ثمة لحظات في مسيرة الشعوب تنكشف فيها الحقيقة بجلاء لا يحتمل التأويل، وتنقلب فيها المعادلات بقدر لا تملك فيه يد القوة الباطشة صنعا.
لحظة كهذه جاء فيها الرأي رقم (63/2025) الصادر عن الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة، والقاضي بأن احتجاز الشيخ راشد الغنوشي، المتجاوز سن الرابعة والثمانين، الشيخ المريض بالباركنسون، الرابض خلف قضبان سجن المرناقية، يشكل في جوهره وفي كل تفاصيله انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وأن حريته حق مسلوب يجب إعادته إليه فورا.
ليس هذا قرارا إجرائيا عاديا، بل هو وثيقة تاريخية تلخص صراعا متعدد الأبعاد بين مشروعين: مشروع الحرية ومشروع الاستبداد، بين دولة القانون وحكم الفرد.
في علم القانون الدولي لحقوق الإنسان، ثمة فارق جوهري بين السيادة الوطنية المشروعة التي تحمى بالقانون، والسيادة الموهومة التي يتدثر بها المستبدون لاغتيال الحرية
الدلالة السياسية: من يحاكم في الحقيقة؟
من منظور سياسي بحت، كان قيس سعيد يراهن منذ الانقلاب الذي جرى في يوليو/تموز 2021 على تسويغ تجريم خصومه أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، وكان احتجاز راشد الغنوشي، رئيس البرلمان المنتخب وزعيم أكبر الأحزاب التونسية، تتويجا لهذا المسعى.
لقد أعلنت آلة بأسرها، أجهزة الدولة المصادرة والقضاء المستتبع والإعلام المسخر، أن الغنوشي متهم بالتآمر على أمن الدولة، بل وصل الأمر إلى إصدار حكم بسجنه اثنتين وعشرين سنة. حكم لم يستند، وفق الرأي الأممي، إلى أدلة مادية، بل إلى شهادات متناقضة ومطعون في مصداقيتها.
جاء الرأي الأممي ليقلب هذه المعادلة قلبا تاما. فما أراده قيس سعيد حكما قضائيا يدين الغنوشي أمام العالم، انتهى إلى أن يكون الغنوشي هو المظلوم المقر بمظلوميته دوليا، وقيس سعيد هو المنتهك المدان في محافل القانون الإنساني.
المدعي صار مدعى عليه، والشاكي صار مشتكًى به؛ ذلك أن القرار لم يكتفِ بإثبات التعسف في الاحتجاز، بل وثق انهيار منظومة القضاء التونسي برمتها، من حل المجلس الأعلى للقضاء وتعيين أعضائه مباشرة من رئاسة الجمهورية، إلى إقالة القضاة المستقلين عنوة، مؤكدا أن الغنوشي لا يستطيع الحصول على محاكمة عادلة في ظل قضاء خاضع للسلطة التنفيذية خضوعا بنيويا.
"فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين" [الصافات: 98].
الدلالة الحقوقية: حين يمسك "VAR" الدولي نظاما بالجُرم متلبسا
في علم القانون الدولي لحقوق الإنسان، ثمة فارق جوهري بين السيادة الوطنية المشروعة التي تُحمى بالقانون، والسيادة الموهومة التي يتدثر بها المستبدون لاغتيال الحرية.
فالدولة التونسية ليست ملكا لقيس سعيد يتصرف فيها كيفما يشاء، بل هي دولة ارتبطت بالمواثيق الدولية وصادقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهذه المواثيق هي الحكم حين تنتهك الدولة دستورها ومبادئ العدالة.
واللافت في الرأي الأممي، الذي يمتد على ثلاث عشرة صفحة من التحليل القانوني الدقيق، أنه يوثق بمنهجية صارمة كيف اخترقت السلطة التونسية كل خطوط الحماية القانونية. فقد اقتحمت قوات الأمن منزل الغنوشي دون مذكرة توقيف، ونقلته إلى جهة مجهولة لمدة ثمانٍ وأربعين ساعة دون أن تعلم عائلته أو محاميه، فيما يرقى، وفق القانون الدولي، إلى مرتبة الاختفاء القسري.
ثم استند الادعاء العام إلى قانون مكافحة الإرهاب لملاحقته بسبب تصريحات سياسية مشروعة، قال فيها إن "تونس التي لا مكان فيها لحركة النهضة أو لليسار أو لأي مكون، هي مشروع حرب أهلية"، وهي عبارة تتضمن تحذيرا ديمقراطيا من الإقصاء، لا دعوة إلى العنف بأي تأويل.
وقد انتهى الفريق الأممي إلى أن الاحتجاز يشمل الفئات (I وII وIII وV) في تعريف الاحتجاز التعسفي، في سابقة نادرا ما تبلغها أي حالة.
وقديما قال العلامة ابن خلدون: "يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم".
الاستبداد في جوهره الفلسفي وهم، يظن صاحبه أنه بامتلاكه أدوات الإكراه، من أمن مسخر وقضاء تابع وإعلام مدجن، يمتلك الشرعية ويحتكر الحقيقة
الدلالة الفكرية: حين ينصف الغنوشي بما أسسه
ثمة وجه آخر لهذا القرار لا يقل أهمية عن أبعاده القانونية، وهو البعد الفكري والتاريخي. فالغنوشي ليس مجرد سياسي تعرض للاعتقال، بل هو مفكر جيل أمضى عقودا من عمره في بلورة فلسفة سياسية توفق بين الإسلام والديمقراطية، وتؤسس للحرية في الفكر الإسلامي المعاصر.
