لماذا يشعر الإنسان الحديث بالفراغ رغم التقدم؟

مدونات - الغربة
الكاتب: ولد إنسان متقدم تقنيا لكنه قلق وجوديا قوي الوسائل هش الغايات (مواقع التواصل)
  • أزمة الحداثة والروح المفقودة

كلما تأملت صورة الإنسان في العالم المعاصر، وهو إنسان يمتلك من الوسائل ما لم يمتلكه مَن قبله، لكنه يبدو أكثر قلقا واضطرابا وأشد فقرا إلى المعنى، تساءلت: أين تعثر المسار؟

حين نعاين تشكل الرؤية الغربية الحديثة للإنسان، نجد أن ملامحها لم تتكون ضمن مسار معرفي محايد، بل جاءت نتيجة صراع تاريخي طويل مع تجربة دينية مخصوصة، اختلط فيها الإيمان بالهيمنة، والكنيسة بالسلطة، والعقيدة بالوصاية على العقل.

لم يكن تمرد الغرب على المقدس رفضا للإيمان من حيث هو حاجة إنسانية، بقدر ما كان بحثا عن التحرر من صورة مشوهة للدين، انتهت مع الزمن إلى قطيعة شاملة مع الغيب.

العقل إذا انفصل عن القيم، اختزل الإنسان في بعده الوظيفي، فلم يعد الإنسان يقاس بما يحمله من معنى، بل بما ينتجه ويستهلكه

الدين حين يفقد وظيفته الحضارية

وقد تنبه المفكر مالك بن نبي إلى هذه المفارقة، حين أكد أن الأزمة لم تكن في "الدين" ذاته، بل في تعطل وظيفته الحضارية. فحين يعزل الإيمان عن الواقع، ويفصل عن حركة التاريخ، يفقد قدرته على البناء، ويتحول إلى عبء رمزي.

غير أن الغرب، في مساره النقدي، لم يقف عند حدود مراجعة التجربة، بل انتقل إلى نفي الحاجة إلى الوحي نفسه، فدخل في فراغ روحي لم تفلح التقنية في ملئه.

العقل بلا ميزان

مع ديكارت، أعلن العقل الغربي استقلاله الكامل، وأعيد تأسيس المعرفة على الذات المفكرة وحدها. بدا هذا التحول، في بدايته، وعدا بالتحرر من ربقة الخرافة، فانطلقت الثورة العلمية، وألغي التفسير الغيبي.

غير أن هذا العقل، وقد ترك بلا أفق أخلاقي متعال، بدأ يتحول تدريجيا إلى عقل أداتي، يجيد السيطرة، لكنه عاجز عن الهداية؛ فالعقل، مهما بلغ، يظل محتاجا إلى ميزان الوحي ليضبطه.

الإنسان المختزل

والعقل إذا انفصل عن القيم، اختزل الإنسان في بعده الوظيفي، فلم يعد الإنسان يقاس بما يحمله من معنى، بل بما ينتجه ويستهلكه. وهكذا ولد إنسان متقدم تقنيا، لكنه قلق وجوديا، قوي الوسائل، هش الغايات.

جوهر الأزمة في الحداثة الغربية يكمن في فصل الأخلاق عن المعرفة؛ فحين تفصل القوة عن القيم، يتحول التقدم إلى اضطراب وضبابية، فالأعمال بالنيات، ولذا فالقيمة الأخلاقية شرط في كل فعل إنساني

الإنسان في الرؤية الإسلامية

في المقابل، يقدم الإسلام رؤية مغايرة من حيث الجذور والمآلات؛ فالإنسان في التصور الإسلامي ليس سيدا متعاليا، ولا كائنا تائها في كون بلا معنى، بل عبد مكرم وخليفة مسؤول، كما أخبرنا بذلك ربنا ﷻ في قوله: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾، وقوله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾.

إعلان

وتأكيد الكرامة هنا ليس تنظيرا مجردا، بل أصلا يؤسس لعمران بشري أخلاقي متوازن.

وحي يهدي العقل

ولهذا لم يعرف الإسلام صراعا جوهريا بين العقل والوحي، لأن الوحي لم يقدم بوصفه نقيضا للعقل، بل هداية له. ويؤكد هذا المعنى قول النبي ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فالغاية ليست إلغاء العقل، بل تزكيته وإرشاده نحو المسلك القويم.

إن جوهر الأزمة في الحداثة الغربية يكمن في فصل الأخلاق عن المعرفة؛ فحين تفصل القوة عن القيم، يتحول التقدم إلى اضطراب وضبابية، فالأعمال بالنيات، ولذا فالقيمة الأخلاقية شرط في كل فعل إنساني.

سؤال المعنى من جديد

من هنا، نفهم سر التوازن الذي ميز الحضارة الإسلامية في أوجها. أما الفكر الغربي الحديث، وقد مضى بعيدا في منطق الفصل، فقد عاد اليوم، بعد قرون من التقدم، إلى أسئلته الأولى: المعنى، والغاية، وحدود العقل.

ولعل ما نحتاجه اليوم ليس استيراد منتجات الحضارة، بل استعادة شروطها الروحية والأخلاقية… إنسان يعرف لماذا يعيش، قبل أن يسأل عما يملك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان