شهدت حرب غزة الأخيرة تصاعدا غير مسبوق لاستهداف الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي من قبل قوات الكيان الوحشي؛ مما أثار موجة استنكار عالمي ودولي، خاصة مع مشاهد التجويع التي أعادت العالم إلى أحداث مأساوية وقعت إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، وها هي الآن تتكرر في القرن الـ21 أمام مسامع وأعين العالم الديمقراطي والحقوقي، وبتواطؤ مفضوح من حكوماته مع السادية الصهيونية.
ويدرك الكيان المهزوز مدى تأثير الآلة الإعلامية على دحض سرديته القائمة على "ادعاء المظلومية" و"حقه في الدفاع عن النفس"؛ فهو يخشى من وسائل الإعلام لأنه يدرك أن الرواية ونقل الحقيقة جزء أساسي من الصراع في الحروب الحديثة، فلم يعد الأمر يقتصر على الميدان العسكري فحسب، بل امتد ليشمل المعركة على الرأي العام العالمي، الذي يرى نفسه قد خسرها بشكل غير مسبوق، وفقد ذلك الحضور الذي كان يحظى به في المجتمعات الغربية.
وسائل الإعلام تقوم بتعرية ادعاءات الصهاينة في حق الفلسطينيين والمقاومين بأنهم إرهابيون، فمن خلال ما يشاهده العالم من قسوة الجيش الصهيوني وتعامله اللاإنساني مع الأطفال الرضع وحتى الخدج، يدرك الناس تهافت الرواية الصهيونية
إضافة إلى ذلك، بات مواطنو الكيان محل استهجان ومطاردة من طرف المعارضين لسياساته وجرائمه في الدول الأوروبية والأميركية وكندا وأستراليا.
كما أصدرت عدة دول غربية مذكرات اعتقال ضد قادته وجنوده، وأوقفت صفقات التسليح وتعاونها العسكري تحت ضغط شعوبها ومنظماتها الحقوقية. فالكيان الغاصب يعلم أن روايته يمكن أن تُهزم إذا ما سمح لوسائل الإعلام بنقل الحقائق على أرض الواقع.
كما أن وسائل الإعلام تكسر احتكار الكيان الصهيوني لروايته القائمة على ادعاء أنه "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" وأنه محاط "بالمنظمات الإرهابية والدول العدائية"، فتقوم وسائل الإعلام بكشف جرائمه المتمثلة في قتل المدنيين، وتدمير البنية التحتية، وتعميق المعاناة الإنسانية، وتوسيع الاستيطان، وإحراق حقول وبيوت الفلسطينيين وتهجيرهم. هذا التوثيق البصري يقوض رواية الكيان، ويُظهر وجهه الحقيقي كقوة احتلال.
كما يدرك الكيان الصهيوني أن الرأي العام العالمي هو أحد أهم عوامل الضغط على الحكومات، لا سيما الغربية منها، فعندما يرى الناس صور الأطفال المقتولين والمنازل المدمرة، واستهداف المستشفيات، والتهجير القسري، يتغير موقفهم من الصراع، مما يؤدي إلى الضغط على حكوماتهم لاتخاذ مواقف أكثر حيادية أو حتى معادية للكيان الصهيوني.
كما أن وسائل الإعلام تقوم بتعرية ادعاءات الصهاينة في حق الفلسطينيين والمقاومين بأنهم إرهابيون، فمن خلال ما يشاهده العالم من قسوة الجيش الصهيوني وتعامله اللاإنساني مع الأطفال الرضع وحتى الخدج، ومع النساء اللواتي تعتبر حقوقهن ذات حساسية بالغة وتقدير كبير لدى العالم الغربي، يدرك الناس تهافت الرواية الصهيونية، مما يجعل من الصعب على الجمهور العالمي قبول فكرة أنهم "إرهابيون" يستحقون الموت.
يعمل الكيان الغاصب على تكميم أفواه كل من يعري جرائمه، سواء كان صحفيا محليا أو مراسلا أجنبيا، هذا الاستهداف الممنهج هو محاولة للقضاء على الأصوات التي تقدم رواية مضادة للرواية الصهيونية
فما هي أهداف الكيان الدموي من استهداف الصحفيين؟
تتعدد الأهداف التي تدفع الكيان إلى تصفية الصحفيين بشكل متعمد، نبرز أهمها فيما يلي:
- طمس الحقيقة ومنع توثيق جرائمه: فهو يعمد إلى التخلص من الصحفيين، لا سيما الناشطين منهم، لأنه يتضايق من حبل الحقيقة الذي يشنق دعايته المتهاوية، ولكي يمنع توثيق الجرائم الفظيعة التي ترتكب بحق المدنيين في غزة ونقلها إلى العالم، فبضرب الكاميرات وقتل المراسلين، يحاول الكيان الغاصب فرض سرديته وتشويه الحقائق، وتكريس روايته حول "الدفاع عن النفس" و"استهداف الإرهابيين" دون وجود شهود، فيتحول إلى خصم وحكم في الآن نفسه.
- بث الرعب والترهيب: استهداف الصحفيين يهدف إلى بث الخوف واليأس في نفوس العاملين في المجال الإعلامي، وإجبارهم على التوقف عن تغطية الأحداث، وبالتالي تحقيق "إعلام صامت"، أو كتم مطلق لمنافذ الحقيقة والتحكم في الرواية الإعلامية.
- تكميم الأفواه: يعمل الكيان الغاصب على تكميم أفواه كل من يعري جرائمه، سواء كان صحفيا محليا أو مراسلا أجنبيا، هذا الاستهداف الممنهج هو محاولة للقضاء على الأصوات التي تقدم رواية مضادة للرواية الصهيونية، وقد شاهدنا كيف عمل على خنق عمل وكالات الأنباء والتضييق عليها، ودفعها للتنقل المستمر تحت مبرر وجود تهديدات إرهابية، مما أدى إلى تفريغ قطاع غزة من معظم وكالات الأنباء.
في المقابل نجده يصطحب معه بعض الوسائل الإعلامية العالمية الموالية له، ويسمح لها بتغطية ما يريده من مشاهد، أغلبها يخضع للتعديل والمعالجة لتمرير سرديته وتصديق مزاعمه.
- تدمير البنية التحتية الإعلامية: لم يقتصر الاستهداف على الصحفيين الأفراد، بل شمل أيضا تدمير المكاتب الإعلامية ووسائل البث، مثلما حدث في 2021 بتدمير برج الجلاء الذي كان يضم مكاتب وكالة أسوشيتد برس وقناة الجزيرة، وهو ما تكرر في الحرب الأخيرة باستهداف مقار ومكاتب إعلامية أخرى؛ بهدف دفعها إلى مغادرة قطاع غزة والاستفراد به.
غياب الصحفيين يعني غياب المساءلة الدولية، فعندما لا توجد أدلة موثوقة وموثقة، يصبح من الصعب محاسبة مرتكبي الجرائم على أفعالهم، هذا طبعا إن وجدت أي محاسبة لهذا الكيان المتفلت
فيم تتمثل تداعيات إسكات صوت الصحفيين؟
لا شك أن استهداف الكيان الدموي للصحفيين يؤكد للمرة الألف أنه كيان متعالٍ على جميع القوانين الدولية، وفي حِلّ من جميع الالتزامات والمعاهدات التي أبرمها المجتمع الدولي لصون حق المدنيين والأطفال والنساء والصحفيين خاصة خلال الحروب.
فهو يريد من ذلك الاستهداف أن تمر جريمته بلا شهود، بل ولربما بشهود الزور الذين جندهم لترويج سرديته الفجة، التي باتت محلا للسخرية حتى لدى الإعلاميين الغربيين، ومن أبرز تداعيات هذا الاستهداف:
- قتل الحقيقة: استهداف الصحفيين لا يقتل فقط الأفراد، بل يقتل أيضا الحقيقة، ويحرم العالم من معرفة ما يجري على الأرض، مما يسهل على الكيان المعتدي تبرير أفعاله، وتزوير الحقائق.
- خلق حالة من الفوضى الإعلامية: عندما يُمنع الصحفيون من أداء عملهم، تصبح وسائل التواصل الاجتماعي هي المصدر الوحيد للمعلومات، وهذا سيفتح الباب أمام الأخبار الكاذبة والمضللة، مما يزيد من صعوبة التمييز بين الحقيقة والشائعات.
- انعدام المساءلة: غياب الصحفيين يعني غياب المساءلة الدولية، فعندما لا توجد أدلة موثوقة وموثقة، يصبح من الصعب محاسبة مرتكبي الجرائم على أفعالهم، هذا طبعا إن وجدت أي محاسبة لهذا الكيان المتفلت.
- إضعاف حرية الصحافة العالمية: استهداف الصحفيين في غزة ليس قضية محلية فقط، بل هو تهديد خطير لحرية الصحافة العالمية، وإقرار لباطل قد تكون له تبعاته الخطيرة على جميع الشعوب، فإذا سُمح لدولة باستهداف الصحفيين دون عقاب، فإن ذلك قد يشجع دولا أخرى على فعل الأمر نفسه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

