حالة الطوارئ.. صلاحيات استثنائية

حفظ

تصميم خاص إعلان حالة الطوارئ من الحكومات الجزيرة - صورة مولدة بالذكاء الصناعي
إعلانُ حالة الطوارئ يتلخص في منح صلاحيات استثنائية للسلطات الإدارية (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

حزمة تدابير وإجراءات تتخذها سلطات دولة على المستوى الوطني، أو في جزء معين من الحوزة الترابية للدولة، بهدف ضبط الأمن والحفاظ على النظام العام إثر وقوع أحداث استثنائية تُهدد الأمن العام مثل مظاهرات عارمة أو أعمال شغب واسعة النطاق أو هجمات واسعة أو كوارث أو نحو ذلك.

يتلخص إعلانُ حالة الطوارئ في منح صلاحيات استثنائية للسلطات الإدارية، خاصة الشرطة التي تُخولها حالة الطوارئ المسَّ ببعض الحريات والحقوق الأساسية الفردية والجماعية، كالحق في التنقل وحرية الصحافة وحرية التظاهر والتجمع.

الحريات

تتعدد الإشكالات المتعلقة بإعلان حالة الطوارئ ومنها التخوف من المس بالحريات واتخاذ الوضعية الاستثنائية السائدة ذريعة للتضييق على جهة أو شخص بسبب قناعاته السياسية أو العقدية أو لانتمائه الإثني أو نحو ذلك.

ومرد هذه المخاوف يعود في الأصل إلى أن حالة الطوارئ تُخل بالتوازن الكلاسيكي بين السلطات والذي هو الضامن الأساس للحريات. فحالة الطوارئ تضعُ على المحك التوازن الكلاسيكي الهش بين الحريات والأمن.

يمنح قانون الطوارئ سلطات واسعة للشرطة والأجهزة الأمنية، إذ يُمكنها مثلا منع تجمعات وغلق مرافق عمومية ووضع أشخاص رهن الاقامة الجبرية إذا قدَّرت أنَّ حريته ربما تُخلُّ بالأمن العام، كما يُفوض قانون الطوارئ الشرطة صلاحية إجراء مداهمات لمنازل تشتبه بوجود خطر ما فيها.

ضوابط وموانع

تناول القانون الدولي حالة الطوارئ من خلال العهد الدولي للحريات المدنية والسياسية، الصادر عام 1966، إذ حدَّد الشرط الأساس لفرض حالة الطوارئ في وجود خطر عام واستثنائي يهدد وجود الأمة، على أن يتم إعلان حالة الطوارئ بشكل رسمي وذلك منعا لشيوع الممارسات الضارة بالحريات في أوقات ليس لها طابع الاستثناء.

ونص العهد الدولي للحقوق المدنية والحريات على ألا تكون التدابير المتخذة متعارضة مع التزامات الدولة المعنية بموجب القانون الدولي، كما حذَّر من أن تأخذ إجراءات الطوارئ نزعة تميزية قائمة على العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين.

إعلان

يحذر العهد الدولي للحريات المدنية والسياسية كذلك من أن حالة الطوارئ يجب أن تُعلن في ضوءِ تقدير دقيق وموضوعي للأحداث بحيث تُناسب التدابير المتخذة الوضعية القائمة دون مبالغة.

وفي مستوى آخر منه، يُشدد العهد الدولي على أن حالة الطوارئ يجب ألا تكون، في أي حال من الأحوال، ذريعة لحرمان الأفراد من حقوقهم الأساسية مثل الحق في الحياة، والحق في التفكير والاعتقاد، كما يجب ألا تكون ذريعة لترخيص الممارسات غير الإنسانية أو الحاطّة بالكرامة أو التعذيب أو العبودية والاضطهاد.

صلاحيات

يُعطي إعلان حالة الطوارئ الحكومة صلاحيات واسعة في تفويض الأجهزة الأمنية لمواجهة الأوضاع الطارئة، لكن مع ذلك توجد موانع تحول دون استمرار الأوضاع إن لُوحظت تجاوزات أو منحى استبدادي حكومي يتكرس جراء حالة الطوارئ.

وفي البلدان الديمقراطية، لرئيس الدولة إعلان حالة الطوارئ لكنَّها تسري لفترة محدودة، ويُرهن تمديدها بموافقة البرلمان. ففي فرنسا، تسري حالة الطوارئ لـ12 يوما فقط من تاريخ إعلانها من رئيس الجمهورية، وبعد ذلك يَمرُّ تمديدها عبر موافقة البرلمان.

State of Emergency message on yellow warning road sign with stormy sky 3D Illustration
إعلان حالة الطوارئ يُعطي الحكومة صلاحيات واسعة في تفويض الأجهزة الأمنية لمواجهة الأوضاع الطارئة (شترستوك)

أبرز الإعلانات

انقلاب تركيا الفاشل

بعيد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حالة الطوارئ في البلاد مدة 3 أشهر بموجب المادة 120 من الدستور، "بهدف القضاء على كافة العناصر التابعة للمنظمة الإرهابية"، في إشارة إلى منظمة فتح الله غولن.

هجمات باريس

أعلن الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، حالة الطوارئ في البلاد إثرَ هجمات باريس التي وقعت ليل 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، واستهدفت ملعب فرنسا الدولي، وقاعة العروض باتاكلان، ومطعم لبتي كامبودج في ضاحية سان دوني.

واستند الرئيس هولاند في قراره إلى قانونٍ يعود لعام 1955. ومدد البرلمان حالة الطوارئ 3 أشهر بأغلبية ساحقة بعد ذلك بـ6 أيام. بيد أنَّ أحداث باريس ليست إلا حلقة في مسلسل طويل من الأحداث بصَمت تاريخ إعلان الطوارئ في فرنسا.

حرب التحرير ضد فرنسا

في عام 1955، سنّ قانون الطوارئ وطُبق إثرَ موجة هجماتٍ شنتها جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، ابتداء من فاتح نوفمبر/تشرين الثاني 1954 في إطار حرب التحرير ضدَّ الجيش الفرنسي في الجزائر وكذلك ضدَّ أهداف داخل التراب الفرنسي.

كان رئيس الحكومة حينها، بيير منديس فرانس، بين خيارين هما سنُّ قانون الطوارئ أو فرض الأحكام العرفية التي يُؤطرها قانون ينص على إعلانها في حالة تمرد مسلح أو حرب تجري على جزء من التراب الوطني، ويُخول رئيس الدولة تفويض صلاحيات الإدارة المدنية والشرطة للجيش. لكنَّ منديس فرانس، وبعده إدغار فور، آثرا حالة الطوارئ التي دامت 7 أشهر.

انقلابات فاشلة في فرنسا

شهدت فرنسا بعد ذلك فرض حالة الطوارئ إثر انقلابين فاشلين وقعا عامي 1958 و1961، وكان دافعهما السعي لإبقاء الجزائر ضمنَ الدولة الفرنسية وعدم تصنيفها من أقاليم ما وراء البحار.

وكانت قطاعات هامة من النخبة العسكرية الفرنسية ترى في إخراج الجزائر من وصاية وزارة الداخلية، وإدراجها ضمن أقاليم ما وراء البحار تمهيدا لاستقلالها.

"تهديد كوبي" لأمريكا

وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يوم 30 يناير/كانون الثاني 2026 أمرا تنفيذيا يعلن حالة طوارئ وطنية بسبب ما وصفه بالتهديد الاستثنائي الذي تشكله الحكومة الكوبية، ويأذن بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول التي تزود كوبا بالنفط.

إعلان

واستند الأمر التنفيذي الذي وقعه ترمب إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية، ويستحضر قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية وقانون حالات الطوارئ الوطنية.

وقال ترمب إن تصرفات كوبا وتحالفاتها تمثل "تهديدا استثنائيا وغير عادي" للولايات المتحدة، واتهم الحكومة الكوبية بدعم قوى أجنبية معادية وجماعات مسلحة عابرة للحدود، من بينها روسيا والصين وإيران وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله.

ويزعم الأمر التنفيذي أن كوبا تستضيف قدرات استخبارية أجنبية متقدمة، بما في ذلك أكبر منشأة روسية لاستخبارات الإشارات خارج الأراضي الروسية، كما تواصل توسيع تعاونها الدفاعي والاستخباري مع الصين.

الطوارئ والاستبداد

يُثير إعلان حالة الطوارئ عادة المخاوف بشأن الحريات والديمقراطية نظرا للصلاحيات الاستثنائية التي يمنحها للشرطة وأجهزة الأمن، مع ما يُرافق ذالك من شدةٍ في القبضة الأمنية واحتمال وقوع تجاوزات. وفي ضوء ذلك، فإن بعض الحقوقيين يعتبرون أنَّ تطبيق حالة الطوارئ يجب أنْ يخضع لتقييم دقيق وتشاورٍ واسع.

بيد أن الحال مختلف في الدول غير الديمقراطية وخاصة البلدان المتخلفة، ففي بعض الأحيان تجد الأنظمة القمعية في حالة الطوارئ فسحة لتشديد القبضة الأمنية وتصفية الحسابات السياسية مع الخصوم.

وفي أحايين أخرى، تستندُ أنظمة استبدادية إلى حالة الطوارئ للتغطية على جرائمها في حق خصومها من خلال التسويق لمؤامرة كبرى تستهدف الدولة، وربما ربطتها بجهات أجنبية معادية.

وفي سوريا مثلا، فرضَ نظام حزب البعث حالة الطوارئ عند استيلائه على السلطة عام 1963 وظل يُمددها نحو أربعة عقود تحت ذرائع مختلفة، قبل أن يرفعها عام 2012 بفضل الثورة التي اندلعت ضده عام 2011.

وفي مصر، وجد حسني مبارك في فرض حالة الطوارئ، إثر اغتيال سلفه أنور السادات يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981، فرصة لإرساءِ دعائم نظامه وإدامته، فأبقى عليها طيلة فترة حكمه التي دامت 30 سنة. ولم تُرفع حالة الطوارئ إلاَّ ربيع 2012.

وفي الجزائر، لجأت السلطات لفرض حالة الطوارئ عام 1992، ليَتسنى لها إلغاء الانتخابات التشريعية التي أظهرت نتائجها فوزا واسعا للجبهة الإسلامية للإنقاذ. دخلت البلاد إثر ذلك في دوامة من العنف السياسي اشتعلت جذوتها لأكثر من عقدٍ من الزمان. ولم تُرفع حالة الطوارئ إلاَّ عام 2011.

المصدر: الجزيرة
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان