الجيش العربي السوري.. من حراسة نظام الحكم إلى حماية الوطن

تأسس الجيش العربي السوري رسميا سنة 1948 مع استقلال البلاد عن الانتداب الفرنسي، وخاض عددا من العمليات العسكرية المحلية والدولية، وتغيّرت بنيته ومهامه وعقيدته القتالية بناء على تغيّر السلطة الحاكمة في البلاد.
برز اسمه مع انطلاق الثورة السورية عام 2011 باعتباره حاميا لنظام الأسد، فوجّهت إليه اتهامات بقمع المدنيين وارتكاب جرائم وانتهاكات بحقهم، والتسبب بأزمة إنسانية راح ضحيتها الملايين بين قتل واعتقال وتغييب وتهجير.
وفي الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 تفكك الجيش مع سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، وأعلن عن حلّه رسميا في مؤتمر النصر يوم 29 من الشهر نفسه، وألغي التجنيد الإلزامي، وأطلقت دعوات شاملة لدمج جميع التشكيلات المسلحة غير الحكومية ضمن قيادة عسكرية وطنية موحدة، تكون هي الجيش السوري الجديد.
شنّ الجيش السوري الجديد فور تشكيله عدة عمليات عسكرية بارزة للتصدي لبعض محاولات الخروج على الدولة الوليدة، خصوصا من أتباع النظام السابق، فشنّ عمليات عسكرية بارزة في الساحل السوري والسويداء وشمال شرق البلاد، وسط تقارير عن ارتكاب عناصر فيه تجاوزات وانتهاكات.
في الوقت نفسه، سعت الحكومة السورية إلى توحيد جميع القوى العسكرية على الأراضي السورية، فتفاوضت مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لدمجها ضمن الجيش وتسليم مناطقها للسلطة المركزية، غير أن التصعيد استمر بين الطرفين مما دفع الجيش إلى إطلاق عملية عسكرية أفضت إلى إحكام السيطرة على غالبية المناطق في شمال شرق سوريا، قبل أن يتفق الطرفان على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية لقسد مع الحكومة السورية.
احتل الجيش السوري المرتبة 64 من بين جيوش 145 دولة، وفق مؤشر العسكرة العالمي حتى الأول من يناير/كانون الثاني 2025.
مرت العقيدة العسكرية للجيش السوري بتغيرات عديدة على مدى تاريخه، متأثرة بتغير أنظمة الحكم وتوجهاتها، ونص ميثاق "السلوك العسكري" الذي أعلنت عنه وزراة الدفاع منتصف 2025 على أن الجيش مؤسسة وطنية تمثل درع البلاد وركيزة استقرارها، مشددة على حماية المدنيين واحترام حقوق الإنسان.

القدرات العسكرية
تعدّ القوات البرية العمود الفقري للجيش السوري الجديد، ويضم قوامها مقاتلين سابقين في فصائل المعارضة المسلحة، إضافة إلى ضباط وعناصر كانوا قد انشقوا عن جيش نظام الأسد، وقد أنشأت وزارة الدفاع ما لا يقل عن 23 فرقة عسكرية ضمن عملية "إعادة تنظيم".
أما سلاح الجو والدفاع الجوي فقد كانا تعرضا لأضرار جسيمة عقب سقوط الأسد، نتيجة أكثر من 150 غارة جوية إسرائيلية استهدفت قواعده وأصوله، حتى اقتصرت قدراتهما على عدد محدود من الطائرات المقاتلة العاملة ومنظومات الدفاع الجوي القصيرة المدى، مع اعتماد متزايد على الطائرات المسيّرة في مهام الاستطلاع والضربات الدقيقة.
وأما القوات البحرية، فقد تراجع دورها بشكل ملحوظ بعد تدمير أصول رئيسية في مرافئ طرطوس واللاذقية، واقتصر نشاطها على تنفيذ دوريات ساحلية باستخدام زوارق صواريخ خفيفة.
وعلى صعيد التسليح، يعتمد الجيش على مزيج من العتاد السوفياتي القديم، مثل دبابات "تي 72" و"تي 26″، إلى جانب معدات أكثر حداثة.
ومنذ عام 2025، حصلت سوريا على مركبات مدرعة خفيفة من الأردن، وناقلات جند مدرعة وطائرات مسيّرة تركية الصنع، بالتوازي مع تدريب دفعات من الضباط السوريين في أكاديميات عسكرية دولية، بهدف رفع الكفاءة المهنية وبناء عقيدة تنظيمية حديثة.
كما مرّ قطاع الصناعات الدفاعية المحلية بمرحلة إعادة تأهيل، بعد تعرض المنشآت الحكومية السابقة -ولا سيما التابعة لمركز الدراسات والبحوث العلمية- لاستهدافات عديدة.
ويتركز النشاط الحالي في منطقة حلب، حيث تُبذل جهود لإعادة تشغيل منشآت إنتاج الأسلحة الخفيفة والذخائر وقطع الغيار، في إطار مسعى تدريجي لبناء حد أدنى من الاكتفاء الذاتي العسكري.
وقد اعتمدت وزارة الدفاع السورية نظام الفرق العسكرية التي وُزّعت بناء على اعتبارات الجغرافيا والأمن، بقوام تقديري يصل إلى نحو 12 ألف مقاتل لكل فرقة، في محاولة للانتقال من البنية الفصائلية إلى مؤسسة عسكرية نظامية.
ومن أبرز هذه الفرق:
- دمشق وريفها:
- الفرقة 90: تتمركز في العاصمة، وتلعب دور "الحرس الجمهوري" لحمايتها.
- الفرقة 70: في ريف دمشق وتضم مقاتلي جيش الإسلام وفيلق الرحمن.
- الفرقة 44: في الكسوة والزبداني.
- المنطقة الشمالية:
- حلب: تضمّ الفرق 60 و76 و80 و72.
- إدلب: تضم الفرقتين 64 و82.
- المنطقة الوسطى:
- حماة: الفرقة 62 التي حلت محل قوات النمر السابقة، والفرقتان 74 و54.
- حمص: الفرقة 52/103 على الحدود اللبنانية، والفرقة 42 في تدمر.
- المنطقة الساحلية:
- الفرقة 84: وهي فرقة خاصة لدمج المقاتلين الأجانب تحت إشراف مباشر من رئاسة الجمهورية، وتتمركز في جبال الساحل.
- الفرقة 50: في اللاذقية لملاحقة عناصر جيش النظام السابق، والفرقة 56 في طرطوس.
- المنطقة الشرقية والجنوبية:
- دير الزور: الفرقتان 66، و86.
- درعا: الفرقة 40.

جذور النشأة
تعود الجذور الأولى لتأسيس الجيش السوري إلى ما عُرف بـ"قوات الشرق الخاصة" التي أنشأتها سلطات الانتداب الفرنسي عام 1924، بوصفها قوة بديلة عن جيش وطني مستقل، ومهمتها الأساسية حفظ الأمن الداخلي، وقمع الانتفاضات، وحماية سلطة الانتداب.
اعتمدت الإدارة الفرنسية سياسة تجنيد موجّهة، ركّزت على أبناء الأقليات الدينية والعرقية والمناطق الريفية، في محاولة لخلق توازن قسري يمنع تشكّل قوة عسكرية متجانسة يمكن أن تتحول إلى تهديد مباشر للانتداب، ولا سيما من الأغلبية السنية في المدن الكبرى، كما استُخدمت الفوارق الطبقية والمناطقية أداة لتفكيك الحركات الوطنية وضربها من الداخل.
في الأول من أغسطس/آب 1945، أعلن الرئيس شكري القوتلي تأسيس الجيش السوري رسميا، اعتمادا على ما تبقى من قوات الشرق الخاصة، وذلك قبل جلاء القوات الفرنسية بنحو 8 أشهر. ومنذ اللحظة الأولى، واجهت الدولة السورية نقاشا سياسيا حساسا حول طبيعة الضباط الذين ورثتهم المؤسسة العسكرية الناشئة، بين:
ضباط وطنيين شاركوا في مقاومة الانتداب.ضباط مهنيين التزموا الحياد.وضباط خدموا سلطات الانتداب في قمع الاحتجاجات.
وكشفت إحصاءات فرنسية عام 1944 أن نسبة السنّة في الجيش لم تتجاوز 30.7%، مما أثار مخاوف لدى قطاعات من النخبة السياسية من هيمنة الأقليات على المؤسسة العسكرية، واحتمال تحوّل الجيش إلى فاعل سياسي مهدِّد للحكم المدني.
طُرحت آنذاك فكرة حلّ الجيش وإعادة بنائه على أسس مختلفة، إلا أن الرئيس القوتلي رفض هذا الخيار خشية تعميق الانقسام المجتمعي، وبدلا من ذلك أبقى على الجيش مع الحد من تسليحه وصلاحياته، مقابل تعزيز دور قوى الشرطة والدرك كقوة موازنة داخلية.
على صعيد الدعم الخارجي، فشلت سوريا في الحصول على مساعدة عسكرية أميركية عام 1945، واضطرت للاعتماد على خبرة بريطانية محدودة انتهت سريعا تحت وطأة الخلافات والاتهامات السياسية، مما ترك الجيش في سنواته الأولى معزولا وضعيف الإمكانات.
في مرحلة التأسيس، لم يمتلك الجيش السوري عقيدة قتالية واضحة للحروب النظامية، وانحصر الهدف المعلن منه في تحويل الولاء من سلطة الانتداب إلى الدولة المستقلة، دون أن يُترجم ذلك إلى رؤية عسكرية متكاملة.
وعند الاستقلال، بلغ قوام الجيش السوري نحو 12 ألفا و686 عنصرا، بينهم 586 ضابطا فقط، مع تسليح خفيف متواضع يعتمد على بقايا العتاد الفرنسي. ولم يكن الجيش مؤهلا لخوض عمليات هجومية أو دفاعية واسعة، وهو ما انعكس بوضوح أثناء مشاركته المحدودة والمتعثرة في حرب 1948.

مرحلة الانقلابات العسكرية (1949-1970)
شكّل انقلاب حسني الزعيم في مارس/آذار 1949 نقطة الانكسار الكبرى في تاريخ الدولة السورية، إذ فتح الباب أمام مرحلة أصبحت فيها المؤسسة العسكرية هي المسار الأسرع إلى السلطة.
وفي خمسينيات القرن العشرين، تعمّق تسييس الجيش بصورة متسارعة، وبرزت داخله تيارات أيديولوجية متنافسة، بعثية وناصرية وقومية وشيوعية، ترافقت مع تراجع متواصل لدور النخب المدنية، واتخذت الانقسامات أبعادا سياسية وطائفية ومناطقية، مما حوّل الجيش إلى ساحة صراع مفتوحة على السلطة.
بلغ هذا المسار ذروته مع انقلاب حزب البعث في 8 مارس/آذار 1963 الذي شكّل نقطة تحول حاسمة في تاريخ الجيش، فقد صعد إلى الواجهة ضباط صغار السن والرتبة، جرى اختيارهم على أساس الولاء الحزبي لا الكفاءة المهنية، ومعظمهم من الطائفة العلوية.
في هذا السياق، تغيّر اسم المؤسسة العسكرية رسميا إلى "الجيش والقوات المسلحة"، مع إخضاع مختلف الوحدات الأمنية وشبه العسكرية لقيادة مركزية واحدة، في خطوة عززت عسكرة الدولة وتغوّل المؤسسة العسكرية على المجالين السياسي والأمني.
بالتوازي مع ذلك، سُرّح المئات من الضباط (ومعظمهم من السنة) في فترة وجيزة، مما أفقد الجيش نخبة خبرته التقليدية. فقبيل حرب يونيو/حزيران 1967، أقيل نحو 700 ضابط محترف واستبدلوا بآخرين، وهو ما انعكس مباشرة على أدائه العسكري وهزيمته السريعة، وفق المؤرخ حنا بطاطو.
وفي هذه المرحلة، توسّع نفوذ ما بات يُعرف بـ"الكتلة العلوية" داخل الجيش، دون أن يتمكن رئيس الدولة أمين الحافظ من ضبطها، إلى أن أطاح به انقلاب داخلي قاده صلاح جديد في فبراير/شباط 1966.
إلى جانب ذلك، ابتكر حزب البعث نموذج "الميليشيا الرديفة" عبر تأسيس الحرس القومي، بوصفه ذراعا مسلحة حزبية خارج الضبط العسكري النظامي، استُخدمت في قمع الاحتجاجات والخصوم السياسيين، مما كرس ازدواجية القوة المسلحة بين جيش رسمي ومليشيات موالية للسلطة.
انتهت مرحلة الانقلابات المفتوحة مع انقلاب حافظ الأسد عام 1970 الذي حسم الصراع لصالحه داخل الجيش والحزب معا، وجرى تفكيك شبكة صلاح جديد، وإعادة ترتيب القيادة العسكرية على أساس ولاء شخصي صارم، مع الإبقاء على واجهة سنّية في بعض المناصب العليا، مقابل احتكار الضباط العلويين للمواقع العسكرية والأمنية الحساسة.
وفي مرحلة حكم البعث، شهد الجيش توسعا عدديا وبنيويا ملحوظا، إذ ارتفع قوامه العددي إلى نحو 64 ألف عنصر، وتحوّل إلى نظام الفرق العسكرية، مع إنشاء تشكيلات رديفة ومليشيات عقائدية، مثل الحرس القومي وقوات الصاعقة، كما جرى تأسيس وحدات خاصة فيه.

مرحلة آل الأسد (1970-2011)
مثّل انقلاب حافظ الأسد عام 1970 لحظة انتقال نوعية في تاريخ الجيش السوري، فعلى يديه جرت إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية بوصفها العمود الفقري لسلطة نظام الحكم، لا مجرد فاعل سياسي أو أمني.
ووفق تقرير للمجلس الأطلسي (2020)، فقد أعيدت هندسة الجيش منذ السبعينيات ليؤدي وظيفة مركزية هي حماية النظام ومنع الانقلابات، عبر تضخيم حجمه وتعدد مراكز السيطرة داخله، وتعزيز الهيمنة الطائفية عليه لضمان ولائه المطلق.
وبدلا من إقصاء الجيش عن السياسة، جرى إدماجه مؤسسيا في بنية الحكم، ليصبح أداة حاكمة لا ذراعا تنفيذية فقط. وأسّس الأسد الأب وحدات موازية ذات طابع عائلي أمني، مثل سرايا الدفاع والحرس الجمهوري، لتكون خط الدفاع الأخير عن حكمه.
واعتمد سياسة توسيع كمّي ممنهج، إذ ارتفع حجم الجيش بنحو 162% في العقد الأول من حكمه، بالتوازي مع إنشاء سلاسل قيادة متداخلة، وتوزيع الصلاحيات بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يمنع تركز القوة في يد جهة واحدة.
كما طُبقت سياسة "توازن الولاءات" داخل المؤسسة، بما يخلق تنافسا داخليا دائما يصب في مصلحة بقاء النظام الحاكم.
ولعب العامل الطائفي دورا حاسما في هذا النموذج، عبر تعزيز غير متناسب لوجود أبناء الطائفة العلوية -طائفة الأسد- في المناصب الحساسة داخل الجيش والأجهزة الأمنية، مما وفّر قاعدة ولاء صلبة، لكنه أضعف الطابع الوطني الجامع للمؤسسة العسكرية وعمّق الانقسامات المجتمعية.
وشهد الجيش السوري في عهد حافظ الأسد تضخما غير مسبوق عدديا وبنيويا، إذ ارتفع عديده من نحو 194 ألف عنصر عام 1973 إلى قرابة 400 ألف عنصر في منتصف الثمانينيات. وأُعيد تنظيمه هيكليا من نظام الألوية إلى الفرق ثم الفيالق، ليصل عدد الفرق إلى نحو 16 فرقة.
وأُنشئت تشكيلات نخبوية موازية ذات تسليح وامتيازات أعلى، أبرزها سرايا الدفاع التي قادت قمع أحداث حماة عام 1982، قبل حلها عقب صراعه مع أخيه رفعت الأسد، واستبدالها بالحرس الجمهوري والفرقة الرابعة.
وفي عهد الأسد، اعتمد الجيش في تسليحه بشكل شبه كامل على المصدر الروسي (السوفياتي)، مع توسع كبير بعد حرب 1973، مما عزز قدراته القتالية خصوصا من حيث الكم.
وكان من أبرز الحروب التي خاضها الجيش في تلك المرحلة والعمليات التي نفذها: حرب الاستنزاف، وحرب 1973 ضد إسرائيل، فضلا عن مشاركته في الحرب الأهلية اللبنانية، وارتكابه مجازر في عملية بمدينة حماة عام 1982.

الثورة السورية (2011–2024)
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، شهد الجيش السوري تحولا جذريا في بنيته ووظيفته. فقد تآكلت مركزية القرار وتفككت المؤسسة العسكرية إلى شبكة من وحدات ومليشيات شبه نظامية، مدعومة بجهات داخلية وخارجية، أبرزها روسيا وإيران، مما أدى إلى تعدد الولاءات وظهور قنوات موازية لصنع القرار العسكري.
واستمر الرئيس بشار الأسد على نهج والده، محوّلا الجيش إلى أداة قمع داخلي قائمة على أسس ولاء طائفي، تتحالف مع مليشيات وقوى أجنبية لقمع التحركات الشعبية المعارضة للنظام، مما حول الجيش إلى كيانات غير مركزية تعتمد على الولاءات الفرعية.
وفي الأشهر السبعة الأولى من الثورة، شهد الجيش انشقاقات واسعة منه احتجاجا على قتل المدنيين وتعذيبهم، وكانت هذه الانشقاقات نواة نشوء الجيش السوري الحر الذي بدأ مواجهة الجيش النظامي والأجهزة الأمنية والشبيحة، إلى جانب فصائل مسلحة نشأت في سياق الثورة على النظام.
تراجع الدور الفاعل للجيش النظامي في التحكم بالأحداث الأمنية والسياسية الداخلية، لذلك اعتمد نظام الأسد بشكل متزايد على المليشيات الرديفة التي لعبت أدوارا أمنية وعسكرية كبيرة، مما عمّق حالة التفكك وعدم الانسجام داخل القطاع الأمني.
ومع ذلك، عزز التدخل الروسي والإيراني قدرات النظام القتالية، لكن ذلك جاء على حساب احتكار الدولة للقرار العسكري، إذ أصبحت التعيينات والعمليات والاستراتيجيات العسكرية خاضعة لتأثير خارجي مباشر.
وبرزت في هذه المرحلة مراكز قوة فوق الدولة، أبرزها الفرقة الرابعة بقيادة ماهر شقيق الرئيس بشار الأسد، والتي تحولت إلى جيش داخل الجيش وإمبراطورية أمنية واقتصادية، إلى جانب قوات النمر المدعومة من روسيا، والحرس الجمهوري المكلف بحماية النظام مباشرة.
وعام 2015، تدخلت روسيا لإعادة هيكلة الجيش جزئيا، من خلال إنشاء فيالق جديدة، أبرزها الفيلق الخامس تحت إشراف روسي مباشر، مع إدخال تحديثات محدودة على التسليح، دون تغيير جوهري في اعتماد الجيش على العتاد القديم.
وبحلول عام 2024، وصل الجيش إلى حالة تهالك شبه كامل، مع تدهور حاد في سلاحي الجو والبحر، واعتماد متزايد على الدعم الخارجي، مما أدى إلى تحول المؤسسة العسكرية إلى كيان مفكك قائم على ولاءات متنافسة ورعاية خارجية، وفقدان القدرة على العمل كجيش موحد.
سوريا الجديدة
في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 ومع دخول قوات المعارضة متمثلة بعملية ردع العدوان دمشق، تفكك الجيش وفرّ مقاتلوه عشوائيا مع الأخبار الأولى عن فرار الرئيس المخلوع بشار الأسد وسقوط نظامه.
وفي مؤتمر النصر السوري الذي عقد يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 2024 وجرى فيه تنصيب أحمد الشرع رئيسا مؤقتا للبلاد وضمّ قادة 18 فصيلا عسكريا؛ صدر قرار بحل الجيش والأجهزة الأمنية وبناء جيش جديد وتشكيل مؤسسة أمنية جديدة على أسس وطنية، كما صدر أيضا قرار بحلّ جميع الفصائل العسكرية والأجسام الثورية والسياسية والمدنية، ودمجها في مؤسسات الدولة.
وبناء على ذلك، بدأ تشكيل الجيش السوري الجديد من اندماج فصائل ثورية مسلحة، وتولى مرهف أبو قصرة مسؤولية وزارة الدفاع، ورقي إلى رتبة لواء.
مع بدايات تشكيله الجديد، شنّ الجيش السوري عدة عمليات عسكرية بارزة للتصدي لبعض محاولات الخروج على الدولة الوليدة، خصوصا من أتباع النظام السابق، فشنّ عمليات عسكرية بارزة في الساحل السوري والسويداء وشمال شرق البلاد، وسط تقارير عن ارتكاب عناصر فيه تجاوزات وانتهاكات.
في الوقت نفسه، تواصلت مساعي الحكومة السورية إلى توحيد جميع القوى العسكرية على الأراضي السورية، فتفاوضت مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لدمجها ضمن الجيش وتسليم مناطقها للسلطة المركزية، غير أن التصعيد استمر بين الطرفين مما دفع الجيش إلى إطلاق عملية عسكرية أفضت إلى إحكام السيطرة على غالبية المناطق في شمال شرق سوريا، قبل أن يتفق الطرفان على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية لقسد مع الحكومة السورية.
احتل الجيش السوري المرتبة 64 من بين جيوش 145 دولة، وفق مؤشر العسكرة العالمي حتى الأول من يناير/كانون الثاني 2025.