إيران وإسرائيل: لماذا يظل التفاهم الجزئي أقرب من الحرب الشاملة؟

تصميم خاص- تصاعد احتمالات عودة الحرب بين إسرائيل وإيران واستعدادات كل منهما لذلك على خلفية تفعيل الغرب آلية الزناد التي تعيد فرض العقوبات على إيران المصدر : مولدة بالذكاء الاصطناعي-الجزيرة
الكاتب: الأشهر المقبلة ستكشف ما إن كان الحوار قادرا على إطفاء شرارة الصراع أم إن التوتر سيستمر على نار هادئة (مولدة بالذكاء الاصطناعي- الجزيرة)
  • إيران والحرب: بين شبح المواجهة والتفاهم الجزئي

تصاعدت التكهنات في الآونة الأخيرة حول احتمال اندلاع حرب واسعة ضد إيران، يقودها الكيان الإسرائيلي بدعم أميركي مباشر. لكن قراءة دقيقة للواقع السياسي والميداني تكشف أن الحرب ليست الخيار الأسهل، وأن طهران قد تجد نفسها أقرب إلى تفاهمات جزئية مع واشنطن من مواجهة شاملة.

فالكيان الإسرائيلي جرب خلال السنوات الماضية مجموعة من العمليات: اغتيالات لعلماء نوويين، وهجمات سيبرانية، وفي النهاية كانت الحرب المباشرة مع إيران.

ورغم هذه الجهود، لم تغير هذه العمليات جوهريا معادلة القوة مع إيران، ولم توقف تقدمها النووي أو الصاروخي. لذلك، العودة إلى الحرب تحتاج إلى دعم أميركي صريح ومباشر، إذ إن إسرائيل وحدها غير قادرة على فرض معادلة جديدة على طهران.

التدخل الأميركي إذا حصل لن يقتصر على ضربات جوية محدودة كما حصل قبل بضعة أشهر، بل قد يمتد إلى نطاق أوسع. وقد يتفاجأ الجميع بقولي إن هذا ما تريده طهران، ومعها بكين وموسكو، وذلك بهدف توريط الولايات المتحدة في صراع طويل ومكلف يشبه ما حصل مع روسيا في أوكرانيا.

لكن التدخل الأميركي البري واسع النطاق يظل احتمالا ضعيفا؛ بسبب الكلفة الهائلة والخسائر المحتملة، والأكثر واقعية هو الاعتماد على الهجمات الجوية والبحرية والسيبرانية، مع مراقبة تحركات إيران وحلفائها الإقليميين.

لفهم الموقف الإيراني، لا بد من النظر إلى المجتمع نفسه، وليس فقط إلى تصريحات المسؤولين. الإيرانيون، بمختلف تياراتهم، يرفضون بشكل قاطع أن تتحول بلادهم إلى ساحة حرب

إسرائيل ربما لن تتعجل بدخول الحرب المباشرة مع إيران مرة جديدة لعدة أسباب، أبرزها أنها تريد إنهاء معظم الملفات التي تقلقها في الإقليم قبل هذه المواجهة الجديدة. فهي تعلم أن حزب الله في لبنان قد أعاد بناء جزء كبير من ترسانته العسكرية التي ضربت خلال الحرب الأخيرة، وأغلق العديد من الثغرات الأمنية التي اخترقتها إسرائيل عبرها.

إعلان

والتصريحات الأخيرة لرئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، تؤكد أن طهران ستعتمد على الحزب بصورة كبيرة في حال احتاجت لذلك في المستقبل القريب.

وطهران نفسها لا تزال تمتلك صواريخ ذكية تجهلها إسرائيل، وما كشفت عنه خلال الحرب هو جزء بسيط من مخزونها العسكري، ولا تزال تل أبيب مرتبكة من الصواريخ التي استهدفتها في الأيام الثلاثة الأخيرة من الحرب.

على ماذا ستحصل إسرائيل إذا قررت الحرب هذه المرة؟

إسرائيل هي نفسها التي قالت إنها دمرت، مع الولايات المتحدة، المفاعلات النووية الثلاثة. وبالتالي، لماذا تعيد الحرب؟ فإن كانت الحرب من أجل تأجيج المجتمع الإيراني ضد قيادته، فهذا الأمر اختبرته إسرائيل في الحرب الأخيرة، وتفاجأت بردة فعل المجتمع الذي لم يتحرك ضد قيادته، بل كان، على العكس تماما، في صفها إلى اليوم الأخير.

وإن كانت تريد إسقاط النظام بشكل كامل، فهي نفسها تعلم أن الضربات الجوية لا تسقط الأنظمة، وأنها ستكون هي الأخرى تحت رحمة الصواريخ الإيرانية.

لفهم الموقف الإيراني، لا بد من النظر إلى المجتمع نفسه، وليس فقط إلى تصريحات المسؤولين. الإيرانيون، بمختلف تياراتهم، يرفضون بشكل قاطع أن تتحول بلادهم إلى ساحة حرب.

وهذا الحس الوطني القوي يضغط على القيادة لتجنب مواجهة مدمرة، حتى إذا تطلب الأمر تقديم تنازلات مؤقتة في البرنامج النووي أو السياسة الاقتصادية. إيران إذن أمام خيارين: مواجهة باهظة الكلفة على أرضها، أو تفاهم جزئي يحمي المجتمع ويكسب الوقت للاستعداد لمستقبل غير مؤكد.

إسرائيل تحتاج الدعم الأميركي، والولايات المتحدة تخشى فخ التورط، وإيران تحرص على حماية أرضها والمجتمع. لذلك فإن التفاهم الجزئي أكثر ترجيحا من الحرب الشاملة

التفاهم الجزئي هو أمر مرجح خلال الأشهر المقبلة، ويمكن أن يشمل:

  • تجميدا جزئيا للبرنامج النووي عند سقف محدد دون تصفير كامل.
  • تأجيل إحياء الملف النووي والمواقع المدمرة لعدة سنوات، ربما تصل إلى خمس.
  • تسليم اليورانيوم عالي التخصيب إلى روسيا أو كوريا الجنوبية أو حتى اليابان، ويكون كعهدة لطهران لديها.
  • ويشمل ذلك أيضا، بالمقابل، تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية، خاصة على قطاعات الطاقة والدواء.
  • ضبط التوتر العسكري في المنطقة.

هذا التفاهم لا يمثل حلا جذريا، بل هدنة تكتيكية تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، وتتيح للطرفين مساحة للتهدئة وإعادة بناء الثقة تدريجيا.

إذا نجحت المفاوضات غير المباشرة عبر وسطاء، مثل سلطنة عمان، فقد يشهد العام القادم:

  • تجميدا جزئيا للبرنامج النووي تحت مراقبة دولية.
  • تخفيف عقوبات محددة، وفتح قنوات مالية وإنسانية تحت إشراف دولي.
  • ضبط التوتر العسكري.

التفاهم الجزئي، رغم هشاشته، يمثل فرصة لكلا الطرفين لتجنب مواجهة مدمرة على أرض إيران، والحفاظ على مصالحهما في المنطقة، ويظل السيناريو الأكثر عقلانية حتى الآن

كل ذلك قد يتيح فرصة لإعادة بناء الثقة تدريجيا، مع إبقاء الباب مفتوحا لمفاوضات موسعة لاحقا. أما إذا تعثرت المفاوضات، أو تصاعدت الضغوط الإسرائيلية أو الأميركية، فإن ذلك سيؤدي إلى:

  1. تصعيد في الضربات الجوية الإسرائيلية المدعومة أميركيا.
  2. تهديد الاقتصاد الإيراني والعالمي عبر توترات أسعار النفط.
  3. استمرار حالة عدم الاستقرار، مع احتمال توسع الصراع إلى مناطق إقليمية خارج إيران، ولكن دون الانجرار إلى حرب شاملة مباشرة.
إعلان

المعادلة الدقيقة تقول: إسرائيل تحتاج الدعم الأميركي، والولايات المتحدة تخشى فخ التورط، وإيران تحرص على حماية أرضها والمجتمع. لذلك فإن التفاهم الجزئي أكثر ترجيحا من الحرب الشاملة.

الأشهر المقبلة ستكشف ما إن كان الحوار قادرا على إطفاء شرارة الصراع، أم إن التوتر سيستمر على نار هادئة، مع إدارة متأنية للأزمة من كل الأطراف. والتفاهم الجزئي، رغم هشاشته، يمثل فرصة لكلا الطرفين لتجنب مواجهة مدمرة على أرض إيران، والحفاظ على مصالحهما في المنطقة، ويظل السيناريو الأكثر عقلانية حتى الآن.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان