- أزمة وعي.. أم غياب إرادات؟
يُروى في أدبيات الهيمنة السياسية أن سفير دولة عظمى مرّ بشارع عام، فلفت انتباهه أناس يتجمعون حول مخلوق، ويؤدون له طقوس الطاعة والتقديس.
توقف السفير وقال لمن حوله: ما دام هؤلاء يقيمون مثل هذه الطقوس، فلن نحتاج إلى جنود للسيطرة عليهم.
قد تبدو الحكاية رمزية أو مبالغا فيها، بيد أنها تختصر منطقا راسخا في سياسات الدول الاستعمارية؛ فالمسألة لا تتعلق بهذا المعبود أو ذاك، بل بالبنية العقلية التي سلمت زمامها لشيء خارج فطرة الإنسان، وتحولت هذه الأفكار مع الزمن إلى مقدس يعطل التفكير ويصادر النقد.
أجل، لقد فهم المستعمر الدرس جيدا منذ عقود؛ فالسيطرة تبدأ بالعقل أولا، من خلال تشكيل الوعي الجمعي للمجتمعات، وفق مصالحه وأجنداته، تجاه هذا البلد أو ذاك.
وهنا تصبح السيادة الوطنية، عند بعض أبناء الوطن، وجهة نظر، ونشر الجهل استثمارا مربحا، وأنصاف المثقفين يتحولون إلى نجوم؛ تفرش لهم القاعات وتقام لهم المؤتمرات. ويغدو، مع مرور الزمن، الخروج على المألوف والمسلمات خيانة كبرى.
الوعي هو السلاح الذي لا تستطيع أي قوة نزعه؛ فالقوة الحقيقية للشعوب تكمن في امتلاك المعرفة، وتسخير الإمكانات لتحقيق أهداف الأمة السامية في النهوض والاستقرار والرفاهية
فالهيمنة لا تتحقق حين يهزم الجسد وحده، بل حين يعاد تشكيل العقل ليصبح أداة تحقق ما يريده الأعداء، وتتحول الشعوب إلى حراس نظام قاهر لها، تدافع عنه تحت وهم الخوف من المجهول ورفض التغيير.
نعم، نالت أغلب دول العالم استقلالها الجغرافي، لكن المستعمر بقي بعقله وأفكاره وأدواته على الأرض، ينفذ ما عجزت عنه قوته العسكرية.
فالأزمات التي تعاني منها بعض بلداننا هي أعراض لبنية فكرية أعيد تشكيلها بما يخدم بقايا الاستعمار. إنها ليست إخفاقات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية فحسب، بل هي، باختصار، تعبير عن غياب الإرادة العربية الفاعلة في ملفات المنطقة ومستقبلها.
وقد أنتج هذا الواقع نوعا جديدا من الجهل، بأدوات جعلته أكثر خداعا؛ إنه جهل يرتدي ثوب الحداثة، ويتحدث بلغة التطوير، ويستشهد بالمصطلحات العلمية والثقافية.
جهل مركب لا يمنعك من الوصول إلى المعلومة، بل يغرقك بها من خلال مئات الأسئلة، دون وجود أجوبة صريحة، حتى تفقد القدرة على التمييز، الأمر الذي يقود العقل إلى مزيد من التبعية لا التحرر.
وأمام هذا المشهد القاتم، الذي يأخذ بنا نحو غياهب التقليد الأعمى للآخرين، وضياع ما تبقى من قيمنا، يعلّمنا التاريخ أن التحولات الكبرى تبدأ غالبا من هوامش تبدو صغيرة؛ فالوعي لا يولد دفعة واحدة، بل يتشكل ببطء، عبر تراكم الأسئلة، وتبادل الأفكار، وجرأة النقد، وعدم الخوف من المجهول.
فالنهضة ليست قرارا سياسيا يتخذ، بل مسارا ثقافيا واجتماعيا طويلا، يبدأ حين يستعيد الفرد ثقته بعقله، ويتحرر من وهم الوصي، ومن راحة الاتكاء على سلطة تفكر وتعفيه من المسؤوليات. من خلال بناء علاقة جديدة وصحية بين الماضي والمستقبل؛ شراكة تعترف بالتاريخ دون أن تسجن فيه، وتحترم الهوية دون أن تحولها إلى صنم، وتؤمن بالدين دون أن تستخدمه لإلغاء العقل.
وقد علمتنا تجارب الحياة أن المجتمعات لا تهزم بالقوة العسكرية وحدها، بل حين تتنازل عن حقها في التفكير، وتفقد ثقتها بالقدرة على الفهم، وتسلم وعيها ومفاتيح صحوتها طواعية للآخرين.
إما أن نملك خياراتنا بوعي نقدي، أو ندفع قسرا إلى خيارات لم نصنعها، وعندها لا يعود السؤال: ماذا نريد؟ بل: ماذا فرض علينا؟
إن الوعي هو السلاح الذي لا تستطيع أي قوة نزعه؛ فالقوة الحقيقية للشعوب تكمن في امتلاك المعرفة، وتسخير الإمكانات لتحقيق أهداف الأمة السامية في النهوض والاستقرار والرفاهية.
والتحدي الحقيقي الذي يواجه واقعنا اليوم هو مفهوم الهوية، والثقة بذواتنا بأننا قادرون على صنع المستقبل. فالدول التي لا يمكنها تعريف ذاتها، وأخذ موقعها، وصياغة أولوياتها من داخلها، تتحول مع مرور الزمن إلى كيان تابع لا حول له ولا قوة، ويتآكل مع الوقت حتى يذوب ويتلاشى في ثقافات الأمم الأخرى، وينسلخ عن جذوره وماضيه.
علينا أن ندرك أن الأوطان لا تصان بالنوايا الحسنة، بل باليقظة والقدرة على المراجعة الدائمة. فالعالم لا ينتظر المترددين، ولا يرحم الغافلين، ومن يتخلى عن عقله اليوم سيدفع ثمن ذلك سيادة وأمنا ومستقبلا.
فإما أن نملك خياراتنا بوعي نقدي، أو ندفع قسرا إلى خيارات لم نصنعها، وعندها لا يعود السؤال: ماذا نريد؟ بل: ماذا فرض علينا؟
ختاما، يقال في أدبيات التحليل السياسي: إذا لم تكن جالسا على مائدة القرار، فاعلم أنك على قائمة الطعام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