زج به لسنوات في سجون الاستبداد، ودفع لسنوات أخرى خارج تونس طريدا، وعاد إلى وطنه ليس لينتقم أو يتجبر، وإنما ليساهم مع الآخرين في قيادة مسيرة التحول الديمقراطي بعد 2011، مثبتا بالفعل والممارسة أن حركة ذات مرجعية إسلامية يمكنها أن تنافس في الانتخابات، وتقبل نتائجها، وتتداول سلميا على السلطة، وتصون الدستور، وتحمي الدولة، وترعى تعهداتها الخارجية.
ما يؤلم في مشهد سجن الغنوشي أنه يسجن بتهمة تهديد أمن الدولة، وهو المدافع الأول عن دولة القانون والمؤسسات في مواجهة الانقلاب.
بيد أن قرار الأمم المتحدة، وهو مرجعية لا يستطيع أي نظام تجاهلها، ينصفه ببيان هو أبلغ من أي دفاع، إذ يقر بأن ما تعرض له الشيخ الغنوشي ليس عدالة، بل هو انتقام سياسي، وأن مبادئه التي دعا إليها هي بالضبط المبادئ التي يكرسها القانون الإنساني الدولي.
"واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" [هود: 115].
الدلالة الأخلاقية: حين تنتصر القيمة على القوة
الاستبداد في جوهره الفلسفي وهم، يظن صاحبه أنه بامتلاكه أدوات الإكراه، من أمن مسخر وقضاء تابع وإعلام مدجن، يمتلك الشرعية ويحتكر الحقيقة.
توهم قيس سعيد أن انقلابه على الديمقراطية والدستور والمؤسسات الشرعية، واستيلاءه على السلطات جميعها، سيوفر له تأشيرة يفعل بها ما يشاء خارج القانون.
غير أن الغنوشي في سجنه، الشيخ الذي تجاوز الرابعة والثمانين من العمر، المصاب بداء باركنسون الذي تفاقمت أعراضه بشكل خطير منذ أن زج به في السجن، وهو المحروم من العلاج الطبيعي بعد أن أوقفته السلطات دون مبرر، والمعزول عن زملائه السجناء بما يرقى إلى الإبعاد الانفرادي الفعلي، كسب المعركة الأخلاقية بصبره وثباته واستهانته بأذى سجانه.
لقد أحسن علي عزت بيغوفيتش حين قال: "كل قوة تبدأ بالأخلاق، وكل سقوط يبدأ بانهيارها". والغنوشي في محنته يجسد هذه الحكمة بامتياز؛ قوته في إيمانه بعدالة قضيته، وفي رسوخه الأخلاقي في مواجهة الطغيان.
لقد جاء قرار فريق الأمم المتحدة ليثبت هذه الحقيقة بلغة القانون. فالفريق طالب بالإفراج الفوري عن الغنوشي وتعويضه، وفتح تحقيق مستقل في الانتهاكات، وإحالة ملف وضعه الصحي إلى المقررة الخاصة المعنية بالحق في الصحة.
هذا يعني بوضوح أن منظومة القمع بأسرها، من الاعتقال التعسفي إلى إهمال الصحة إلى القضاء المسيس، واقعة تحت المجهر الدولي ومحل مساءلة.
القرار الأممي، بكل ما يتضمنه من تفنيد قانوني ومن مرجعية أخلاقية، يعبر في جوهره عن انحياز القانون الدولي لمشروع الحرية في مواجهة مشروع الاستبداد
صراع بين مشروعين
الصراع الذي فرضه قيس سعيد على راشد الغنوشي وسائر القوى الوطنية الديمقراطية هو، في الحقيقة والتمام، صراع بين مشروعين متناقضين: مشروع حضاري أسهم الغنوشي في بلورته وإنفاذه بالتشارك مع القوى الفكرية والسياسية والمدنية الديمقراطية، يرى في الحرية أصلا والديمقراطية سبيلا، ويقيم الدولة على التعاقد المدني وفصل السلطات وضمان الحقوق واحترام التنوع، ويضع تونس في محيطها المغاربي والعربي والإسلامي مع انفتاح على فضائها المتوسطي والدولي؛ وبين مشروع شعبوي يتزعمه قيس سعيد، يلغي سلطة القانون، ويفكك دولة المؤسسات، ويقمع الحريات، ويسخر العدالة أداة للانتقام السياسي، ويؤسس لحكم الفرد المطلق المروج للأوهام.
والقرار الأممي، بكل ما يتضمنه من تفنيد قانوني ومن مرجعية أخلاقية، يعبر في جوهره عن انحياز القانون الدولي لمشروع الحرية في مواجهة مشروع الاستبداد. وهو انحياز ليس مفاجئا لمن فهم أن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، رغم الإخلالات وإرادة تسلط بعض الدول، لم تولد في الغرف المغلقة، بل ولدت من رحم ألم الشعوب المقهورة وتضحيات من ناضلوا من أجل كرامة الإنسان.
أما قيس سعيد فلن يستطيع إقناع أحد، بما نبه إليه شكسبير، أن "القمامة أجمل من الزهور". وإن كانت القوة الغاشمة تبدو اليوم متمكنة، فإن التاريخ لم يرحم يوما من راهن على القمع سلاحا للبقاء، لأن العدل أمضى من السيف وأبقى من السلطة المغتصبة.
"وإن الله لا يصلح عمل المفسدين" [يونس: 81].
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

