موجات الحر.. أبواب الجحيم المناخي

تساعد الأقمار الصناعية المدعمّة بكشافات حرارية على التنبؤ بحدوث الحرائق ومكافحتها (وكالة الفضاء الأوروبية)

"إنه حر لا يُطاق، لم آتِ إلى روما لأموت هنا!" هكذا عبّر أحد السياح في إيطاليا عن شدة تلك الموجة الحارة التي تضرب غرب وجنوب أوروبا بشكل غير مسبوق، وبارتفاعٍ قياسي في درجات الحرارة لم تعهده القارة العجوز من قبل.

هذا الارتفاع دفع العديد من دول أوروبا إلى إعلان حالة التأهب القصوى واتخاذ تدابير وقائية، شملت إخلاء عدد من المواقع السياحية، واستنفار فرق الإطفاء لمواجهة حرائق الغابات في بعض الدول، وإغلاق المدارس، وحظر العمل في الأماكن المفتوحة خلال ساعات النهار، وتحذير المواطنين من التعرض المباشر للشمس، فضلًا عن تجهيز "ملاجئ مناخية" كما في إيطاليا.

فما الذي يحدث حقًا؟ وهل للأمر علاقة بالتغير المناخي؟ أم أنها مجرد موجة حارة عابرة كغيرها مما نشهده من حين إلى آخر؟!

في فرنسا، جاء الإنذار الأحمر من نوعٍ آخر، حيث حذرت السلطات من تهديد الموجة الحارة للتنوع البيولوجي، بعد رصد غزو أنواع من الأسماك الاستوائية سواحل الجنوب الفرنسي

موجة حرٍّ قاسية

نعم، إنها قاسية، وليست قياسية فحسب، بل ستزداد قسوة وحدة كل عام. نحن أمام ظواهر طقسية متطرفة -كما أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية- هكذا يجب أن نفهم ما يحدث، ونضعه في سياق من الوعي البيئي والتحديات التي تواجه كوكبنا، والتي كانت في الماضي مجرد تحذيرات، وأصبحت اليوم واقعًا نعيشه بألم وحسرة.

الخطير أن هذه الموجة الحارة جاءت مبكرًا هذا العام مع بدايات الصيف، مصحوبة بارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وفي مناطق أوروبية لم تشهد مثل هذه القسوة من قبل.

ففي البرتغال وإسبانيا، تجاوزت الحرارة 46 درجة مئوية، ما جعل من شهر يوليو/ تموز بشمسه الحارقة شهرًا تعيش فيه أوروبا على صفيح ساخن. ولم يقف الأمر عند ارتفاع الحرارة فقط، فالكوارث لا تأتي فرادى؛ إذ شهدت البرتغال واليونان وتركيا جفافًا ساهم في اشتعال حرائق الغابات، لتتضاعف المخاطر وتتحول إلى مأساة.

إعلان

وقد أصدرت البرتغال إنذارًا أحمر بسبب اتساع رقعة الحرائق وبلوغها مناطق مأهولة بالسكان، في مشهد تراجيدي مرعب.

وفي فرنسا، جاء الإنذار الأحمر من نوعٍ آخر، حيث حذرت السلطات من تهديد الموجة الحارة للتنوع البيولوجي، بعد رصد غزو أنواع من الأسماك الاستوائية سواحل الجنوب الفرنسي.

وبالمثل، حذّرت إيطاليا من غزو أسماك سامة اقتربت من بيئتها البحرية، وطالبت الصيادين بتوخي الحذر من أنواع خطرة مثل سمكة الأسد والضفدع الفضية، وهو ما يُعد خطرًا إيكولوجيًا على بيئة البحر المتوسط.

لقد أصبح الكوكب أكثر سخونة منذ الثورة الصناعية، وأكثر خطرًا، ولا توجد دولة محصّنة. وبتعبير بيان الأمم المتحدة: لا مفر من الحرّ، وعلى العالم التأقلم

التغير المناخي.. تنين النار

ما تشهده القارة العجوز حاليًا لا يعود فقط إلى ظاهرة "القبة الحرارية" -التي تنتج عن ارتفاع ملحوظ في الضغط الجوي يحبس الحرارة فوق منطقة معينة، مما يؤدي إلى زيادة سطوع الشمس وزيادة الإحساس بالحرارة- بل يتجاوز ذلك إلى التغيرات العميقة الناتجة عن الاحتباس الحراري، بفعل النشاط البشري المفرط والانبعاثات الغازية التي تغيّر مناخ الأرض.

لم يعد التغير المناخي "قاتلًا صامتًا" كما وصفه البعض، بل صار بتلك النيران الحارقة التي ينفثها وكأنه تنين أسطوري خرج من حكايات قديمة لينتقم من البشر لما ارتكبوه في حق الكوكب.

فكلما أطلقنا عليه غازاتنا الدفيئة، ردّ علينا بحرائق وجفاف وفيضانات وموجات حرٍّ لا ترحم. وبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن موجات الحر الحالية لم تعد استثناءً، بل هي القاعدة الجديدة.

لقد أصبح الكوكب أكثر سخونة منذ الثورة الصناعية، وأكثر خطرًا، ولا توجد دولة محصّنة. وبتعبير بيان الأمم المتحدة: "لا مفر من الحرّ، وعلى العالم التأقلم".

أوروبا على خط النار

الموجة الأولى -وربما الأشد هذا العام- كانت من نصيب أوروبا. فلماذا أوروبا تحديدًا؟ ولماذا كانت على خط النار في هذه المواجهة؟

يُخبرنا برنامج كوبرنيكوس الأوروبي لمراقبة الأرض أننا أمام صيف أطول وأكثر فتكًا، وموجات حرٍّ تزداد حدة عامًا بعد عام.
وقد أصبحت أوروبا أسرع قارات العالم في معدلات ارتفاع درجات الحرارة، حيث ترتفع درجة حرارتها بمقدار ضعف المتوسط العالمي، وذلك بسبب قربها الجغرافي من القطب الشمالي، أحد أكثر المناطق تأثرًا بالتغير المناخي.

نحن أمام مشهد غير مألوف في أوروبا: حرارة خانقة، جفاف، حرائق، فيضانات، عواصف، وأمطار رعدية في آن واحد

حرائق وفيضانات

الغريب في هذه الموجة أنها لم تقتصر على حرارة وجفاف وحرائق، بل ترافقها فيضانات وعواصف رعدية في نطاق جغرافي واحد -كما في إيطاليا- حيث ضربت موجة الحر مدنًا عديدة، بينما اجتاحت فيضانات قرى الشمال الإيطالي وخلفت خسائر كبيرة.

نحن أمام مشهد غير مألوف في أوروبا: حرارة خانقة، جفاف، حرائق، فيضانات، عواصف، وأمطار رعدية في آن واحد. إنها صورة مركّبة من الطقس المتطرف حتى داخل الدولة الواحدة، تحمل مؤشرات خطيرة عمّا ينتظرنا من آثار التغير المناخي.

هل نحن مستعدون؟

كشفت هذه الموجة الحارة عن ثغرات كبيرة في البنى التحتية، ليس في أوروبا فقط، بل في العالم كله. فأنظمة الإنذار المبكر ليست بالدقة الكافية التي تتيح الاستعداد الفوري، مما يفضح ضعف تمويل البحث العلمي والمؤسسات المعنية.

إعلان

كما أن أنماط التخطيط العمراني غير المستدام -من تكدّس المباني الإسمنتية، وقلة المساحات الخضراء، وضعف التهوية- تؤجج من آثار الكوارث المناخية وتضاعف من خطورتها على المدى القصير والطويل، خاصة مع تكرار الظواهر المناخية المتطرفة وامتداد مدتها.

ويمثل ضعف الوعي البيئي عقبة أمام اتخاذ قرارات مجتمعية وسياسية صائبة، ما يحتم على المؤسسات التعليمية والعلمية، والعلماء والمثقفين، مسؤولية نقل الوعي البيئي من قاعات المحاضرات وحلقات النخبة إلى الشارع والمجتمع. فالمجتمع جزء من الحل بخياراته المستدامة، كما أنه جزء من المشكلة بأنماط استهلاكه واستنزافه للموارد.

الأمر ليس مجرد موجة حر عابرة تأخذ ضحاياها وترحل، كما يفعل ذئب الغابة حين ينقضّ ليلًا ثم يختفي، بل هي معركة وجودية نخوضها من أجل كوكب يستحق أن نقاتل من أجله

معركتنا جميعًا

إذا كانت أوروبا اليوم على خط النار، فالعالم كله سيكون غدًا في قلبه. فالكوارث المناخية لا تعرف حدودًا ولا جنسيات، والخطر سيطرق أبواب الجميع. والمواجهة المؤجلة مع عدوٍّ يهدد الوجود لن تؤخر آثاره الكارثية التي بدأت تظهر بالفعل.

الأمر ليس مجرد موجة حرّ عابرة تأخذ ضحاياها وترحل، كما يفعل ذئب الغابة حين ينقضّ ليلًا ثم يختفي، بل هي معركة وجودية نخوضها من أجل كوكب يستحق أن نقاتل من أجله، ونمتن لحياة فوق أرضه، ومن أجل مستقبل يجب أن نكون على قدر مسؤولية حمايته.

من أجل حقّ الأجيال القادمة أن يحيوا بأمانٍ على كوكب يئنّ مما نفعله به، عسى أن يصلحوا ما أفسدناه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان