أخبئ جل أحلامي .. وبعض فتات أيامي
بركن حقيبةٍ ثقُلت .. أمام عظيم آلامي
بين أصوات الانفجارات المرعبة، وحركة النزوح غير الاعتيادية، جلستُ أجهز حقيبة النزوح الخاصة بي؛ حقيبة هي كل ما تبقى من بيتي الذي نزحتُ منه في شهر مايو/أيار من شمالي قطاع غزة.
وها هي الحقيبة ذاتها تضيق بما فيها من بعض الملابس التي لا تقي حرا ولا بردا، ومن بعض لوازم الحياة اليومية البسيطة، ومن بضع أوراق وأقلام خبأتها بعناية، علّ كلماتي تجد الطريق إليها.
وعندما انتهيت من حزم أمتعتي القليلة، أيقنتُ أنه لم يعد هناك متسع في الحقيبة لذكرى، ولا حتى موطئ قدم لحلم.
كانت الطرق مليئة بالمتألمين الراحلين إلى جنوبي القطاع، حيث الحياة المجهولة.. تلك الحياة ذاتها التي تنتظرني وعائلتي مع هذه الحقيبة الصغيرة.
كان مشهد النازحين مرهقا للروح، ما جعل التساؤلات تقتحمني: ماذا لو لم نعد إلى مدينة غزة مجددا؟ هل سنعود يوما إلى شمالي القطاع؟ هل علينا حقا أن نرحل؟ وما الذي ينتظرنا هناك؟
تخبرني هذه الحقيبة، التي لازمتني منذ بداية الحرب، أن الأمور قد لا تعود إلى سابق عهدها يوما؛ وقد تعود في يوم نكون قد غادرنا العالم قبله. لكن الآلام لا تخلد، وكما يقول ابن القيم، رحمه الله: «الشدة بتراء لا دوام لها»
هناك، في الجنوب، ستكون الخيمة الرقيقة بيتي.. خيمة لا تمنح ظلا، ولا تُهدي دفئا، ولا تحترم خصوصية، ولا تقدر أي ظرف. وستكون هذه الحقيبة خزانتي وعالمي، ومكانا تولد منه أحلام جديدة بعد أن خلفتُ ورائي كل الأحلام والآمال في مدينة غزة، ومن قبلها في شمالي القطاع.
ستكون هذه الحقيبة، التي لم تُطق حمل شيء من آلامي وذكرياتي، بداية لذكرى معاناة جديدة، ولربما أمل عنيد يولد من رحم المأساة.
تخبرني هذه الحقيبة، التي لازمتني منذ بداية الحرب، أن الأمور قد لا تعود إلى سابق عهدها يوما؛ وقد تعود في يوم نكون قد غادرنا العالم قبله. لكن الآلام لا تخلد، وكما يقول ابن القيم، رحمه الله: «الشدة بتراء لا دوام لها».
وتخبرني حقيبتي أن هذا الإنسان الممزق المحزون، الذي ينفق كل ما يملك -إن وجد وسيلة نقل- لنقل مقتنياته إلى جنوبي القطاع.. إلى مأساةٍ منتظَرة! هذا الإنسان سيعاود رسم معالم حياته المدمرة يوما، سيزوره فرج الله قريبا، وسيعود إلى غزته وموطنه.. وستكون عودته رائعة بإذن الله!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

