لماذا علينا أن نفهم السياق العام؟!.. قضية نزع سلاح المقاومة الفلسطينية نموذجا

المقاومة الفلسطينية اشتبكت مع القوات الإسرائيلية بغزة من المسافة صفر (الأناضول)
الكاتب: للإنسان حق أصيل بالدفاع عن نفسه تجاه أي مظلومية تقع عليه (الأناضول)

لا بد أنه اعتراك شعور باللبس في إحدى المرات التي قرأت فيها خبرا أو نصا صحفيا، فدفعك ذلك للبحث في سياقه العام، محاولا الإحاطة به.

وهذا ما يلزمك حقا لتجنب كثير من سوء الفهم الذي يحدث بسبب اقتطاعات النصوص، لا سيما الإخبارية منها، والذي يعمل بدوره على خلق بيئة خصبة للتضليل ونشر الشائعات.

فلا يمكن فهم حدث بمعزل عن سياقه العام، لكونه يسرد ظروف الحدث التاريخية والاجتماعية والسياسية، مما يسهّل تفسير ما عليه الواقع الآن، ومن هنا تأتي أهميته للفهم؛ فهو السلاح الذي تحارَب به آلة التضليل، وهو الذي يتحطم على عتباته صلف الجهول المتمترس على قشور العلم والمعلومة.

تبع وعد بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين رفض شعبي واحتجاجات واسعة، ما يؤكد أن الطلقة الأولى كانت نتيجة تراكم نضالي بدأ بالرفض السياسي

السياق معنى

السياق معناه لغة من سوق، وهو حدو الشيء؛ يقولون: تساوقت الإبل تساوقا إذا تتابعت، ولعل هذا يقرب المعنى أكثر لما للأحداث من تتابع، أي كأن بعضها يسوق بعضا، ولذلك قال العلماء: "المعنى وظيفة السياق".

فلما كان ذلك، كان لا بد من أخذ الأبعاد المختلفة للحدث، وتناولها في المقالة أو التقرير أو الخبر الموسع، وما دون ذلك لا يعد تغطية.

نزع سلاح المقاومة مثال للقياس

على غرار ما أوردناه سابقا حيال فهم السياق العام للأحداث، ستكون قضية نزع سلاح المقاومة الفلسطينية هي العينة التي سنعمل من خلالها على توضيح الصورة بشكل عملي، من خلال سرد تمهيدي تاريخي لتمكين القارئ من ربط الأمور ببعضها.

فكما يعمل المخرج السينمائي على تهيئة تسلسل زمني في العمل الدرامي، كذلك هي الغاية هنا: الانتقال بالقارئ عبر الأحداث الزمنية بشكل سلس وسريع، تارة للتذكير، وأخرى للتوعية.

صلب القضية ومكان الحدث

فلسطين.. الجزء المبتور عن حاضر الأمة، والتي تعيش واقعا فُرض عليها عقب ما آلت إليه الظروف المتتابعة منذ فكرة احتلالها، التي أخذت استحقاقها من مؤتمر بازل عام 1897، وصولا إلى يومنا هذا.

إعلان

لماذا مؤتمر بازل؟ لأنه المؤتمر الأول الذي تشكلت على أثره الحركة الصهيونية، والذي قوبل كذلك بحركة مقاومة فكرية، قادها أعيان القدس وعدد من النخب العربية والإسلامية آنذاك، وهذا بدوره سيمهد لك الطريق لتعي أسباب التطور النضالي؛ فكلما توغل الاحتلال قابلته حركة النضال بما يردع عنها هذا التوغل.

للإنسان حق أصيل بالدفاع عن نفسه تجاه أي مظلومية تقع عليه، وهذا من المسلمات التي تقرها الأعراف والشرائع والأخلاقيات، ولا سيما القوانين الدولية التي يتحاكم إليها العالم

كيف تحول النضال الفلسطيني من فكري إلى حركي مسلح؟

تبع وعد بلفور والانتداب البريطاني على فلسطين رفض شعبي واحتجاجات واسعة، ما يؤكد أن الطلقة الأولى كانت نتيجة تراكم نضالي بدأ بالرفض السياسي، وتدرج عبر أشكال متعددة من الاحتجاجات، وصولا إلى الكفاح المسلح مع وصول عز الدين القسام إلى فلسطين وتشكيله العصبة القسامية.

أدى ذلك إلى تغيير مسار الحراك الشعبي من ردات فعل إلى تنظيم مسلح، تجلت حدته في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، في سياق سبقته مذابح، وسبقه تهجير من القرى الفلسطينية، وهو ما يفسر حاجة الفلسطيني آنذاك للدفاع عن أرضه وعرضه، وهي جزئية لا يمكن فصلها عما يحدث اليوم بحال من الأحوال.

مشروعية الدفاع عن النفس وحق تقرير المصير

للإنسان حق أصيل بالدفاع عن نفسه تجاه أي مظلومية تقع عليه، وهذا من المسلمات التي تقرها الأعراف والشرائع والأخلاقيات، ولا سيما القوانين الدولية التي يتحاكم إليها العالم اليوم، بما فيها ميثاق الأمم المتحدة عام 1945/ مادة 51.

هذا الميثاق أكد على مشروعية حركات المقاومة سعيا للتحرر الوطني، وفيه بنود كثيرة لا يسعنا ذكرها في هذه المقالة، تشرّع حمل السلاح في وجه المحتل في سبيل التحرر الوطني.. فما بالهم يراوغون في مسألة سلاح الفلسطيني؟!

ويبدو الالتفاف على كل ذلك جليا كوضوح النهار، بالرغم من أن الأطراف توصلت منذ مطلع هذا العام إلى اتفاقيات تقضي بتسليم جزئي للسلاح لجهة فلسطينية تدير أمرها، وفق ما أوردناه سابقا، لا يكون تسليما بل توظيفا مدنيا جديدا.

فما الذي سيكون عليه الحال لو وُضع السلاح؟ وهل سيتبع ذلك "أمن وأمان" كما في تجربة الضفة الغربية مثلا، وهي التي تعاني ما تعانيه من تهجير قسري؟!

بهذا المثال نكون قد وضعناك، عزيزي القارئ، على بصيرة لفهم القضايا دون لبس وتشويش، تجاوزا لما ذكرناه في المقدمة، لئلا تكون فريسة سهلة لمروجي التضليل ومنتفعي الشائعات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان