتبات الحسين-مكماهون 1915-1916)، والتي وعدته بدولة عربية مستقلة إذا ثار على العثمانيين.

إعلان

صدق الشريف حسين هذا الوعد، وأطلق سنة 1916 "الثورة العربية الكبرى" من مكة ضد العثمانيين، بدعم بريطاني من مال وسلاح وقوات (لورنس العرب)، معلنا نفسه ملكا للعرب باعتباره قائد الثورة وحامي مشروع الدولة العربية المستقلة.

لكن ما لبث هذا المشروع أن انهار بسبب خيانة الحلفاء (سايكس-بيكو، بلفور)، إلى جانب ضعف القاعدة الشعبية وصعود قوى إقليمية منافسة قضت لاحقا على هذا الحلم جملة وتفصيلا.

لقد جرى تقسيم الأرض وترسيم الحدود على أساس المصالح الاستعمارية للقوى الأوروبية، لا على أساس قومي موحد. بل إن العرب رأوا في القومية مظلة تجمعهم بعد الفراغ الذي خلفه سقوط الخلافة.

وعلى أيدي الزعماء العرب أعطيت الأسماء الجديدة للدول بشكل قومي وتاريخي يكرس الهويات الوطنية الجديدة، فكانت الدول: العراق، وسوريا، وفلسطين، والأردن، ولبنان، والسعودية، ومصر.

كعالم اجتماع أيضا، يضيف براك: "الواقع مختلف، فالانتماء في الشرق الأوسط يبدأ بالفرد، ثم العائلة، فالقرية، فالقبيلة، فالمجتمع، ثم الدين، وتأتي القومية في المرتبة الأخيرة".

يذكرني هذا التصريح بعالم الاجتماع الكبير (ابن خلدون) الذي قال في مقدمته: "إن الأساس الأول للانتماء عند العرب يبدأ من العصبية القبلية أو النسبية، والقبيلة أو العشيرة هي الإطار الأول الذي يحمي الفرد ويعطيه مكانته".

ويعتبر ابن خلدون أن هذه العصبية ضرورية لتأسيس أي سلطة أو عمران. لكن الانتماء عنده يتوسع "عندما ترتفع العصبية من مستوى القبيلة إلى مستوى أشمل، كاتحاد قبائل أو أمة حيث الإسلام"، ومعه تجاوز العرب العصبية القبلية ليجتمعوا على عصبية دينية أوسع، هي رابطة العقيدة. وهنا ينتقل الانتماء من الدم والقبيلة إلى العقيدة والجماعة المسلمة.

هنا غاب عن براك الترتيب الواقعي الثابت تاريخيا في مراتب الانتماء داخل هذه المنطقة. فالقومية تأتي قبل الدين في سلم الانتماءات الاجتماعية، بينما الدين هو الذي استطاع أن يوحد كل هذه القوميات -العربية وغير العربية- تحت مظلة جامعة. ثم ألم تتوافق القوميات في تاريخنا قبل نظرية ابن خلدون وبعدها؟

إن تصريحات براك ليست توصيفا للواقع فحسب، بل تحمل في طياتها شرعنة للاستيلاء الإسرائيلي على مزيد من أراضي الدول العربية، فهي -وفق منطقه- مجرد خطوط مستقيمة رسمتها القوى الاستعمارية

نتذكر تاريخنا من خلال (نظام الملك) و(صلاح الدين الأيوبي) -589هـ/1193م- حين تمكن الوجود السني في العالم من تجاوز أعنف التحديات التاريخية التي واجهته، بتأسيس قواعد المواجهة مع القوتين: (الشيعية الإسماعيلية والصليبية).

وقد مثل الرجلان نموذجا ناجحا لتوافق المكونات العرقية المختلفة -العربية وغير العربية- داخل السلطة. وكان كلاهما سببا في كسر القوى البيزنطية والصليبية في معركتي (ملاذكرد وحطين) في القرنين الخامس والسادس الهجريين.

لقد أتاح لهما هذا "التعالي عن الانتماء العرقي" حركة ناجحة امتد أثرها إلى ما يقارب ألف عام لاحقة في الاجتماع السني.

يستدرك براك ليبرهن على حجته في رؤيته للمنطقة فيقول: "إن هذا ما قصدته حين قلت إن السلام في الشرق الأوسط مجرد وهم.
فكرة السلام هنا مجرد سراب، فمن الصعب جمع 27 دولة قومية وأكثر من 110 مجموعات إثنية ضمن خط سياسي واحد.
وما يمكن أن يوحد الناس في نهاية المطاف أمر واحد فقط: أن تتحسن حياتهم وحياة أبنائهم".

إعلان

نقر لبراك بأن الجمع بين هذه المكونات صعب، لكنه ليس مستحيلا. فقد حدث في زمن غير بعيد حين كانت المنطقة تحت مظلة دينية واحدة في آخر خلافة عثمانية. ومع ذلك، لا نزعم أن هذا النموذج السياسي كان مثاليا؛ إذ حمل في بنيته عناصر انهياره وعجزه عن مواكبة العصر.

لكن يبقى السؤال: هل فقدت الأمة كل ما يوحدها حتى باتت تفكر بالمنطق الغربي الذي لا يرى في الوجود سوى تحسين المعيشة المادية؟

إن تصريحات براك ليست توصيفا للواقع فحسب، بل تحمل في طياتها شرعنة للاستيلاء الإسرائيلي على مزيد من أراضي الدول العربية، فهي -وفق منطقه- مجرد خطوط مستقيمة رسمتها القوى الاستعمارية. وقد صرح أيضا بأن "لبنان يواجه خطرا وجوديا، وإن لم يتحرك سريعا، فسيعود إلى أن يكون جزءا من بلاد الشام مرة أخرى".

الأيام حبلى بالمفاجآت، وعلى الرغم من مرارتها وسرعتها التي تكاد تحجب التأمل، فإنها تحمل في طياتها أملا كبيرا وأنباء عظيمة، إن نحن أدركناها قبل فوات الفرصة التاريخية التي بين أيدينا

وبالاستناد إلى عبرة التاريخ، يلزم أن نعي هذه التحديات وأن نبدأ بالتوحد تدريجيا عبر جمع الكلمة ورص الصفوف. فمحاولات كسر الحدود بين الدول أثبتت في بعض الأحيان أنها قد تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها، لذلك يبقى الحفاظ على الحدود مع تعزيز التعاون والانصهار لأعلى مستوى ممكن، هو الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.

أما المسؤولية السياسية، فتقع على عاتق الجميع. ففي أحد اللقاءات بالبيت الأبيض، استقبل الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان)، وحين قدم الوفد المرافق نفسه، قال ترامب مازحا: "إنني أعرفهم أكثر من أي شخص آخر، هؤلاء أذكياء جدا، وكم تمنيت لو أنهم لم يكونوا كذلك!"

مزاح له دلالاته؛ فالساسة لا يمزحون عبثا.
هم يعرفوننا كما يعرفون أنفسهم، فماذا نحن فاعلون؟

إن الخطابات والاتفاقيات والمحادثات -بل حتى المزاحات- تفقد قيمتها إن لم تترجم على أرض الواقع. وعلى هذا الجيل، بما حمل من تجارب مريرة، أن يكون أكثر وعيا بواقعه وتحدياته، مجددا صلته بتاريخه العظيم، مستحضرا الفكر والسياسة معا، لينفض عن نفسه غبار الغفلة، ويصنع حاضرا مشرفا مفعما بالقوة والكرامة.

تلك هي المسؤولية التاريخية التي تقع على عاتقنا اليوم.

يصرح براك أخيرا فيقول: "كشخص درس التاريخ، لا أعتقد أن منطقة الشرق الأوسط شهدت فترة مستمرة من السلام خلال مئة عام. ليس من السهل نشر السلام في بلدان تتكون من قبائل وفرق عانت طويلا أوضاعا استعمارية".

هم يعرفون هذه الحقائق كما يعرفون أنفسهم، التي صنعت هذا الاستعمار.

لكن هل نحن مدركون لما غاب عن معرفتهم بنا؟

وهل نحن واعون تماما بأسباب القوة التي نملكها، وبالتحالفات الواقعية الممكنة في ظل عالم غربي منقسم على نفسه ينهش بنيانه يوما بعد يوم؟

الأيام حبلى بالمفاجآت، وعلى الرغم من مرارتها وسرعتها التي تكاد تحجب التأمل، فإنها تحمل في طياتها أملا كبيرا وأنباء عظيمة، إن نحن أدركناها قبل فوات الفرصة التاريخية التي بين أيدينا.

ولا أعتقد أن جيلا نجح في تحويل مشروعه من مدينة على الأطراف إلى دولة كاملة سيفرط بسهولة بهذه المكاسب، مهما عظمت التحديات التي ترافقها.

وأحسن الظن بأن السياسيين المسلمين -على اختلاف أجناسهم وقومياتهم- الذين برزوا مؤخرا في الساحات الدولية، لن يتخلوا عن دعم مثل هذه المشاريع وتقويتها، بل والتحالف معها، "حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون"، (وكان أمر الله قدرا مقدورا).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان