الجزاء المدني في القوانين الحديثة وأنواعه

ينتج عن البطلان النسبي عدة أمور هامة منها أن هذا البطلان يتقرر فقط لمصلحة من أصابه دون غيره من الناس (مواقع التواصل)

يقول الدكتور منصور مصطفى منصور عن القانون المدني في مدخله للعلوم القانونية: "إن هذا القانون هو الأصل الذي يُرجع إليه لمعرفة حكم العلاقات الخاصة؛ فقواعد القانون المدني تواجه علاقات الأشخاص بعضهم بالبعض الآخر دون نظر إلى اختلاف طوائفهم ومهنهم".

ويقصد بالجزاء المدني الأثر المترتب على مخالفي القواعد القانونية الخاصة، كالقانون المدني أو التجاري أو البحري أو قانون الشركات أو العمل، ويتقرر هذا الجزاء على من اعتدى على الحقوق الخاصة للأفراد. وتتنوع صور الجزاء المدني، وهي:

التنفيذ العيني (الجزاء المباشر)

هو الجزاء الذي يجبر الأفراد على القيام بما التزموا به وفقًا للقانون أو الاتفاق؛ والتنفيذ العيني متصور فقط عندما يكون إجبار المدين متصورًا، وليس فيه مساس بشخصه.

والأصل هو التنفيذ العيني، كما هو الحال فيمن باع شيئًا ثم امتنع عن تسليمه للمشتري؛ إذ يجوز للأخير أن يلجأ إلى القضاء، ويطلب استلام هذا الشيء جبرًا على البائع، وقد يكون التنفيذ العيني أحيانًا مستحيلًا في بعض الفروض، أو يكون مرهقًا على صاحب الالتزام، ما يأخذنا إلى التنفيذ بمقابل.

البطلان المطلق، وهو البطلان الأشد والأقوى، ويقصد به الجزاء المقرر لفقدان ركن من أركان التصرف القانوني، المتمثلة في الرضا، والمحل، والسبب، والشكل عندما يكون شرطًا للانعقاد

التنفيذ بمقابل (الجزاء غير المباشر)

هو الجزاء الذي يلتزم فيه محدث الضرر بدفع مبلغ من المال للمضرور نتيجة الضرر الذي أصاب الأخير، ويعرف بالتعويض، ويُلجأ إلى هذا الجزاء في ثلاثة فروض:

  • أولًا: عندما يتعذر التنفيذ العيني، ومن هنا جاءت تسمية الجزاء غير المباشر؛ حيث أصبح التنفيذ المباشر مستحيلًا، ومن ثم نلجأ إلى الجزاء غير المباشر. ونأخذ مثالًا لذلك شخصًا التزم برسم لوحة فنية أو صنع ساعة ذات إصدار محدود، لا مثيل لها في العالم بأسره، ودفع المشتري ثمن اللوحة أو الساعة، ثم قُطِعت يد هذا الرسام أو الصانع لأي سبب من الأسباب.. هنا يلتزم الرسام أو الصانع بالتعويض؛ لاستحالة رسم اللوحة الفنية أو صنع الساعة الفريدة. لكن التعويض هنا قد يكون جزاء مباشرًا، وهذا ما يأخذنا إلى الفرض التالي.
  • ثانيًا: عندما يصاب أحد من الأشخاص بضرر نتيجة خطأ ارتكبه شخص آخر.. ومثال ذلك شخصٌ تعرض لحادث نتيجة إهمال سائق سيارة في الطريق، وبسبب ذلك أُصيب في جسده أو ماله، هنا يلتزم محدث الضرر (السائق) بدفع مبلغ من الثمن تعويضًا عن الضرر الذي أصاب المضرور.
  • ثالثًا: عندما يكون الجزاء بمقابل مكملًا للجزاء العيني، حيث يجوز الجمع بينهما.. ومثال ذلك شخصٌ أجّر شقة يمتلكها لمدة سنة، وبعد مرور السنة استمر المستأجر في الانتفاع بالعين المؤجرة لمدة سنة أخرى دون أن يدفع قيمة الأجرة. هنا يمكن للمؤجر أن يطلب من القاضي إخلاء العين المؤجرة (التنفيذ العيني)، بالإضافة إلى إلزام المستأجر بدفع قيمة الأجرة (التنفيذ بمقابل)؛ فالمدة التي استفاد منها المستأجر لا يمكن أن تعود.

البطلان النسبي، وهو البطلان الأخف والأبسط من حيث الخطورة، ويتمثل في الجزاء المقرر لتخلف أحد شروط صحة التصرف القانوني -وهو أحد شروط الرضا-، وتتمثل في الأهلية، وسلامة الإرادة من العيوب

الإلغاء أو إعادة الحال إلى ما كنت عليه قبل وقوع المخالفة

يتعلق هذا الجزاء بالتصرفات القانونية المخالفة للقواعد القانونية، وجزاء هذا التصور لا يخرج عن ثلاث صور:

إعلان
  • الصورة الأولى هي البطلان: وهو الجزاء الذي يصيب التصرفات القانونية المخالفة للقانون، ويعدها كأن لم تكن، وينقسم البطلان إلى نوعين:

البطلان المطلق، وهو البطلان الأشد والأقوى، ويقصد به الجزاء المقرر لفقدان ركن من أركان التصرف القانوني، المتمثلة في الرضا، والمحل، والسبب، والشكل عندما يكون شرطًا للانعقاد، كما هو الحال في الرهن الرسمي.

ويترتب على البطلان المطلق عدة أمور هامة، بدءًا بأن يكون التصرف القانوني هو والعدم سواء، ولا يمكن إجازته، كما يمكن للكافة التمسك به، وللمحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها.

ومن أمثلة البطلان المطلق بيع المجنون أرضه، أو تأجير بيت للدعارة، أو بيع ساعة مقابل 300 قطعة بتكوين، أو عدم احترام الشكلية في عقد رهن رسمي، كأن يبرم العقد عرفيًّا بين أطرافه.

البطلان النسبي، وهو البطلان الأخف والأبسط من حيث الخطورة، ويتمثل في الجزاء المقرر لتخلف أحد شروط صحة التصرف القانوني – وهو أحد شروط الرضا-، وتتمثل في الأهلية، وسلامة الإرادة من العيوب.

وينتج عن البطلان النسبي عدة أمور هامة، هي أن هذا البطلان يتقرر فقط لمصلحة من أصابه دون غيره من الناس، كما أنه تصرفٌ منتج لأثره؛ أي إنه موجود من وقت إبرامه لحين إبطاله، خلافًا للبطلان المطلق؛ حيث إنه تصرف لم يولد أساسًا، إضافة إلى أن البطلان النسبي ترد عليه الإجازة، ولا يمكن للمحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها.

ومن أمثلة البطلان النسبي، بيع القاصر المميز أرضه، أو بيع الشخص أرضه مكرهًا من خلال تهديده بالموت، فالتصرف في هذه الأمثلة صحيح ومنتج لأثره، لكن يحق فقط للقاصر المميز في المثال الأول، والمهدد في المثال الثاني أن يتمسك ببطلان العقد.

  • الصورة الثانية هي الفسخ: وهو الجزاء المقرر على العقود، عند إخلال أحد الأطراف بما التزم به تعاقديًّا، ويجب أن ينطق به القاضي، وبمعنى آخر: هو التحلل من العقود، ويفترض هذا الجزاء أن العقد قد نشأ صحيحًا لا غبار عليه، وسليمًا من العيوب، ومن ثم يرتب آثاره، إلا أن أحد الأطراف لم يقم بما التزم به بسبب استحالة التنفيذ، أو التعنت في القيام بالالتزام.

وللفسخ أثر رجعي؛ حيث يعاد الحال إلى ما قبل التعاقد، ويخرج من نطاق ذلك عقود المدة، فالفسخ فيها له أثر مستقبليٌ فقط، ويظل ما سبق من آثار على حالها.

ونضرب لذلك مثاًلا حتى تتضح الصورة: شخصٌ اشترى سيارة من آخر، ثم امتنع عن دفع ثمنها، هنا يحق للبائع اللجوء للقضاء، وأن يطلب الفسخ. والعكس صحيح.

  • الصورة الثالثة: هي عدم نفاذ التصرف في مواجهة الغير: وهو الجزاء المقرر لمصلحة الغير؛ حيث يكون التصرف القانوني صحيحًا بين أطرافه، منتجًا لجميع آثاره، إلا أنه غير موجود بالنسبة إلى الغير (غير نافذ)؛ لسبب ارتآه المشرع، ما لم يجزه الأخير. ومثال ذلك: بيع العقار غير المسجل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان