يواجه المواطن في موريتانيا اليوم أزمة وجودية حادة، تتعلق بشعوره بالانتماء إلى وطنه!
في وطنٍ تتقاطع فيه الخطوط الاجتماعية والسياسية على أسس قبلية وعرقية وطبقية، يصبح السؤال حول الانتماء محاطًا بالكثير من التساؤلات التي تدور حول المساواة والعدالة. أيمكن للإنسان أن يشعر بالانتماء إلى هذا الكيان الذي يُفترض أن يكون مهدًا للحقوق والعدالة، أم إن النظام القائم هو مجرد امتداد جديد لنظام الاستعمار، يستغل هذه الفوارق لإعادة إنتاج نفس الفوارق الطبقية والسياسية؟
هذه التساؤلات وغيرها ستظل تشغل ذهن المواطن الموريتاني إلى أن تتحقق العدالة والمساواة، ويُزاح عنها الضباب الذي يلتف حول حقيقة وطنه.
التناقض بين الانتماء والواقع المادي
في لحظة تأملية، كنت واقفًا تحت أشعة الشمس اللاهبة في سوق العاصمة، في مواجهة رياح حارقة، حيث بدا السوق، رغم ضجيجه المعتاد، خاليًا من الحياة والأمل.
كان المكان يعج بالباعة من مختلف الجنسيات، في تداخل غير عادي بين الثقافات والأجناس، ورغم هذا التنوع الذي يعكس الصورة المثالية للوطن المتعدد، كانت قد تجمعت في داخلي أسئلة مريرة حول ماهية الانتماء الوطني. كنت أرى هذا الوطن جزءًا من عالم مشترك، ولكنني كنت أشعر أن انتمائي إليه لا يتعدى كونه فرضًا ثقافيًّا اجتماعيًّا، وليس نتيجة رغبة حقيقية.
يقول مارتن لوثر كينغ: "لن يكون هناك سلام دائم ما دام هناك ظلم". في هذا الواقع الذي يعاني من التفرقة الطبقية، تصبح فكرة الانتماء مجرد وهم يخفف من مرارة الواقع المرير.
ما دام أن العدالة غائبة، وقيم الوطن تمزقها المصالح الخاصة، سيكون الانتماء إلى هذا الوطن مجرد فكرة واهية، معلقة في فراغ غير قادر على منح المواطنين الأمن والكرامة التي يستحقونها
الظلم الاجتماعي والاقتصادي
كيف لي أن أشعر بالانتماء إلى وطن، في كل مرة أُفكر فيما قدمه لي مقارنة بما قدمه للآخرين؟ هذا الوطن، الذي يدعي أنه مهد للحقوق والمساواة، يظل مليئًا بالفوارق الاجتماعية.
عندما أرى كيف أن أبناء القبائل الأقوى أو الأقرب إلى الطبقة الحاكمة يحظون بكل الامتيازات، بينما أُعامل أنا والمجموعة التي أنتمي إليها وكأننا لا ننتمي إلى هذا الوطن، تشتعل في داخلي مشاعر بالظلم والتمييز. أليس هذا هو النظام الذي استند إليه الاستعمار القديم، النظام القائم على استغلال الفوارق الطبقية والعرقية لتبرير الهيمنة؟
يقول مالك بن نبي: "المجتمع الذي لا يحقق العدالة في علاقاته الداخلية، لن يستطيع أن يحقق أي تقدم حقيقي".
نظام مادي يعزز الفوارق
في الواقع، نجد أن هذا النظام الذي يدعي أنه وطن للجميع، أصبح في جوهره نظامًا ماديًّا بحتًا؛ فالعدالة والمساواة أصبحتا مجرد شعارين يُرفعان في المناسبات الرسمية، بينما يظل الواقع مغايرًا تمامًا.
في ظل هذا النظام، تتمسك الطبقات الحاكمة بمصالحها الشخصية، ويتم تهميش المواطن البسيط، الذي لا يملك إلا صوته. الاستعمار لم ينتهِ بشكل كامل، بل تغيرت ملامحه، وها هو يظهر اليوم بشكل جديد، حيث تستغل الطبقة الحاكمة الفوارق الاقتصادية والطبقية لزيادة قوتها وهيمنتها، ويُدَار الوطن كما لو أنه ملك خاص لهم.
الفساد دين جديد
لقد أصبح الفساد اليوم هو الدين الجديد.. دين يُقدَّس فيه الولاء للقبيلة، ويُعبد فيه المال والمصلحة الشخصية. في هذا السياق، تتلاشى القيم الإنسانية، ويُقهر صوت العدالة تحت وطأة الجهوية والطائفية؛ فالمواطن العادي يُحرم من حقوقه في ظل سيطرة الطبقات السياسية والاقتصادية على موارد البلد. هذا الدين لا يعرف العدل، ولا يقيم موازين القوى بين الناس، بل يُقيد الإنسان وتُعزز الانقسامات الاجتماعية، ما يجعل الوطن يتناثر إلى قطع متفرقة.
إن الانتماء الحقيقي ليس أمرًا مفروضًا بالقوة أو موروثًا عن طريق الدم أو المصالح الضيقة؛ الانتماء هو توازن هش بين العدل والمساواة، بين المادي والمعنوي
الانتماء الأعمى
أما الأكثر إيلامًا في هذه المنظومة، فهو الدفاع الأعمى عن هذا النظام! بعض الناس يدافعون عن هذه المنظومة، لا لأنهم يحصلون على حقوقهم منها، بل لأنهم ببساطة يدافعون عن شخص آخر ينتمي إلى نفس القبيلة أو الجهة.
هذه الظاهرة تسمى "الانتماء الأعمى"، حيث يتمسك الفرد بهذا الولاء لا بدافع المصلحة العامة، بل بسبب ارتباطه بمصالح ضيقة ومشوهة، وتصبح الفكرة المهيمنة أن الدفاع عن شخص من نفس القبيلة أو الجهة هو أمر يستحق التضحية بكل شيء من أجله. وفي الحقيقة، يصبح هذا النوع من الانتماء فخًا يُقيد الشخص، ويجره إلى مسارات مسدودة تهدم هويته، وتؤدي به إلى مزيد من الفقر الاجتماعي والعاطفي.
المفارقة الكبرى
لو أن هذا القبلي الجهوي العرقي كان قادرًا على تصور سيناريو بسيط، لكان قد أدرك ضآلة هذا الانتماء الذي يتمسك به. فمثلًا، في حالة وقوع حرب في المنطقة، أسيقدم هذا الشخص – الذي يدافع عنه ويُقدره لمجرد كونه ينتمي إلى نفس القبيلة أو الجهة- نفسه أو ابنه شهيدًا من أجل قطعة التراب هذه، أم إنه في لحظة الحقيقة، سيهرب إلى أقرب كيان آخر، حيث جمع ثرواته بعيدًا عن هذا الوطن، الذي أصبح في نظره مجرد امتياز لمجموعة معينة؟
هذه المفارقة تكشف لنا عن عجز هذه الانتماءات التقليدية عن التحقق في لحظات الحقيقة، إذ يركض هؤلاء بعيدًا عن وطنهم بحثًا عن الأمان في كيان آخر.
ختامًا:
إن الانتماء الحقيقي ليس أمرًا مفروضًا بالقوة أو موروثًا عن طريق الدم أو المصالح الضيقة؛ الانتماء هو توازن هش بين العدل والمساواة، بين المادي والمعنوي.
عندما تغيب العدالة والمساواة، تصبح فكرة الوطن مجرد قشرة خاوية، وفي ظل هذا الواقع (دين الفساد الجديد)، الذي يهيمن عليه الانتماء للأشخاص والمصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة، يبدو أن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: "كيف نُحسن الانتماء؟" بل: "هل يستحق هذا الكيان الانتماء أصلًا؟"؛ فما دام أن العدالة غائبة، وقيم الوطن تمزقها المصالح الخاصة، سيكون الانتماء إلى هذا الوطن مجرد فكرة واهية، معلقة في فراغ غير قادر على منح المواطنين الأمن والكرامة التي يستحقونها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
