مشروعية الحرب وحدود القوة في الصراع الدولي

صواريخ إيران - تصميم خاص
الكاتب: بقي هاجس الإمبراطورية جزءا أصيلا من المخيال الإيراني الفارسي حتى الآن (مولدة بالذكاء الاصطناعي - الجزيرة)
  • مشروعية الحرب تكتب نهايتها!

أحيانا، تفرض القناعات الوهمية أو المفتعلة نفسها على المرء أو على النُظم للخروج من مأزق ما، لم تكن حسابات التوقعات فيه دقيقة؛ وبالتالي فإن فرض قناعات غير مكتملة، ثم الإعلان عنها للرأي العام العالمي والترويج لصحتها النسبية، خير من التمادي في حرب لم تكن الضرورة دافعة لها بهذا القدر، ولا في هذا التوقيت.

وأظن أن هذا ما اهتدت إليه الإدارة الأمريكية، حين أسقط في يدها، وكان ما لم تحسب لحدوثه حسابات سياسية ولا عسكرية دقيقة؛ لكن ضغوط المؤسسات الأمريكية، ومعها الرأي العام الأمريكي، وكثير من أصحاب الثقل والنفوذ السياسي في الولايات المتحدة، دفعت إلى أن هذه الحرب ما كانت إلا سعيا وراء الطموحات الإسرائيلية، ولم يكن للدولة الأمريكية ولا للشعب الأمريكي ناقة فيها ولا جمل.

حتى الفكرة الساذجة غير المعلنة- التي كانت تقرأ من خلال الأحداث والتصريحات، والتي قد أثبتت نجاحا في فنزويلا، لتكون إيران نموذجا مكررا من هذا الحلم الساذج- أثبتت فشلها من كل الزوايا، بل ربما تركت آثارا سلبية على استقرار منطقة الشرق الأوسط، وأدت إلى بزوغ لاعبين جدد من القوى الأخرى (الصين وروسيا) كعناصر لها دور فاعل في المنطقة، بعد أن كانت يد الولايات المتحدة مطلقة في المنطقة.

إيران لم تنس يوما، حتى بعد دخول الإسلام، أنها كانت الإمبراطورية الفارسية التي حكمت نصف العالم لأكثر من ألف عام

الصين وروسيا، اللتان دخلتا الحرب من طرف خفي، باتتا لاعبتين رئيسيتين في صناعة الأحداث، لا يمكن إغفال دورهما؛ ولعل هذا يؤدي مستقبلا إلى اختزال رصيد الولايات المتحدة في الخليج العربي، وتغيير، طويل أو قصير المدى، في أوراق اللعبة وتوازن القوى في المنطقة بأسرها.

لذا، تمهد أمريكا الآن لفكرة أن الحرب على وشك الانتهاء خلال أيام، وأنها قد حققت أهدافها، وقضت على مواطن القوة والتمدد عند الخصم الإيراني العنيد، الذي يوشك أن يعلن بدوره أيضا انتصاره وصموده أمام هذا التحالف العالمي، الذي لم يصل إلى بنيته العقائدية، وإن كان قد أصاب كثيرا من بنيته العسكرية والتكتيكية والاقتصادية؛ وتلك تتطلب وقفة.

إعلان

ربما كان من الغريب إظهار هذا الطرح في مقابل القوة العسكرية، لكني أظن أن تقديره يأتي قبل كل أنواع القوة والحسابات. والعقائدية هنا لا تعني البعد الديني؛ فالبعد الديني هو فقط جزء منها، أما البنية العقائدية فهي مخزون تراكمي من الموروث التاريخي والثقافي والعقدي والوطني، بالإضافة إلى المكتسبات الحديثة من الإنجاز العلمي والأدبي. وهذا ما يصنع قناعات الشعوب والدول، ويقيس قوة الانتماء والتمسك بالأرض، ومدى صلابة هذا الانتماء ورسوخه.

فإيران لم تنس يوما، حتى بعد دخول الإسلام، أنها كانت الإمبراطورية الفارسية التي حكمت نصف العالم لأكثر من ألف عام. وحتى حين دخلها الإسلام، لم تلبث أن ابتدعت لنفسها مسارا يفصلها عن الجسد العربي (التشيع)، وبقي هاجس الإمبراطورية جزءا أصيلا من المخيال الإيراني الفارسي حتى الآن، وهو ما يراوده، ربما من حين لآخر، في فكرة "المد الشيعي"، التي تصنع هذا الهاجس بين إيران وجيرانها من الصراع العقدي الحديث والإمبراطوري القديم.

الصراع على العقول يبدأ قبل الصراع على الأرض؛ فإذا اقتنع العقل مشى وراءه الضمير، ودخلت الأمة الحرب وهي واثقة من هدفها

أما مشروعية الحرب، فهي العنصر الذي يقيس مدى الصمود والاستمرار لتلك القناعة، التي تولدت لدى الرأي العام الشعبي والنخبوي، في الدفاع عن الحقوق والمكتسبات، والثبات في مواجهة العدوان.

يقول الفيلد مارشال مونتغمري، في حديث له مع الكاتب محمد حسنين هيكل، ساقه في كتابه "زيارة جديدة للتاريخ": "أخلاقية الحرب هي التي تصنع مشروعية الحرب، ومشروعية الحرب تحقق ميزتين:

  • الأولى أن الرأي العام في وطنك يكون مقتنعا أنك تقود حربا لأنها الوسيلة الوحيدة الباقية أمامك للدفاع عن حقوقك المشروعة.
  • الثانية أن مشروعية الحرب تعزل عدوك عن بقية العالم؛ فمشروعية الحرب تجعل الحلفاء العسكريين لعدوك يترددون قبل دخول المعركة، لأنهم لم يستطيعوا إقناع شعوبهم.

الصراع على العقول يبدأ قبل الصراع على الأرض؛ فإذا اقتنع العقل مشى وراءه الضمير، ودخلت الأمة الحرب وهي واثقة من هدفها. المهم هو أي الطرفين يستطيع أن يرسخ يقينه بمشروعه أكثر، ثم أي الطرفين يستطيع نقل هذا اليقين إلى غيره على نطاق أوسع".

ويتابع مونتغمري: "الحرب ليست دبابات تتصادم، وليست مدافع تهدر، وليست جنودا مشاةً يحتلون أرضا؛ وإنما هي إرادة تعلو فوق إرادة". ويقول، وهذا هو الشاهد من الحوار: "متى تحقق الحرب هدفها؟ عندما يضطر عدوك إلى القبول برأيك، أو عندما يخضع له بالمدفع، ثم يتواصل العمل السياسي لكي يختم ما توصل إليه الرأي أو المدفع".

فهل ثمة إرادة علت، وإرادة خضعت؟ لا أظن أن بعضه قد حدث! إنما، وبحسب ما تنقل لنا وسائل الإعلام من أخبار، لم تستطع الإرادة الأمريكية، إلى الآن، أن تعلو فوق الإرادة الإيرانية في شيء من الأطروحات المتنازع عليها قبل الحرب، ولا تحققت الأهداف غير المعلنة في الاستحواذ على البترول الإيراني، ولا في تغيير الحكومة أو السياسات.

الإسرائيليون لن يستطيعوا الصمود في الملاجئ كل هذه الفترة، مع توقف حركة العمل الداخلية، وتراجع معدلات النمو في الاقتصاد والتنمية، ومع الخسائر في البنية التحتية وممتلكات الأهالي من الأموال والأرواح

أما خسارة أمريكا فهي من رصيدها من الرأي العام العالمي، وكذا التحالف الأقرب (الناتو)، إضافة إلى اليابان، وكوريا، وأستراليا.

إعلان

ومع عظم آلة الإعلام الصهيو-أمريكية، فإنها فشلت فشلا ذريعا حتى في تجييش الرأي العام داخل البلدين، وها هي الاعتراضات الشعبية السافرة تخرج منددة بقرار الحرب وتدعو إلى وقفها فورا، إذ لم تجد في نفسها قناعة دعت إلى إشعالها، ولا يمكن أن يكون ثمة انفصال مستمر بين الرأي العام الداخلي والقرارات السياسية السيادية.

فالإسرائيليون لن يستطيعوا الصمود في الملاجئ كل هذه الفترة، مع توقف حركة العمل الداخلية، وتراجع معدلات النمو في الاقتصاد والتنمية، ومع الخسائر في البنية التحتية وممتلكات الأهالي من الأموال والأرواح. وعلى الطرف الآخر، الشعب الأمريكي، الذي يندد بإهدار مدفوعاته من الضرائب، التي تدفع للدخل القومي لتعود بدورها لخدمة المواطن الأمريكي، وقد فوجئ بأنها توظف لخدمة آلة الحرب الإسرائيلية الرعناء.

واستنادا إلى الفكر السابق، ربما تصدق الإدارة الأمريكية في زعمها أن الحرب ستتوقف خلال أيام، وأن القناعات المزعومة، كتلك التي حدثت في أفغانستان، والعراق، والصومال، بأن الحرب حققت أهدافها، لا يدعمها واقع مصدق لها، بل لا تعدو أن تكون نابعة من واقع اضطراري، توحي جميع تفاصيله بأن استمراره لن يكون في مصلحة أي من الأطراف المتصارعة، إلا أن يكون، بشكل ما، إهدارا لمقدرات البشرية، التي لا يمكن أن تكون جنايتها على نفسها أعظم من ذلك… وإنا لمرتقبون!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان