- تقرير ألبانيزي: استنطاق للإبادة المسكوت عنها دوليًّا
لم تكن فرانشيسكا ألبانيزي بالنسبة لي مجرد خبَر في نشرة، أو مقرّرة أممية أصدرت تقريرًا وانتهى الأمر. لقد استفزّتني!
استفزّت صمتي، دفاتري، مفرداتي الأكاديمية، وأعادت ترتيب علاقتي كإنسانة باحثة بما يحدث في غزة.
لست أكتب هذه السطور دفاعًا عنها، فهي لا تحتاج من يدافع عنها؛ بل أكتب لأن كلماتها حرّضت في داخلي إحساسًا قديمًا، إحساس أنني مُدانة إن صمتُّ، ومقصّرة إن اكتفيت بالمراقبة.
أكتب لك أيها القارئ العربي، لأنني واحدة منك.. أعرف هذا الإحساس العاجز، وهذا التراكم الحزين الذي يجعلنا نتجاوز المجازر وكأنها حدث عابر.
لكنني اليوم أكتب لأن ما نعيشه ليس فقط مؤامرة قتل أجساد، بل مؤامرة قتل وعي.. قتل الإدراك، والذاكرة، والمعنى.
فرانشيسكا، هذه الباحثة التي خرجت من جدران النظام الدولي لتصرخ بالحقيقة، كشفت لي أننا لا نُقتل فقط في الميادين، بل نُدفن داخل صمت العالم، وداخل نُسَخ مشوهة من العدالة الإنسانية.
وأنا كعربية، وكباحثة تكتب رسالتها عن الإبادة في غزة، وجدتني فجأة أكتب أيضًا عن نفسي.. عنّا جميعًا، وعن هذا الصراع الذي يريد له النظام أن يُختزل في نشرات الأخبار وشعارات الاستنكار، بينما هو في حقيقته محكمة إنسانية عالمية، أرادت لها الأقدار أن يكون محورها غزة.
في تقريرها، استخدمت ألبانيزي لغة واضحة وقانونية دقيقة. وصفت ما يحدث بأنه: "إبادة جماعية تقوم على نية مبيتة، وأدلة دامغة، وخطاب تحريضي ممنهج، وسلوك يدل على تعمّد الإبادة"
بين أخلاقية التقرير وابتذال نوبل للسلام
لكن ما يُميز تقرير ألبانيزي حقًا ليس فقط لغته القانونية أو جرأته السياسية، بل قيمته الرمزية في هذه المرحلة بالذات.. لقد أتى في وقت يروّج فيه البعض لمرحلة "ما بعد الحرب"، وكأنّ المجزرة قد انتهت، وأنّ الضحايا قد تم دفنهم بما يكفي، وأنّ الحكاية انتهت وأُغلق الملف.
في الحقيقة، الحرب لم تنتهِ، والمجزرة لم تتوقف. وما يسوّق له اليوم على أنه "تطبيع" أو "إعادة إعمار" ليس سوى المرحلة الثانية من الجريمة: وهي (محو الوعي الجمعي).
تقرير ألبانيزي يعيد تثبيت الحقيقة في وعي القارئ، ويمنع انزلاقنا الجماعي إلى وهْم ما بعد الحرب، هو تذكير حادّ بأن الإبادة لا تنتهي بسكون البنادق، بل تبدأ من اللحظة التي يُطلب منك فيها أن تصمت، أن تنسى، أن تتجاوز.
ما طرحته ألبانيزي لم يكن فقط اتهامًا، بل مفهومًا جديدًا يستحق التوقف: "نحن لا نواجه إبادة فقط.. بل نواجه منظومة إبادة".
هل نحن -كعرب- ندرك أبعاد هذا الطرح؟ هل أصبحنا نعيش في عالم تُنفَّذ فيه الجرائم دوليًّا، وتُسوَّق على أنها "سلام" و"استقرار"؟
لنتناقش، أيها القارئ العربي.. وأرجو ممن يقرأ مقالي هذا أن يرد عليه بمقال آخر؛ لنُبقي الوعي حيًّا بالنقاش، لا بالصمت.
تقرير ألبانيزي لم يكن مجرد تصريح حقوقي عابر، بل كشف عن تناقض جوهري في النظام الدولي، وعن قدرة أفراد -مهما كانت مواقعهم- على كسر هندسة الصمت العالمي، ولو مؤقتًا.
في تقريرها، استخدمت ألبانيزي لغة واضحة وقانونية دقيقة. لم تلجأ إلى العبارات المواربة، بل وصفت ما يحدث بأنه: "إبادة جماعية تقوم على نية مبيتة، وأدلة دامغة، وخطاب تحريضي ممنهج، وسلوك يدل على تعمّد الإبادة".
ولم تكتفِ فرانشيسكا ألبانيزي بوصف الانتهاكات، بل فضحت صمت المجتمع الدولي، وسمّت الدول والمؤسسات الداعمة لإسرائيل بوصفها شريكة في توسيع دائرة الإبادة.
هذه اللغة الصريحة أربكت المنظومة الغربية، فوصمها كثيرون في أوروبا وأميركا بـ"المتطرفة" و"المعادية لإسرائيل".
لكن المتأمل في المشهد يدرك أن الإشكال لم يكن في مضمون التقرير، بل في كسره توازنًا دقيقًا ومصطنعًا، فرضته واشنطن على الخطاب الأممي؛ حيث لا تُقبل الإدانة إلا إذا كانت محايدة، مخففة، وغير مربكة للسياسات الغربية.
وهنا تتجلى الهيمنة الأميركية كما أتناولها في بحثي الأكاديمي: ليست فقط هيمنة سياسية، بل هيمنة لُغوية ومفاهيمية، تُحدد ما يُقال وما لا يُقال، وتُعيد إنتاج "المقبول" داخل الأمم المتحدة حتى في توصيف الجرائم.
وفي مشهد لا يخلو من الابتذال السياسي، كان نتنياهو يكرّر سرديته المفضوحة عن "الحق في الدفاع"، بينما يُلمّح لترامب بترشيح لـ"نوبل للسلام"، وكأن المجازر لا تزال بحاجة إلى تبرير رسمي.
في هذا السياق المشوّه، جاء تقرير ألبانيزي كقنبلة أخلاقية فجّرت صمت المؤسسات، وأربكت سردية النظام الدولي، وذكّرت العالم بأن تسمية الجريمة ليست تطرفًا، بل فعلَ مقاومةٍ أخلاقيًا في وجه هندسة ناعمة للإنكار.
كل من يساهم في طمس التقرير، أو التهوين من فظاعته، أو تذويب لغته داخل سرديات "التوازن"، إنما يشارك في جريمة أعمق: قتل الوعي
الوعي العالمي يُصنع.. اصنع ذاكرتك
أمام هذا المشهد، تكمن أهمية الوعي الآن أكثر من أي وقت مضى: في الرفض، في الذاكرة، في القدرة على تسمية الجريمة باسمها؛ لأن العدو لا يكتفي بقتلنا، بل يسعى لأن يُقنعنا أننا لم نُقتل أصلًا.
ولذلك، فإن التعامل مع تقرير ألبانيزي يجب ألا يكون فقط بردود أفعال آنية، بل بدراسة معمّقة لمفاهيم "منظومة الإبادة" و"الشراكة في الجريمة" التي طرحتها.
ليست الحرب على غزة مجرد إبادة أجساد، بل هي أيضًا معركة شرسة على الوعي.
حين تُقتل الحقيقة، تُدفن الضحايا مرتين.
وكل من يساهم في طمس التقرير، أو التهوين من فظاعته، أو تذويب لغته داخل سرديات "التوازن"، إنما يشارك في جريمة أعمق: قتل الوعي.
قاوم السردية.. الإبادة لم تنتهِ
إنني لا أكتب لأشرح التقرير، بل لأقاوم انسياقنا وراء السردية التالية.
لأقول: ما زلنا هنا، ما زالت المجزرة مستمرة، وما زال علينا أن نُسمّي الأشياء بأسمائها.
فلسطين لا تحتاج فقط من يبكيها، بل من يُدافع عن وعيها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
