- قراءة في التحول الإستراتيجي.. لماذا يتماهى الغرب مع "سوريا الجديدة"؟
يطرح المشهد الدولي اليوم سؤالا محوريا: لماذا يبدو الغرب أكثر انفتاحا وتواصلا مع سوريا الجديدة، رغم إدراكه طبيعة الهوية المجتمعية في بلاد الشام وتاريخها الديني والسياسي؟
أميركا وأوروبا تظهران الآن أكثر استعدادا للتعامل مع دمشق بطريقة هادئة ومرنة. فهل تغير الغرب؟ أم تغيرت الحسابات؟
الغرب لا يبني سياساته على التوقعات الدينية أو النبوءات فقط، بل على مصالحه التجارية والجيوسياسية، ويستعمل الدين لتحقيق هذه المصالح
الهوية الإسلامية السورية.. وهل الغرب غافل عنها؟
ليس صحيحا أن الغرب "لا يرى" التحولات الفكرية والاجتماعية في سوريا. الدول الغربية تمتلك مؤسسات بحثية ضخمة تراقب التحولات السياسية والدينية في الشرق الأوسط، وتدرس تاريخ المنطقة ورواياتها الدينية وتأثيرها المحتمل على الوعي الجمعي.
لكن الغرب لا يبني سياساته على التوقعات الدينية أو النبوءات فقط، بل على مصالحه التجارية والجيوسياسية، ويستعمل الدين لتحقيق هذه المصالح. وبالتالي، ورغم إدراكه مكانة الشام التاريخية والدينية، فإن العامل الحاسم هو: ما الذي يخدم مصالحه على المدى البعيد؟
وقد عبر الرئيس السوري أحمد الشرع عن هذا المعنى حين قال، قبل إسقاط نظام الأسد، إن سنوات الحروب الطويلة تحتاج إلى جلسة حوارية تحل المشكلات، مضيفا أن الغرب لا يملك خيارا إلا المصالحة مع المسلمين والتفاهم معهم.
منطق الإستراتيجيتين: القوة الصلبة والقوة الناعمة
عبر التاريخ الحديث، اعتمد الغرب على إستراتيجيتين رئيسيتين للنفوذ:
- إستراتيجية القوة الصلبة (الاحتلال المباشر أو الحروب بالوكالة): وهي الأدوات التقليدية، مثل التدخل العسكري، وإشعال الصراعات الداخلية، ودعم جماعات مسلحة، والضغط عبر ملفات حقوق الإنسان أو الأقليات.
- إستراتيجية القوة الناعمة (الغزو الاقتصادي والثقافي): وهي الأكثر فاعلية في القرن الحالي، وتشمل:
- الاستثمار، والشركات العابرة للحدود.
- الإعلام والثقافة، والتعليم.
- المنظمات المدنية، والنفوذ الاقتصادي طويل الأمد.
وقد أثبتت هذه الإستراتيجية نجاحها في بلدان كثيرة دون إطلاق رصاصة واحدة.
السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن السنوات الخمس إلى العشر المقبلة ستشهد مواجهة من نوع جديد؛ ليست مواجهة عسكرية، بل مواجهة إستراتيجية بين هوية المجتمع السوري ومحاولات الغرب فرض تأثيره عبر أدوات الاقتصاد والثقافة
لماذا يريد الغرب تطبيق الإستراتيجية الناعمة في سوريا؟
هناك أسباب رئيسية أهمها:
- الضعف الاقتصادي والعسكري الأوروبي: أوروبا اليوم تعيش واحدة من أضعف لحظاتها: أزمة طاقة، وأزمات اقتصادية متتالية، وتهديد روسي متصاعد، وتراجع في القدرة على خوض حروب خارجية. لذلك، لا ترغب أي دولة غربية في تكرار مغامراتها السابقة في العراق، أو ليبيا، أو أفغانستان.
- سوريا أصبحت "سوقا جديدة": بعد 13 عاما من الحرب، تعد إعادة إعمار سوريا من أكبر المشاريع الاقتصادية في الشرق الأوسط، وهو ما يغري الشركات الغربية، خصوصا الأوروبية، التي تواجه ركودا اقتصاديا مستمرا.
هل تدرك دمشق هذه المعادلة؟
من الواضح أن الإدارة السورية تستوعب التحول الجديد، خاصة مع خبرة الحليف التركي، لكنها تقف أمام تحد مهم: كيف تستفيد من الانفتاح الاقتصادي دون السماح بالاختراق الثقافي أو الأمني؟
فالخبرة السورية في إدارة هذا النوع من النفوذ ليست كبيرة، بينما تمتلك الدول الغربية أدوات ضخمة للتأثير في التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والمجتمع المدني. وهذه المجالات هي الأكثر حساسية؛ لأنها تؤثر في الهوية العميقة للدولة.
الغرب ليس غافلا عن الهوية السورية ولا عن تاريخ الشام، لكنه يعتمد اليوم على النفوذ الاقتصادي بدل التدخل العسكري، والتغلغل الثقافي بدل الصدام المباشر، والاستثمار بدل الاحتلال
المعركة المؤجلة: معركة إستراتيجية
السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن السنوات الخمس إلى العشر المقبلة ستشهد مواجهة من نوع جديد؛ ليست مواجهة عسكرية، بل مواجهة إستراتيجية بين هوية المجتمع السوري ومحاولات الغرب فرض تأثيره عبر أدوات الاقتصاد والثقافة.
فحين يصبح للغرب نفوذ اقتصادي عميق في سوريا، سيستخدمه كورقة ضغط سياسية وأيديولوجية، كما فعل في دول عديدة.
الغرب ليس غافلا عن الهوية السورية ولا عن تاريخ الشام، لكنه يعتمد اليوم على النفوذ الاقتصادي بدل التدخل العسكري، والتغلغل الثقافي بدل الصدام المباشر، والاستثمار بدل الاحتلال.
وسوريا التي تدخل مرحلة "ما بعد الحرب" ستواجه في السنوات القادمة معركة أكثر تعقيدا: معركة الحفاظ على سيادتها وهويتها أمام قوة ناعمة تمتلك خبرة طويلة في إعادة تشكيل المجتمعات من الداخل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

