تشكل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر؛ فهي ليست مواجهة عسكرية معزولة، بل حلقة ضمن صراع ممتد تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية، والأمنية، والاقتصادية، والعقائدية.
وتنبع خطورتها من كونها تجري في منطقة تعد واحدة من أهم الممرات الإستراتيجية للطاقة والتجارة العالمية، ما يجعل آثارها تتجاوز حدود أطرافها المباشرين لتطال توازنات النظام الدولي برمته.
إن التاريخ لا يكتبه المصفقون على ضفاف الحروب، بل تدونه النتائج التي تولد من رحم الركام بعد عقود. والمراهنة على "الغريب/ الإمبريالي" لترميم "البيت" هي مقامرة بآخر ما تبقى من سيادة ذهنية؛ فمن يطلب الخلاص من فوهة بندقية لا يملك قرارها، كمن يستجير من الرمضاء بالنار.
أما السؤال المحوري الذي سيبقى معلقا في أفق منطقتنا المثقلة بالندوب فليس: من سيسقط؟ بل من سيتبقى منا ليرث الأرض بعد أن تعاد هندستها بمنطق الغلبة؟
المراهنة على سقوط القوى الإقليمية (كإيران مثلا) بوصفه لحظة "تنوير" أو "خلاص" آلي، تعكس قصورا في فهم بنية التوازن. فالدولة في منطقتنا العربية ليست مجرد نظام سياسي عابر، بل هي عقدة في شبكة أعصاب معقدة من المصالح والمواجهات
إن الحرية التي تولد من "فراغ القوة" هي مجرد تسمية مهذبة لـ"عبودية جديدة". والذكي هو من يدرك أن الهزيمة الحقيقية تبدأ حين نقتنع بأن قدرنا يصاغ دائما في مكان آخر.
إذ إن ثمة مغالطة وجودية تكتسح الوعي الجمعي عند كل منعطف صدامي في المشرق؛ وهي الظن بأن "العدم" يمكن أن يكون رحما للحرية.
إن النشوة التي تعتري البعض عند رؤية تصدع الكيانات الإقليمية ليست سوى "فرح جنائزي"، يتجاهل حقيقة فيزيائية وسياسية قاطعة: الطبيعة لا تطيق الفراغ، والتاريخ لا يعرف التوقف.
فالمراهنة على سقوط القوى الإقليمية الكبرى (كإيران مثلا) بوصفه لحظة "تنوير" أو "خلاص" آلي، تعكس قصورا في فهم بنية التوازن. فالدولة في منطقتنا العربية ليست مجرد نظام سياسي عابر، بل هي عقدة في شبكة أعصاب معقدة من المصالح والمواجهات.
فحين ينكسر عمود في خيمة التوازنات القلقة، لا تشرق الشمس، بل ينهار السقف على الجميع. إن غياب "الآخر" القوي، مهما بلغت درجة الخلاف معه، لا يمنح الضعفاء صوتا، بل يمنح "الأقوى مطلقا" تفويضا كاملا لإعادة هندسة الوجود وفق قياساته الخاصة.
ومشهد القوى العسكرية الأجنبية التي تملأ تضاريس المنطقة ليس مجرد "ضرورة أمنية" أو "تحالف مؤقت"، بل هو إعلان عن "اغتراب سيادي"، عندما تصبح الأرض مسرحا لصراعات تدار بمنطق الحديد والنار.
والخطر هنا ليس في القذائف، بل في "تطبيع الهزيمة الذهنية"؛ أي القبول بفكرة أن قدر المنطقة يصاغ في الغرف المظلمة للقوى الكبرى، وأن دور الشعوب ينحصر في "التكيف" مع النتائج أو "التصفيق" للمنتصر الجديد.
إن التاريخ لا يرحم الذين يرقصون على أطلال بيوتهم ظنا منهم أنهم يهدمون سجنهم؛ ففي السياسة، كما في الفلسفة، الانهيار غير المحسوب ليس بداية للحرية، بل هو دعوة صريحة لـ"استعمار جديد" يرتدي ثياب المنقذ
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن "المجتمع الدولي" ليس حكما عادلا في مباراة أخلاقية، بل هو صدى لصوت القوة الغاشمة الضاربة لكل القيم والهويات الوطنية.
والركون إلى "الشرعية الدولية" لضبط جموح القوى العظمى هو نوع من المثالية الساذجة التي تتبخر عند أول صدام حقيقي للمصالح.
والفيلسوف "نيتشه" يخبرنا أن من يصارع الوحوش يجب أن يحذر من أن يصبح وحشا بدوره. والتاريخ يضيف: "من يهلل لهدم الهياكل، يجب أن يستعد للعيش في العراء".
إن نموذج "التغيير بالقوة" الذي شهده العراق مطلع القرن يظل شاهدا حيا على أن إسقاط الأنظمة في بيئات غير مهيأة بنيويا لا ينتج ديمقراطية، بل ينتج "تشظيا هواتيا". وفاتورة الفراغ تدفع دائما من لحم الشعوب، عبر سنوات من التيه والوصاية المقنعة.
إن التاريخ لا يرحم الذين يرقصون على أطلال بيوتهم ظنا منهم أنهم يهدمون سجنهم؛ ففي السياسة، كما في الفلسفة، الانهيار غير المحسوب ليس بداية للحرية، بل هو دعوة صريحة لـ"استعمار جديد" يرتدي ثياب المنقذ.
في النهاية، لا يقاس هذا الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بمن ينتصر عسكريا، بل بما يخلّفه في وعي المنطقة والعالم. فالقوة التي لا يحدها ميزان العدل تنتج دورات جديدة من العنف، وكل هيمنة تحمل في داخلها بذور أفولها.
ويبقى السؤال الفلسفي الأعمق: هل تستطيع الشعوب أن تتحول من موضوع للصراع إلى صانعة لتاريخها، أم سيظل مصيرها يكتب في "غرف القرارات" البعيدة عنها بأميال وأميال؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

