لي مع مدرسة "صح وخطأ" ومدربي "قل ولا تقل" شبه ثأر مطارد، سببه وقوعي في بعض مزالق الارتهان لمذهبهم، الذي يشفع له استصحاب الأصل، ويعيبه الإطلاق والحصرية، والتحكم المستبد.
وقد كانت الشرارة الأولى لذلك الثأر، وقشته التي قصمت ظهر بعير تحملي، ميل بعض متحمسي "المصححين" و"المدققين" إلى منع "أساليب فنية" جرى بها العمل في وضع العناوين الإعلامية، بحجة مخالفتها مقررات المدارس النحوية التراثية، رغم محافظتها على المستوى الإعرابي، الذي أومن ـ وأسلم ـ بجعله "خطا أحمر"، وأعده ثابتا مرجعيا لا مساومة فيه ولا مداهنة، وآخذ على حضرات السادة المدققين رفض المراجعة والاستئناف بين يدي "حكمهم النافذ"!
وقد سجل علي بعض زملائي (من المدرسين والإعلاميين) ملاحظات، عدوها مآخذ شنيعة؛ كبدء التقرير (الإخباري) بشبه الجملة، وبالحال، وتصديره بخلفية تشويقية قبل التصريح بـ"الفعل النحوي" الذي يشعر بوقوع "الحدث الإعلامي".
وكنت أكتفي بإبراز وجه الفنية في أسلوبي التحريري ذلك، وأعتذر عن نفسي (اقتداء بالإمام مالك، الذي كان يعتذر عن نفسه)، فأبين للمستشكل أن "الثابت النحوي" ـ الذي يحرم الخروج عليه ـ إنما هو حدود الإعراب، التي لا يجوز تعديها، ولا يقبل من متجاوزها اعتذار ولا تسويغ، فهي ـ بذلك ـ تأخذ حكم مسلمات اللغة المطردة، التي لا تبديل لها ولا رخصة فيها.. ولا جناح عليه ـ فيما عدا ذلك ـ مما له وجه من الفنية يدعمه احتمال من الصحة، على الأقل في ميدان الكتابة الصحافية والتحرير الإعلامي!
وكأني بسعادة "المدرب اللغوي"، يأخذ نفسا عميقا، ويسوي ربطة عنقه، ثم يعدل نبرته الصوتية، ويمر على لسانه العبارة الحلوة: "لكل قاعدة استثناء"!
تحكم وتحجير
وقد ظننت أني نسيت الموضوع، وهدأ جهاز تحملي العصبي في شأنه، قبل أن أسمع ـ منذ بضعة أيام ـ أحد مدربي مدرسة "قل ولا تقل" يرفع جنسية العروبة عن أسلوب "عود الضمير على متأخر"، في ثقة غلظها بالإطلاق والتعميم؛ مرددا القاعدة النحوية المذكورة في الباب: "الضمير لا يعود على متأخر"، وزاد فذكر أن مخالفة تلك القاعدة "أسلوب دخيل" منقول عن اللغات الأجنبية، ولا أصل له في لسان العرب!!
وقد وددت لو اخترقت شاشة الهاتف ودخلت على حضرة "المدرب اللغوي" منصة التقديم، وقاطعته، معتذرا لمدير الجلسة بأن لدي "نقطة نظام"، لأقول لهما وللحضور: لقد ورد عود الضمير على متأخر في أفصح ـ وأصح ـ كلام عربي!.. فإن قال لي "المدرب" ـ أو صاحب الربط: تعني القرآن؟! قلت: نعم؛ جاء ذلك في القرآن، وليس بعد بيان الله بيان!
وقبل تحديد الآية التي ورد فيها عود الضمير على متأخر، أشير إلى أن ذلك العود يحقق جمالية إيقاعية في غاية السمو الفني، تختل إذا تقدم الاسم الظاهر على الضمير، أما في الأسلوب الإعلامي فإن الخروج على القاعدة النحوية (الوضْعية) له دور يتعلق بالتشويق الفني، ولفت الانتباه.. ولله ولكلامه المثل الأعلى!
وسوف أضرب المثل لكسر تلك القاعدة، في "لغة الصحافة" و"حديث الإعلام"، بعد الوفاء بموعدة ذكر الآية القرآنية التي ورد فيها عود الضمير على متأخر، وهي قوله جل ثناؤه: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} (الآية: 67، سورة طه).
ومن كان له ذوق فني رهيف وأذن موسيقية واعية، سيدرك "الوقْع النفسي" والتناسق الإيقاعي، الذي أضْفتْه تلك "الألف القصيرة" لما ختمت بها الآية، ودوره في حفظ انسيابية "الفواصل" حتى نهاية السورة.
على أنه سوف يلاحظ ـ بالمقابل ـ اختلال الإيقاع الذي يحدثه تقديم الفاعل على الضمير العائد عليه.. وكأني بسعادة "المدرب اللغوي"، يأخذ نفسا عميقا، ويسوي ربطة عنقه، ثم يعدل نبرته الصوتية، ويمر على لسانه العبارة الحلوة: "لكل قاعدة استثناء"!
وهنا لن أضيق على حضرة المدقق المرموق طريق المخلص، ولن أقطع عليه بقية حديثه الطيب.. بل أغلق ـ من فوري ـ نقطة النظام، وأنهي عملية الاقتحام، وأقول: إنما هي كلمة استدراك ورد غطائها والسلام!
شتان ما بين جاذبية هذا الاستهلال، وبين برودة اختتام نص التقرير بالحديث عن "الأولية الحدثية" بعبارة مثل: "يذكر أن تلك هي المرة الأولى التي يحدث فيها كذا وكذا"!
تشويق تحريري
فإذا عدت من الشاشة إلى مكاني، أضفت أن أسلوب عود الضمير على متأخر، قد شاع، بوصفه "بدعة فنية حسنة"، موروثة عن الصحافة الورقية والإعلام المكتوب، وقد احتفت به ـ حديثا ـ المنصات الإلكترونية، في عناوينها التشويقية، المدعومة بالإخراج الفني الجذاب. وهذا مثال، لتقريب عود الضمير على متأخر، في الاستعمال التحريري:
"بعد تصريحه بالالتزام بشرائها ونقل سكانها إلى دولة مستضيفة.. الرئيس الأميركي يؤكد: لا أحد يريد أن يطرد أحدا من غزة"!!
وقد اجتمع في هذا المثال عود الضمير على متأخر، والبدء بشبه الجملة (الظرف)، كما يستأنس لأسلوب البدء بشبه الجملة الآخر (الجار والمجرور) بالمثل العربي المأثور: "في بيته يؤتى الحكم"!
ومع أن التشويق هو الباعث الأحضر على هذا الأسلوب الصحافي، فقد تنضغط تحته محامل يتصل بعضها ببعض، وترتبط ـ ذهنيا ـ بعنصر "لفت الانتباه"!
وربما جر ذيل التشويق معلومة؛ يصوغها المحرر على شكل عنوان رأسي، يستهل به تقريره، كما في عبارة:
"في سابقة تعد الأولى من نوعها.."؛ فيعلم المتلقي أن "الحدث" الذي لما يأته تفصيله، بل لما يعرف ماهيته بعد، وقع لأول مرة في التاريخ ـ أو في سياقه ـ فيجتمع بذلك التشويق الأسلوبي والمعلومة الإخبارية، وشتان ما بين جاذبية هذا الاستهلال، وبين برودة اختتام نص التقرير بالحديث عن "الأولية الحدثية" بعبارة مثل: "يذكر أن تلك هي المرة الأولى التي يحدث فيها كذا وكذا"!
في نشرات -ومواجيز- قنواتنا الإخبارية نشوب "الخبر" بالتعليل "القرائي"؛ فنضغطهما -معا- في"رأسية" خاطفة، قبل أن ننتقل إلى "التقرير"
إطناب حواري
ومن الأساليب الإعلامية، التي لها مستند اقتباس من نور القرآن الكريم، شوْب "الخبر" بـ"التشويق"، أو بما يتصل به، من ربط، وإحالة، وتعليل، وخلفية سياقية.
وأعظم مثال يحضرني على هذه "الظاهرة الأدبية" (التي تصنف بلاغيا في باب "الإطناب") جواب موسىٰ -عليه السلام- لما نودي: {وما تلك بيمينك}؟ فـ{قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي}، ثم فتح مجال الاستعمال، ووسع وجوه الاستخدام، بقوله – عليه السلام: {ولي فيها مآرب أخرىٰ}.. وإنما محل الجواب/"الخبر": {عصاي}، وأما الضمير الظاهر قبلها، وما بعدها من استفاضة، فإنه يقابل عنصر "التشويق" – في الاصطلاح الإعلامي – مع فارق السمو والبيان في النص القرآني الحكيم!..
وفي قواعد النحويين أن الجواب حاصل ـ والكلام تام ـ دون إبراز الضمير.. أما البلاغيون (المعنيون بالجماليات اللفظية والمعنوية التي تدرك بها أسرار الإعجاز اللغوي) فإن لهم ـ في هذا اللون الأدبي سبحا طويلا، من محامله: متابعة الحديث في سبيل إطالة التكليم، ولا ريب أن أعظم الناس حظا في هذا الباب كليم الله.. وللصحافة ـ في الطبق الأرضي ـ ميل إلى إطالة وقت الحوار من أجل انتزاع أكبر قدر متاح من المعلومات واستخراج أدق التفاصيل من الضيف "الاستثنائي"، ولله ولكليمه المثل الأعلىٰ، {وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم}!
وفي نشرات -ومواجيز- قنواتنا الإخبارية نشوب "الخبر" بالتعليل "القرائي"؛ فنضغطهما -معا- في"رأسية" خاطفة، قبل أن ننتقل إلى "التقرير"، وحين يغيب الأخير نغطي على غيابه؛ فنوسع الخبر من خلال ربطه بخلفية سياقية، وقد يحضر عنصر التشويق؛ تبعا لذوق معد النشرة وطبيعة الخبر. وللمحرر البصير طريقته المثلىٰ في العزف على وتر المفارقة، واستدعاء الجوانب المثيرة في الموضوع، مع سلامة ذوق؛ ينتقي بها أحاسن المفردات بالقدر المناسب، في المكان المناسب!
*رهافة ذوق*
ولعمري؛ لئن عزز المحرر مهنيته الصحافية، وشفع فنيته الإعلامية، ببصمة أدبية رهيفة، ولمسة لغوية راقية – من غير ما "جرعة زائدة" – لكان في ذلك خير وبركة!
ومخطئ من ظن التقديم ـ والتحرير ـ الإخباري مجرد قراءة ـ أو كتابة ـ باردة لنص روتيني مستهلك المفردات! هيهات، هيهات؛ إنما المذيع ـ والمحرر ـ الإخباري الحق إنسان ثقف حصيف؛ يضرب في كل فن معرفي بسهم رابح.. فإن لم يتجاوز مبلغه من الدراية مجال الصحافة والإعلام، لم يقصر عن مسلماتهما – على أقل تقدير!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

