انتهاكات في ظل الاتفاق: الحسكة تكشف انفلات قسد وهيمنة حزب العمال الكردستاني

الكاتب: إن ما شهدته الحسكة يكشف بوضوح أن التحدي الحقيقي في مرحلة ما بعد الاتفاق لا يكمن في النصوص، بل في تفكيك منظومة السيطرة الموازية (رويترز)

في صباح 2 فبراير/شباط 2026، وهو اليوم الأول الفعلي لبدء تنفيذ اتفاق 30 يناير/كانون الثاني، الموقع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، بدت مدينة الحسكة وكأنها تدخل لحظة مفصلية، يفترض أن تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها إنهاء الازدواج الأمني، وعودة سلطة الدولة عبر وزارة الداخلية السورية.

أرتال قوى الأمن الداخلي تحركت منذ ساعات الصباح من الشدادي والهول باتجاه المدينة، وانتشرت تباعا في محيطها الجنوبي، في الميلبية وعلى الطرق الواصلة، في مشهد عكس جدية البدء بتنفيذ الاتفاق على الأرض، وليس الاكتفاء به كنص سياسي مؤجل.

غير أن ما جرى داخل أحياء الحسكة، بالتزامن مع هذا الدخول، كشف فجوة عميقة بين منطق الاتفاق، وسلوك القوى المسيطرة فعليا على الأرض.

الأخطر في مشهد 2 فبراير/شباط ليس فقط حجم الانتهاكات التي طالت المدنيين العرب، بل توقيتها ودلالتها السياسية؛ فهي قد وقعت في اليوم الأول لتنفيذ الاتفاق، وبالتزامن مع دخول الدولة

فمع اقتراب وصول قوى الأمن الداخلي إلى مركز المدينة، شهدت أحياء غويران، والصناعة، والعزيزية، انتشارا مكثفا لعناصر "قسد" وذراعها العسكري وحدات حماية الشعب الكردية "YPG"، ترافق مع فرض حظر تجوال بالقوة، وإغلاق الطرق، ونشر القناصة، في مشهد لم يكن هدفه ضبطا أمنيا انتقاليا بقدر ما بدا محاولة لفرض أمر واقع بالقسر، ومنع أي تفاعل شعبي مع دخول القوات السورية.

هذا الانتشار لم يترافق مع أي إعلان رسمي من قيادة "قسد" ينسجم مع روح الاتفاق، بل جاء متزامنا مع خطاب تصعيدي واضح، صادر عن قيادات مرتبطة تنظيميا بحزب العمال الكردستاني، وعلى رأسهم متحدثة وحدات حماية المرأة، التي أعلنت بوضوح أن "التعبئة العامة مستمرة"، وأن "التحركات يجب أن تتصاعد"، وأن الاتفاق لا يعني نهاية الصراع ما لم تُفرض شروط سياسية تتجاوز ما تم التوافق عليه مع الدولة السورية.

إعلان

في هذه اللحظة بالذات، خرج عدد من أبناء الأحياء العربية في الحسكة، ولا سيما في حي العزيزية، رافعين الأعلام السورية، في تعبير سلمي عن تأييدهم عودة مؤسسات الدولة، وإصرارهم على استقبال قوى الأمن الداخلي.

الرد على هذا التحرك لم يكن سياسيا ولا أمنيا منضبطا، بل جاء عنيفا ومباشرا، إذ شنت عناصر مسلحة تابعة لـ"وحدات حماية الشعب الكردية"، ومرتبطة بعناصر غير سورية، من حزب العمال الكردستاني حملة اعتقالات واسعة، طالت عشرات المدنيين، بينهم أطفال، وترافقت مع اعتداءات جسدية موثقة، وإطلاق نار حي على المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى في أحياء المدينة.

المشاهد التي وثقتها مقاطع مصورة من داخل الحسكة، رغم محاولات منع الإعلام المحلي والدولي من الدخول، كشفت نمطا واضحا من الانتهاكات: هناك مدنيون عرب موقوفون بعد ضرب مبرح، آثار دماء واضحة على أجسادهم، إهانات لفظية ذات طابع عرقي، ودهم منازل عشوائي في أحياء يفترض أنها مشمولة بترتيبات التهدئة والانتقال الأمني.

ما جرى في الحسكة في هذا اليوم لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للاتفاق، ولا عن السؤال حول من يمتلك القرار الحقيقي داخل "قسد"؛ فالمؤشرات الميدانية تؤكد أن "قسد" لا تملك قرارها السيادي

هذه الوقائع لم تكن أحداثا معزولة أو أخطاء فردية، بل جاءت متزامنة مع تهديدات علنية صدرت في الأيام السابقة عن قيادات محسوبة على قنديل، توعدت صراحة بعرقلة تطبيق الاتفاق، ورفضت أي انسحاب فعلي أو تسليم أمني لا يمر عبر شروط حزب العمال السياسية.

في المقابل، واصلت قوى الأمن الداخلي السورية تقدمها وفق ما هو مخطط له، ودخلت مدينة الحسكة، وبدأت انتشارها الرسمي، في خطوة عكست انتقالا فعليا للسلطة الأمنية السيادية.

اللافت أن حملات التضليل التي حاولت تصوير هذه القوات على أنها قادمة من منطقة أو محافظة بعينها، في محاولة لاستثارة ذاكرة الصراع والتحريض، سرعان ما سقطت مع توثيق وجود عناصر من مختلف المحافظات السورية ضمن الأرتال، بما فيها إدلب، في رسالة واضحة بأن هذه القوة تمثل مؤسسة دولة لا فصيلا أو طرفا انتقاميا.

ما جرى في الحسكة في هذا اليوم لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للاتفاق، ولا عن السؤال حول من يمتلك القرار الحقيقي داخل "قسد"؛ فالمؤشرات الميدانية، من السلوك الأمني، إلى الخطاب السياسي، إلى طبيعة الانتهاكات، تؤكد أن "قسد" لا تملك قرارها السيادي، لا سياسيا ولا أمنيا، وأن مركز الثقل الحقيقي ما زال بيد قيادات حزب العمال الكردستاني، وخصوصا العناصر غير السورية، التي تتعامل مع الاتفاق بوصفه تهديدا لمشروعها، لا إطارا انتقاليا لحل النزاع.

إن ما شهدته الحسكة يكشف بوضوح أن التحدي الحقيقي في مرحلة ما بعد الاتفاق لا يكمن في النصوص، بل في تفكيك منظومة السيطرة الموازية، التي بنتها قيادات حزب العمال الكردستاني

الأخطر في مشهد 2 فبراير/شباط ليس فقط حجم الانتهاكات التي طالت المدنيين العرب، بل توقيتها ودلالتها السياسية؛ فهي قد وقعت في اليوم الأول لتنفيذ الاتفاق، وبالتزامن مع دخول الدولة، ما يعني أنها ليست رد فعل فردي، بل رسالة مقصودة مفادها أن الانسحاب الشكلي لا يعني نهاية السيطرة الفعلية، وأن استخدام العنف ضد المدنيين ما زال أداة ضغط أساسية بيد هذه المجموعات.

إعلان

هذا السلوك لا ينسف الثقة بالاتفاق فحسب، بل يضعه أمام اختبار مبكر وحاد، عنوانه: هل يمكن تطبيق أي تسوية أمنية في ظل وجود فاعل مسلح عابر للحدود، لا يعترف بمرجعية الدولة، ولا يلتزم بتعهداته؟

إن ما شهدته الحسكة يكشف بوضوح أن التحدي الحقيقي في مرحلة ما بعد الاتفاق لا يكمن في النصوص، بل في تفكيك منظومة السيطرة الموازية، التي بنتها قيادات حزب العمال الكردستاني داخل بنية "قسد"، والتي أثبتت مرة أخرى استعدادها لاستخدام العنف العرقي والسياسي ضد المدنيين، حتى في لحظة يفترض أنها لحظة تهدئة وانتقال.

وفي هذا السياق، تصبح مسألة حماية المدنيين، وضمان المحاسبة، وتثبيت سلطة القانون، شرطا أساسيا لنجاح أي مسار سياسي أو أمني، وليست تفصيلا يمكن تجاوزه باسم "المرحلة الانتقالية" أو "حساسية الوضع".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان