الإعلام وصناعة الرأي العام: من التوجيه إلى التنميط

Gina hands in business suit holding string connecting to people, showcasing manipulation, pressure and control of society. Contemporary art. Propaganda, information, social pressure. Creative design; Shutterstock ID 2465604945; purchase_order: ajnet; job: ; client: ; other:
الكاتب: في الكواليس، عقول خفية تدير الخيوط، تحرك الدمى على مسرح كبير، والجمهور يصفق (شترستوك)

في مملكة المرايا المعتمة، ليس الإعلام كما يبدو في الظاهر؛ فذلك الذي يسمى "السلطة الرابعة" لم يعد مرآة تعكس، بل صار يحدد ملامح الوجوه ذاتها، يرسمها كما يشاء، ويصنع الأقنعة وفق المقاسات المطلوبة.

في البدء، كان الصوت ملكا للأفكار، للكلمة الحرة، وللمعنى الذي يصرخ في وجه الطغيان. أما اليوم، فقد صار الصوت ذاته سلعة معروضة، تباع وتشترى في أسواق السرد الموجه، حيث تتداخل الحقيقة مع الكذب، وتتماهى الوقائع مع الأوهام.

الإعلام في زمننا هذا لم يعد وسيلة للتنوير، بل تحول إلى ماكينة ضخمة لصناعة الرأي العام؛ تارة بلغة ناعمة، وتارة بخطاب صارخ، لكنه في الحالتين يعيد صهر الجماهير في قوالب جاهزة، يجعلهم يتقنون فن الاستهلاك، ويبتلعون الأفكار كما تبتلع الحبوب المهدئة.

في عصر كهذا، لم يعد الرأي العام صوت الناس، بل صار صدى السلطة، صدى المال، صدى الشركات العابرة للقارات، وأصبح الفرد آخر من يملك رأيه، وآخر من يسمع صوته

هناك، في الكواليس، عقول خفية تدير الخيوط، تحرك الدمى على مسرح كبير، والجمهور يصفق؛ لا عن قناعة، بل لأنه منوَم، مبرمَج، منزوع الشك، محشو باليقين المصنع.

الإعلام اليوم يحول الأفراد إلى قطع غيار في آلة ضخمة تسمى "الجمهور"؛ يسويهم، يجملهم أو يقبحهم، ويعلمهم أن يروا العالم بعين واحدة، هي عين الموجِه لا عين المشاهد.

يقال "الرأي العام"… لكن أي رأي هذا؟ ومن هو "العام" أصلا؟
إنه رأي يصنع في دهاليز غرف التحرير، ويعبأ في علب جاهزة، يوزَع مع قهوة الصباح أو نشرة المساء، ويحقن في العقول كما تحقن الأجساد باللقاحات؛ لكن ليس ضد المرض، بل ضد التفكير.

الإعلام مرآة مقلوبة؛ كلما نظرت فيها ظننت أنك ترى نفسك، لكنك في الحقيقة ترى الصورة التي أرادوا لك أن تراها. وهو بحر من الموج المزيف بلا قرار، كلما غصت فيه سحبت إلى الأعماق، لا لتجد الحقيقة، بل لتبتلع في فقاعة التكرار.

إعلان

إنه حارس المعبد، ومهندس الزنازين؛ يقنعك أن القيد زينة، وأن السجن وطن صغير.

في عصر كهذا، لم يعد الرأي العام صوت الناس، بل صار صدى السلطة، صدى المال، صدى الشركات العابرة للقارات، وأصبح الفرد آخر من يملك رأيه، وآخر من يسمع صوته.

تتجلى رمزية الإعلام في كثافتها وتأثيرها؛ إنها سلطة خفية لا تفرض نفسها بالسيف والقوة، بل تسيطر على العقول بالكلمة والصورة والإيحاء. يصبح الإعلام بذلك أداة للحاكمية الرمزية، يعيد تعريف الصواب والخطأ

في مملكة المرايا المحدبة، يصنع الرأي كما تصنَع الأحلام في المصانع، وتوجه العقول كما توجه الأغنام نحو المسلخ، وتعاد صياغة الحقيقة حتى تصبح نكتة قديمة لا يضحك عليها أحد.

الإعلام، بتشعب فروعه وتعدد ألوانه، يمثل بوصلة ضمنية للوعي الجمعي؛ لا يحدد اتجاهاته فحسب، بل يمهد له المسار ويشكل تضاريسه.

إنه الأداة التي تغذى بها الأذهان بالمعلومات، لكن الأهم هو الكيفية التي تقدَم بها هذه المعلومات؛ فالخبر ليس مجرد حقيقة مجردة، بل هو سرد منتقى، منسق، ومحمَل بدلالات خفية.

في هذا الإطار، يصبح التوجيه عملية لا واعية؛ حيث تبث رسائل محددة في ثنايا الكلمات والصور والأصوات، لتترسخ في اللاوعي الجمعي وتشكل قناعاته.

وهكذا، تتجلى رمزية الإعلام في كثافتها وتأثيرها؛ إنها سلطة خفية لا تفرض نفسها بالسيف والقوة، بل تسيطر على العقول بالكلمة والصورة والإيحاء. يصبح الإعلام بذلك أداة للحاكمية الرمزية، يعيد تعريف الصواب والخطأ، الجمال والقبح، الخير والشر، بما يخدم سرديات محددة ومصالح كامنة. إنه يمارس سيطرة متخفية، تتغلغل في النسيج الاجتماعي دون أن يشعر بها الكثيرون.

هل يمتلك المتلقي القدرة على فك شفرة الرسالة الإعلامية، أم يظل أسيرا لسحرها الرمزي؟

هذا التنميط ليس عملية عابرة، بل بناء هيكلي للوعي؛ يشكل الأفراد والمجتمعات وفق قوالب جاهزة، تعيق التفكير النقدي وتشجع على الذوبان في التيار العام.

العلاقة بين الإعلام والرأي العام علاقة جدلية معقدة لا تخلو من المفارقات؛ فالإعلام، الذي يفترض أن يكون منبرا للحرية والتعبير، قد يتحول أحيانا إلى أداة للسيطرة والتلاعب.

ويبقى السؤال: هل يمتلك المتلقي القدرة على فك شفرة الرسالة الإعلامية، أم يظل أسيرا لسحرها الرمزي؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان