كانت لحظة فارقة في التاريخ، تلك اللحظة التي وقف فيها موسى- عليه السلام- وقومه بنو إسرائيل، والبحر أمامهم وعدوّهم فرعون وجنوده خلفهم، حين ضرب موسى- عليه السلام البحرَ- بعصاه، ليبدأ بنو إسرائيل بعدها حياة جديدة، بعد أن تخلصوا من جبروت فرعون وأعوانه، ونير الظلم والاستعباد، وما عانوه من قهر واضطهاد في السنوات العجاف التي عاشوها تحت الحكم الفرعوني.. فكانت حادثة شق البحر بداية تاريخية جديدة لبني إسرائيل.
التمكين لا يتحقق بإسقاط النظام فقط
خرج بنو إسرائيل من مصر، ظانّين أن الطريق ممهَّد للتمكين، غير مدركين أن الحرية مسؤولية، وأن إسقاط الطغيان لا يعني بالضرورة بسط السلطان اللازم لحمل الرسالة، فما لبثوا أن قالوا لموسى- عليه السلام- عندما وجدوا أقوامًا يعكفون على أصنام لهم: "اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة"، فظهرت آثار العبودية في نفوسهم التي لم تتعوّد الحرية بعد، ولم تتشرّب معانيها قطّ، بل اعتادت مسلك الحياة في المظلة الفرعونية، فكان التحرر من ذلك الطغيان خروجًا من الاستعباد لكن دخولًا في الضياع والتيه.
لقد تطلّب الأمر 40 سنة من التيه في مجاهل سيناء، حتى يتبدّل ذلك الجيل المصاب بأمراض النفوس، ويأتي جيل جديد من أبناء التائهين، ممن تربّى على توحيد الله الخالص، والخضوع له وحده سبحانه
بين جيل التيه وجيل التمكين
لم يكن التخلص من الاستبداد الفرعوني إلا انتصارًا مرحليًا، فقد ترك ذلك الاستبداد نتائج كارثية عميقة في كيان الشعب، حيث كان مسعاه إفقار ذلك الشعب، ونشر الفساد الذي ينخر في بنيته لإخضاعه بالقوة والهيمنة المطلقة على مقدّراته المعيشية، إذ وصل الأمر في النظام الفرعوني أن يُقتِّل أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، إمعانًا في القهر والإذلال، فعاش القوم في ظل تلك الدكتاتورية فترة طويلة، تشرّبت فيها النفوس روح الذل والانكسار وعدم الرضا عن الذات.
فالاستبداد يُنتج شعوبًا مكسورة، فاقدة للثقة، عاجزة عن التفكير الحر، تخشى المبادرة التي ما اعتادتها، بل تنقاد لمن يقهرها من قوى الاستبداد.
وعندما سقطت تلك القوة الاستبداديّة هام ذلك الشعب على نفسه تائهًا متحيّرًا، لا يدري أين يسير وإلى أين ينتهي سيره في صحراء شاسعة؛ فالتيه يُجسّد حالة الضياع التي تعتري الإنسان عندما ينحرف عن الطريق القويم، فكان ضياع بني إسرائيل في الصحراء ضلالًا في الطريق، إذ وصل بهم الحال أن عبدوا العجل، وطلبوا رؤية الله جهرة، ورفضوا قتال الجبابرة في أرض فلسطين، عصيانًا لأمر قائدهم موسى، عليه السلام.
فأولئك الذين أذاقهم فرعون ويلات العذاب والاستعباد لم يحترموا قائدهم، الذي خرج منهم وخلّصهم من ظلم فرعون واستعباده، والذي أراد أن يسير معهم للتمكين في الأرض، بل كانوا يؤذونه ويخالفون أمره، ويُكثرون من التذمّر والشكوى كقولهم {لن نصبر على طعامٍ واحدٍ فادع لنا ربّك يُخرج لنا ممّا تنبت الأرض} [البقرة: 61]، والتشكيك في قراراته كما في قصة ذبح البقرة، والاعتراض على أوامره كرفضهم دخول الأرض المقدسة وتحريرها، حتى وصل به الحال إلى أن قال لهم {يا قوم لمَ تُؤذونني وقد تعلمون أنّي رسول الله إليكم} [الصف: 5].
وما كان من بني إسرائيل بعد نجاتهم من فرعون، من جحود ونكران، وتمرّد وعصيان وتذمّر وقلّة صبر، وعدم احترام القادة الذين خلّصوهم من الطغيان، هو انعكاس لتلك النفسية المستعبَدة.
لقد تطلّب الأمر 40 سنة من التيه في مجاهل سيناء، حتى يتبدّل ذلك الجيل المصاب بأمراض النفوس، ويأتي جيل جديد من أبناء التائهين، ممن تربّى على توحيد الله الخالص، والخضوع له وحده سبحانه، ممن يُقدّر العزة ولا يرضى بالدونية، يعرف الحق فيتّبعه، ويدرك الباطل فيجتنبه، ولا يخشى في الله لومة لائم.
فكانت سنوات التيه تربية قاسية ولكنها ضرورية لإعداد جيل التمكين، لأن جيل التيه الذي عاش تحت ظلّ الاستبداد لم يكن مؤهّلًا لحمل الرسالة، ولا لقيادة مرحلة التمكين.
تشكلت أجيال استهلاكية مقلّدة، تعيش في حالة من الفوضى، يغلب عليها غياب الرؤية النهضوية والافتقار إلى مشروع إصلاحي ملموس، فكانت أجيال تيه تبحث لها عن طريق آمن للخروج
الواقع السوري والدخول في التيه
الذي حدث مع بني إسرائيل يتكرر في كل أمة تخرج من الاستبداد دون تهيئة نفسية وعقدية! ومن ينظر في الواقع السوري، يدرك أن التيه الذي أعقب سقوط النظام لم يكن طارئًا ولا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لعقود طويلة من القهر والاستبداد، ولفساد ممنهج نخر مفاصل الدولة والمجتمع.
فالنظام البائد لم يكن مجرد نظام قمعي مستبد، بل كان منظومة فساد عبثت بمؤسسات التعليم، وأفسدت منظومة القضاء، ولوّثت الإعلام، ودمرت الاقتصاد. وقد تعدّى الأمر إلى تشويه منظومة القيم، فاختلّ ميزان الحكم على الأمور، وتداخلت المعايير بين الحق والباطل.
إن الأزمة التي يعاني منها الواقع السوري، مهما بدت سياسية أو أمنية أو اجتماعية أو اقتصادية، فإن جذرها الأول هو الخلل في بناء الإنسان؛ في هُويّته، وفي وعيه، وفي قِيَمه. لقد تربّت أجيال على الخوف، وعانت من فساد السلطة، لا تعرف الحرية إلا شعارًا، ولا الكرامة إلا سرابًا في أفقٍ بعيد.
تشكلت أجيال استهلاكية مقلّدة، تعيش في حالة من الفوضى، يغلب عليها غياب الرؤية النهضوية والافتقار إلى مشروع إصلاحي ملموس، فكانت أجيال تيه تبحث لها عن طريق آمن للخروج.
الجيل بحاجة إلى قِيَم تُزرع بالفعل والسلوك، لا بالمواعظ وحدها؛ وتجسَّد في القدوات، وتغذَّى بالتجارب، وتكرَّس في المدارس والمنازل والمساجد والمجتمعات
الخروج من التيه السوري
إن السبيل للخروج من هذا التيه يكمن بإعداد جيل جديد يعي هُويّته الإيمانية والحضارية، يربَّى على معاني التوحيد الخالص، فيتحرر وجدانه من التبعية الفكرية والدونية النفسية، ويستنشق نسيم الحرية المسؤولة لا الفوضوية، والكرامة المصونة لا المهمّشة، والعزة الراسخة لا الانكسار العميق.
هو جيل يتشرّب القيم الربانية لا كتنظيرات مجردة، أو خطابات عاطفية، بل كمناهج حياة؛ يدرك دوره في الاستخلاف، ويعي مسؤوليته في عمارة الأرض.. جيل منتج في فكره وسلوكه، مبدع في أدواته وتخطيطه، واعٍ لسنن الكون والتاريخ، يؤمن بأن الحق والباطل في صراع أبدي لا يتوقف إلى قيام الساعة، فيدرك موقعه في خريطة الصراع.
ولأجل هذا، وجب أن يكون غرس القيم هو الحجر الأساس في المشروع النهضوي؛ فالجيل بحاجة إلى قِيَم تُزرع بالفعل والسلوك، لا بالمواعظ وحدها؛ وتجسَّد في القدوات، وتغذَّى بالتجارب، وتكرَّس في المدارس والمنازل والمساجد والمجتمعات.. قِيَم تُخرِج إنسانًا حرًا، كريمًا وعزيزًا، قادرًا على ضبط بوصلته، واعيًا بمسؤوليته الحضارية ومدركًا لأهمية ترك الأثر، يؤمن بسنة الأخذ بالأسباب، ويدرك أن النهضة لا تُهدى، بل تُبنى بالوعي والعمل والتضحية.
الارتقاء بمنابر الجمعة لتنهض بدورها المحوري في التوجيه والتغيير المجتمعي، عبر طرحٍ مدروس وهادف لموضوعاتٍ تلامس الواقع وتوقظ الوعي
وإن إعداد وتربية الجيل يتطلبان تهيئة بيئة صالحة، وتوفير جوّ اجتماعي ونفسي وأخلاقي يساعد على التربية السليمة، ويتم بناؤه على مستويين:
أولًا؛ على مستوى الدولة:
- إصلاح المنظومة القضائية لترسيخ ميزان العدل.
- إرساء دعائم الأمن بما يضمن حفظ الحقوق وصون الكرامات دون تعدٍّ أو تفريط.
- بناء نظام تعليمي يحرر الإنسان من التبعية الفكرية لسلطة غالبة، ويواكب متطلبات العصر التقني والمعرفي.
- دعم الجامعات والمراكز البحثية.
- وضع إستراتيجية اقتصادية تحقق الاكتفاء الذاتي، وتُخرج البلاد من دائرة التبعية.
- إعادة صياغة القوانين بما ينسجم مع المتغيرات، وربطها بنظام عقوبات عادل يضمن الالتزام والردع.
- دعم حملات التوعية الفكرية والسلوكية.
ثانيًا؛ على مستوى الأفراد والمجتمع:
- تكثيف المبادرات التربوية الهادفة إلى غرس القيم الإسلامية الأصيلة في النفوس وبناء جيل مؤمن واعٍ.
- تفعيل التعاون بين المراكز التربوية ضمن خطة منهجية بعيدة المدى، ترسّخ التكامل وتضمن استدامة العمل المشترك.
- الارتقاء بمنابر الجمعة لتنهض بدورها المحوري في التوجيه والتغيير المجتمعي، عبر طرحٍ مدروس وهادف لموضوعاتٍ تلامس الواقع وتوقظ الوعي.
- مواجهة ثقافة الاستهلاك عبر ترسيخ قيم الإنتاج، والاعتماد على الذات، ودعم الإبداع والاختراع.
- دعم المبادرات والمشاريع الناشئة لتكون رافعة للتنمية وبوابة نحو الاستقلال الاقتصادي.
- إطلاق برامج تعليمية تقنية ومهنية متطورة، تلبّي حاجات السوق وتواكب التحولات العالمية.
ولا يمكن الوصول لذلك إلا بجهودٍ حثيثة وسنوات طويلة من العمل الجاد والسعي الدؤوب، بعد الوعي بأهمية التغيير والعمل المشترك للوصول إلى النتائج المرجوّة.
الثابت هو الاعتبار بسنن التاريخ، وسنن الله في التغيير ضرورة ملحّة، إذ بها نهتدي، ومنها نستمدّ الحافز لصناعة الواقع، وهي التي ترسم لنا معالم الطريق نحو الخروج من التيه إلى التمكين
من الاستبداد إلى التمكين
لم يُقدَّر لبني إسرائيل الخروج من صحراء التيه إلا بعد أربعين سنة، حتى تهيأت فيهم مقوّمات التمكين، واكتمل فيهم الإعداد. وكذلك سوريا اليوم: لا سبيل حقيقيًا للخلاص من التيه إلا بصناعة جيل يملك مقومات النهوض والتمكين؛ جيل لا يرث أنقاض الاستبداد، بل يُشيّد مجتمعه بالإيمان، والعلم، والكرامة، والعدل، وحتى إن لم يكن التيه في واقعنا مشروطًا بأربعين عامًا كما كان لبني إسرائيل، لاختلاف السياقات والظروف التاريخية والاجتماعية والعقدية.
فالثابت هو الاعتبار بسنن التاريخ، وسنن الله في التغيير ضرورة ملحّة، إذ بها نهتدي، ومنها نستمدّ الحافز لصناعة الواقع، وهي التي ترسم لنا معالم الطريق نحو الخروج من التيه إلى التمكين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

