هل أنقذ توقف السينما السورية الفن من الانحدار؟

blogs مشهد من مسلسل باب الحارة
لقطة من مسلسل باب الحارة (مواقع التواصل)
  • توقف السينما السورية.. نجاة من الانحدار

كشاب مصري نشأت على متابعة السينما والدراما منذ طفولتي، كنت أفتخر دائما بأن مصر هي "هوليود الشرق" ومنارة الفن العربي. لكن مع مرور السنوات، وخاصة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي وما تبعها من تحولات سياسية، بدأت أرى السينما المصرية والعربية تهبط شيئا فشيئا، وتتحول من مدرسة تُربي الأجيال وتغذي الوعي، إلى مجرد تجارة سريعة هدفها الربح والإثارة الرخيصة.

خلال السنوات الماضية، عشت كغيري من الشباب المصري خيبة أمل حقيقية؛ فالسينما التي علّمتنا قيمة العائلة، ونقلت إلينا قصص الكفاح والبطولة، صارت تكتفي بعرض مشاهد الخيانة والعنف المفرط والإيحاءات التي لا تخلو من ابتذال!

لا تحسبوه شرا لكم.. بل هو خير

وسط هذا الإحباط من المحتوى السينمائي المصري، وجدت نفسي أقارن وضعنا، نحن الذين عشنا أربعة عشر عاما من دون حرب، مع سوريا التي مزقها الصراع وأعياها الدمار. وهنا كانت المفارقة: ففي حين فقدنا نحن بوصلة الفن، كان توقف الإنتاج السينمائي في سوريا منذ اندلاع الثورة بمثابة نجاة لأهلها من الانحدار الأخلاقي الذي ابتلينا به.

تدهور السينما المصرية

خلال السنوات الماضية، عشت كغيري من الشباب المصري خيبة أمل حقيقية؛ فالسينما التي علّمتنا قيمة العائلة، ونقلت إلينا قصص الكفاح والبطولة، صارت تكتفي بعرض مشاهد الخيانة والعنف المفرط والإيحاءات التي لا تخلو من ابتذال!

صرت أشاهد مقتطفات من المسلسلات والأفلام وأتساءل: هل هذا ما تبقّى من فنّنا؟

شاهدت جيلا جديدا من الأفلام يستهلك الضحك الرخيص والمشاهد الجريئة دون أي مضمون يليق بتاريخ السينما المصرية، وكأن الرسالة أصبحت واضحة: "ليذهب الوعي إلى الجحيم؛ فالذوق العام أهم بكثير".

بينما امتلأت شاشاتنا في مصر خاصة، وفي الوطن العربي عامة، بأفلام تخدش الحياء وتروّج لقيم غريبة عن بيئتنا، نجا السوريون من هذه العاصفة

المفارقة السورية

حين التفتُّ إلى سوريا، البلد الذي عاش الثورة والدمار والحصار، كنت أتوقع أن يسارع النظام المخلوع إلى استثمار السينما والدراما كأداة دعاية رخيصة يموّه بها على جرائمه، أو يعيد بناء قاعدته الجماهيرية كما تفعل الأنظمة الدكتاتورية عادة حين تستخدم الفن لتحسين صورتها أمام الشعوب. لكن المفاجأة أن الصناعة هناك توقفت تماما.

إعلان

في البداية، اعتقدت أن هذا التوقف خسارة، غير أنني حين قارنت المشهد العربي كله، ومدى الانحدار الذي وصلت إليه السينما في بلادنا، اكتشفت أنه كان نعمة كبرى على السوريين أن حُرموا من هذه الموجة الفنية التي هدمت القيم الأسرية والمجتمعية في المنطقة.

فبينما امتلأت شاشاتنا في مصر خاصة، وفي الوطن العربي عامة، بأفلام تخدش الحياء وتروّج لقيم غريبة عن بيئتنا، نجا السوريون من هذه العاصفة. لم يُفرض عليهم أن يشاهدوا أسرهم تتعرض للانهيار أمام رسائل خفية تتسلل عبر الأفلام والمسلسلات، ولم يُضطروا -كما نفعل نحن- لتبرير مشاهد جارحة لأطفالهم لا تنسجم مع دينهم ولا مع خصوصيتهم الثقافية.

المفارقة أن الإدارة السورية تملك اليوم ثروة من الفن الخام الذي لم يُشكَّل بعد، وهو جاهز لأن يُنحت وفق ما تقتضيه المرحلة السياسية والاجتماعية

فرصة للإدارة الجديدة

اليوم، ومع نجاح الثورة، والحديث عن إدارة سورية جديدة تحمل رؤية تقوم أولا على خدمة القيم الدينية وتعزيز مكانة الأسرة والمجتمع، أرى أن هذا الانقطاع الفني غير المتوقع سهّل عليها المهمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

فهي لم ترث أرشيفا مثقلا بالأفكار المناقضة للدين والأخلاق، ولا محتوى فنيا سلبيا يشوه صورتها العامة ويُحرجها أمام الشعب.
على العكس، صارت أمامها فرصة نادرة للبدء من الصفر، وأرض خصبة يمكن من خلالها صياغة سياسة فنية متينة تراعي القيم والأعراف، وتتماهى مع الرؤية المجتمعية التي تسعى القيادة لترسيخها.

أما نحن في مصر، فما زلنا غارقين في دوامة الجدل: كيف نعيد للفن مكانته بعدما تلوثت صورته؟ كيف نصالح الجمهور مع سينما باتت في نظر كثيرين مرادفا للابتذال؟

المفارقة أن الإدارة السورية تملك اليوم ثروة من الفن الخام الذي لم يُشكَّل بعد، وهو جاهز لأن يُنحت وفق ما تقتضيه المرحلة السياسية والاجتماعية.

ويبقى الرهان الأكبر: أن تدرك القيادة الجديدة هذه الأهمية، وأن توظّف الفن كعنصر أساسي لصياغة هوية المرحلة المقبلة.

ما شهدناه خلال العقد الماضي من ابتذال وتسطيح جعلني أشعر اليوم بشيء من الغيرة الإيجابية تجاه السوريين؛ إذ صحيح أن توقف إنتاجهم السينمائي جاء نتيجة ظروف قاسية لا يتمنى أحد أن يعيشها، لكنه حماهم من موجة الانحطاط التي اجتاحت السينما المصرية والعربية

نحن لسنا أعداء الفن، بل على العكس، نُقدّر قيمته ونعتبره جزءا أصيلا من هويتنا المصرية والعربية.

غير أننا نرفض أن يتحول إلى أداة سلطوية تُسخّر لهدم القيم بدلا من بنائها، ولإضعاف المجتمع وتفكيك الأسرة عوضا عن تقوية أواصرها.

ما شهدناه خلال العقد الماضي من ابتذال وتسطيح جعلني أشعر اليوم بشيء من الغيرة الإيجابية تجاه السوريين؛ إذ صحيح أن توقف إنتاجهم السينمائي جاء نتيجة ظروف قاسية لا يتمنى أحد أن يعيشها، لكنه حماهم من موجة الانحطاط التي اجتاحت السينما المصرية والعربية.

وربما، حين يبدؤون من جديد، سيكتبون فصلا مختلفا في الفن، يعكس ملاحمهم وتضحياتهم، وتسيطر عليه القيم التي ثاروا من أجلها.

أما نحن، فما زلنا نبحث عن طوق نجاة يعيد للسينما المصرية مجدها، بعيدا عن الإسفاف الذي جرّدها من رسالتها.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان