رمضان.. مدرسة النفوس وموسم الرحمات

شهر مقدس لدى المسلمين، وهو التاسع في التقويم الهجري. فرض صيامه في السنة الثانية للهجرة، ففيه يمتنع المسلمون عن الطعام والشراب من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، التزاما بعبادة تعد من أركان الإسلام الخمسة.
ويتميز رمضان بخصوصية روحية وعبادية تتجلى في فضائله المتعددة، وفي مقدمتها ليلة القدر التي يعدّ العمل الصالح فيها خيرا من عمل ألف شهر، كما أن له خصوصية اجتماعية، فقد توارثت الشعوب المسلمة -على اختلافها- عادات وتقاليد مرتبطة بالشهر الكريم، فهي تحييها في كل موسم رمضاني.
وتشدد تعاليم الإسلام على أن الصيام يجب أن يطال أيضا سلوك المسلم، فيتجنب سيئ الأخلاق من كذب ونميمة وسباب وغيرها، ويلتزم أحسنها من برًّ وكرم وحسن جوار وغيرها، حتى يكون رمضان فرصة لتهذيب الخلق وترويض النفس، كما هو فرصة للزهد والشعور بالفقراء وحاجاتهم، والتوادّ والتراحم بين أبناء المجتمع الواحد.

أصل التسمية
اشتق اسم "رمضان" في اللغة العربية من الجذر "ر م ض" الذي يدلّ على الحَرّ. فالرَّمَض هو حرّ الحجارة التي سخنت من شدة الشمس، والأرض الرّمْضَة هي الحارة الحجارة، ولذلك تسمى الصحراء: رمضاء. وقيل إن الشهر المبارك سمّي برمضان، لأنهم لما نقلوا الشهور سمّوها بالأزمنة التي توافقها، ووافق رمضان أياما شديدة الحرارة.
وقيل إن رمضان مأخوذ من رمض الصائم إذا شعر بحرّ في جوفه من شدّة العطش.
فرض الصوم
عرف العرب الصوم قبل الإسلام، فقد كانت قريش تصوم في الجاهلية يوم عاشوراء، وقد صامه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه، وذلك قبل أن يفرض صيام رمضان.
أما رمضان، فلم يفرض على المسلمين صيامه إلا في السنة الثانية من الهجرة (624 للميلاد)، أي بعد أكثر من 14 عاما من نزول الوحي. وقد وقعت غزوة بدر في أول رمضان صاموه، وقد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وفاته تسعة رمضانات.
فضائل رمضان
يؤمن المسلمون بأن لشهر رمضان فضائل لا توجد في غيره من الشهور، فقد وردت في فضل صيامه أحاديث نبوية صحيحة عدة، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
وهو شهر العتق من النار، ففي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: "إذا كانت أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومرَدَة الجن، وغلّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفتّحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة".
كما أنه شهر الدعاء، فقد جاءت آية الدعاء في سورة البقرة عقب آيات الصيام: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان".
وتعد ليلة القدر أبرز ما يميز شهر رمضان، فهي الليلة التي أنزل فيها القرآن الكريم، وقد وصفها الله تعالى بأنها خير من ألف شهر، في قوله: "إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر". وروي عن الرسول أن من حُرِم فضل هذه الليلة فقد حُرم الخير كله، في إشارة إلى مكانتها الاستثنائية في الوعي الديني الإسلامي.
وهو شهر الجود والإحسان، إذ جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان.

رمضان في التاريخ الإسلامي
وقد شهد شهر رمضان على امتداد التاريخ الإسلامي العديد من الأحداث الكبيرة والمحطات الفارقة، لعل من أبرزها:
- غزوة بدر الكبرى (17 رمضان 2 هـ / 624 م):
أول انتصار عسكري للمسلمين، وقد أسفرت عن مقتل 70 من قريش وأسر 70 آخرين، مقابل استشهاد 14 من المسلمين، وشكّلت نقطة تحول في مسار دعوة الإسلام.
- فتح مكة (20 رمضان 8 هـ / 630 م):
دخل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا، منهيا الصراع مع قريش ومؤسسا لمرحلة جديدة من انتشار الإسلام.
- معركة البويب (11 رمضان 13 هـ / 634 م):
مواجهة بين المسلمين والفرس في العراق، انتهت بانتصار المسلمين ومهّدت لمزيد من الفتوحات في بلاد فارس.
- معركة وادي لكة (28 رمضان 92 هـ / 711 م):
وفيها انتصر المسلمون بقيادة طارق بن زياد على القوط الغربيين، مما مهّد الطريق أمام فتح الأندلس.

- فتح الأندلس (92 هـ / 711 م):
بداية الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية بعد عبور الجيش الإسلامي إلى أوروبا بقيادة طارق بن زياد.
- فتح عمورية (6 رمضان 223 هـ / 838 م):
فقد فتح الخليفة العباسي المعتصم بالله المدينة، في حملة عسكرية بارزة ضد الإمبراطورية البيزنطية.
- معركة الزلاقة (9 رمضان 479 هـ / 1086 م):
اندلعت في رمضان وانتصر فيها المسلمون بقيادة يوسف بن تاشفين على ملك قشتالة، وأوقفت تقدم الممالك المسيحية في الأندلس.
- معركة عين جالوت (25 رمضان 658 هـ /1260 م):
هزم المماليك بقيادة سيف الدين قطز المغول في معركة مفصلية أوقفت زحفهم نحو مصر والشام.
- فتح أنطاكية (4 رمضان 666 هـ /1268 م):
أسقط السلطان الظاهر بيبرس الإمارة الصليبية في شمال الشام، موجّها ضربة قوية للوجود الصليبي، وهي من أبرز انتصارات المماليك في الشام.
- فتح بلغراد (25 رمضان 927 هـ /1521 م):
سيطر السلطان سليمان القانوني على المدينة، معززا التوسع العثماني في أوروبا الوسطى.
- معركة العبور (10 رمضان 1393 هـ /1973 م):
تمكن الجيشان المصري والسوري في حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول من عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف في حرب أكتوبر.
