أمهد لتدوينتي بقصة تذكرها كتب التاريخ؛ إذ يسأل معاوية بن أبي سفيان ذات يوم عمرو بن العاص: ما بلغ من دهائك يا عمرو؟ فيجيبه: يا أمير المؤمنين، ما دخلت في أمر قط إلا وخرجت منه. فنظر معاوية إليه بابتسامة ممزوجة بالاستغراب، وقال: أما أنا يا عمرو، فلا أدخل في أمر أُضطر إلى الخروج منه!
تلك الحكمة السياسية العميقة، التي تختصر فلسفة الحكم، ليست نكتة عابرة؛ بل منهجا في قراءة الواقع، واستشراف المستقبل، وحل الأزمات.. رؤية نحن أحوج ما نكون إليها في وقتنا الراهن، أمام متغيرات لا يعلم أحد منا مآلاتها.
أليس حريا بمن يملكون زمام القرار في السياسة أن يتحلوا بهذه النظرة الثاقبة؟ فدخول معترك الأحداث دون خطة قابلة للتنفيذ، أو الاكتفاء بردود أفعال مرتجلة إرضاء لهذا الموفد أو ذاك، إنما هو انتحار سياسي مؤجل!
لا بد من فهم جوهر الصراع؛ فهو لا يتمثل فقط في الحدود الجغرافية، على أهميتها، أو في نزاع على قطعة أرض هنا أو هناك.. إنه كفاح وجودي على الهوية والذاكرة والقرار
فتصريحات رئيس الكيان الأخيرة حول ارتباطه العميق روحيا برؤية "إسرائيل الكبرى" ليست زلة لسان ولا دعاية انتخابية؛ بل تكشف أوراق مشروع قديم جديد، بدأ بفكرة في مؤتمر بازل 1897، وترعرع بوقوع النكبة المريرة، وتضخم في الأيام الستة للنكسة، حتى الوصول إلى ما عُرف بخطة "عوديد ينون" 1982، التي وضعت تصورا لتفتيت المنطقة خدمة للبرنامج الأكبر، ثم تبلور أكثر مع قانون القومية، الصادر 2018، الذي نص على أن حق تقرير المصير حكر على فئة دون غيرها.. وما يحدث في غزة اليوم ترجمة لمحاولة تحقيق ذلك المخطط.
والمفارقة أن كل هذه الخطوات تتوالى على مرأى ومسمع العالم، الذي يزعم حرصه على السلام ووقوفه إلى جانب القانون الدولي، ولا سيما الإنساني منه! وبينما يكتفي بعض العرب ببيانات شجب خجولة ولجان وزارية دائمة، يواصل المحتل قضم الأرض حجرا حجرا، ويعمل دون كلل لجعل الوقائع الميدانية شرعية سياسيا وقانونيا وتاريخيا، مستندا إلى أساطير ودعايات باطلة.
وهنا لا بد من فهم جوهر الصراع؛ فهو لا يتمثل فقط في الحدود الجغرافية، على أهميتها، أو في نزاع على قطعة أرض هنا أو هناك.. إنه كفاح وجودي على الهوية والذاكرة والقرار.
والمحتل يعي هذه الحقيقة جيدا، لذلك لا يكتفي بمحاولات السيطرة العسكرية؛ بل يسعى إلى فرض سرديته على العالم، وإقصاء الرواية الحقيقية من الفضاء العالمي، عبر اغتيال الصحفيين عمدا -كما فعل بمراسلي الجزيرة- لمنع كشف الفظائع المرتكبة.
المطلوب هو معارضة مشاريع التجزئة والتقسيم، ومنع الاستيلاء على الأراضي العربية بالقوة والبطش، وذلك من خلال تشكيل جبهة سياسية ودبلوماسية موحدة، تتجاوز الحسابات الضيقة والخلافات الثنائية، لتحاور دول العالم بخطاب قوي مبني على قواعد القانون الدولي
وهذا أخطر أشكال المواجهة؛ فحين تنتصر حكاية الجلاد في الإعلام والجامعات ومراكز الدراسات الغربية، يصبح من السهل تحويل الاحتلال إلى واقع طبيعي ومقبول في أذهان الأجيال المقبلة.
فسقوط مدينة غرناطة، آخر مدن العرب في الأندلس، 1492، لم يكن وليد اللحظة؛ إنما حصيلة قرن كامل من الانقسامات بين أمراء الطوائف، حتى أصبح وجود العدو ضرورة للبعض منهم، رغم إدراكهم أنه يعمل بخطة واضحة للقضاء عليهم تباعا!
وكأن التاريخ يعيد نفسه في فلسطين المحتلة؛ مغتصِب موحد الأهداف والإستراتيجية، وإقليم مشتت، بلا مرجعية جامعة ولا رؤية واضحة.. أنكرر مآسي الماضي، أم نصنع مستقبلا آمنا لأبنائنا وأحفادنا؟
ورغم خطورة الأحداث وقتامة الأوضاع، فإننا قادرون على فعل الكثير قبل فوات الأوان.
ولنا في موقف صلاح الدين الأيوبي قبيل معركة حطين أبلغ العِبر؛ إذ كان المشهد حوله ممزقا، والدويلات غارقة في خلافاتها، بينما الأعداء يسيطرون على بقعة تلو الأخرى. ومع ذلك، لم يستسلم القائد لليأس، بل عمل على توحيد الصفوف، وحول فكرة التصدي للغزاة إلى مشروع جامع تُوِج بتحرير بيت المقدس.
لذا، فالمطلوب هو معارضة مشاريع التجزئة والتقسيم، ومنع الاستيلاء على الأراضي العربية بالقوة والبطش، وذلك من خلال تشكيل جبهة سياسية ودبلوماسية موحدة، تتجاوز الحسابات الضيقة والخلافات الثنائية، لتحاور دول العالم -ولا سيما مراكز القرار الكبرى- بخطاب قوي مبني على قواعد القانون الدولي، بدءا بمحاصرة الاستيطان، عبر تقديم ملفات قانونية متكاملة للمحاكم الدولية.
وبالتوازي مع ذلك، لا مناص من مقاومة التهجير القسري للفلسطينيين بخطط إغاثة فعالة، ودعم مادي وسياسي مباشر، بدل الاكتفاء بالمؤتمرات، مع إطلاق حملة إعلامية عالمية تكشف نوايا المشروع الاستيطاني بلغة يفهمها الرأي العام الغربي، بعيدا عن أسلوب البيانات البروتوكولية. ولا بد أيضا من تفعيل الضغط بكل أشكاله المتاحة؛ فالعالم اليوم لا يحترم إلا من يمتلك القوة ويصون قراره السيادي.
علينا أن نعي أن الوقت ليس في صالحنا؛ فالتحولات العالمية متسارعة، وتكاد تكون مفاجئة وخارجة عن التوقعات، لكنها أيضا تفتح بوابة أمل استثنائية للعرب إذا أحسنوا استغلالها
فما يجري في فلسطين الآن لا يمكن عزله عن المشهد الإقليمي والدولي؛ فمحاولات التصعيد على أكثر من جبهة، وجر المنطقة إلى صراعات داخلية، كلها تصب في مصلحة المخطط الصهيوني، الذي يراهن على تفتيت الجوار قبل إكمال مشروعه داخل فلسطين.
وهذا المسار حتما سيقودنا إلى المزيد من الحروب والصراعات، وسيضع المنطقة بأسرها على فوهة بركان قابل للانفجار في أي لحظة.
علينا أن نعي أن الوقت ليس في صالحنا؛ فالتحولات العالمية متسارعة، وتكاد تكون مفاجئة وخارجة عن التوقعات، لكنها أيضا تفتح بوابة أمل استثنائية للعرب إذا أحسنوا استغلالها.
غير أن وتيرة الصمت إذا استمرت، واستمر معها تجاهل العالم، فقد لا يبقى مشروع "إسرائيل الكبرى" مجرد أحلام في خطابات المتطرفين، بل يتحول إلى واقع جغرافي وسياسي لا يمكن التراجع عنه.
وحينها لن ينفع الندم ولا استدعاء التاريخ لتبرير الهزيمة؛ فالتاريخ لا يرحم من امتلك القدرة ولم يستخدمها، لكنه يخلد فعل من أحسن استغلال الظروف لخدمة وطنه وأمته. فإذا لم نستثمر ما بأيدينا في هذه اللحظة، فلن يجدي بعد سنوات قليلة. فلنكن أهلا لفتح نافذة الفرصة الأخيرة.
ختاما: الزمن لا ينتظر المترددين، فلنتحرك الآن لنصنع الغد المشرق بأيدينا، وإلا فقد لا نجد غدا ما نتحرك لأجله!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

