رجال يربّون أبناءهم وحدهم.. كيف يصمد "الأب الحاضن"؟

حفظ

Father combing and braiding daughter's hair as part of bedtime routine. Single dad taking care of his daughter's hairstyle.
الآباء الذين يربون وحدهم ليسوا استثناء غريبا (شترستوك)

في مجتمعات اعتادت أن ترى الأب "معيلا" أكثر منه "مربيا" يظهر رجال وجدوا أنفسهم فجأة في قلب تفاصيل لم يُهيؤوا لها ثقافيا، من تحضير الإفطار وتسريح شعر ابنة في طريقها إلى المدرسة إلى متابعة الواجبات وتهدئة الخوف ليلا والإجابة عن سؤال الأطفال المؤلم "أين أمي؟".

هؤلاء ليسوا حالة نادرة كما نتصور، إنهم أرامل ومطلّقون أو آباء غابت أم أولادهم عن حياتهم بسبب هجرة أو مرض أو سجن أو اضطرار للعمل بعيدا. فجأة يتحول الرجل إلى الوالد الذي يعيش دور الأب والأم معا -في صمت غالبا- وتحت ضغط اجتماعي مضاعف بينما تبقى تجربته خارج دائرة الضوء.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

"الآباء المنفردون"

تشير أبحاث علم الاجتماع الأسري إلى تزايد الأسر ذات العائل الواحد عالميا منذ تسعينيات القرن الماضي، مع ارتفاع -وإن كان أبطأ- في نسبة الأسر التي يكون فيها الأب هو الحاضن الأساسي.

دراسة منشورة عام 2022 في المجلة الدولية لأبحاث البيئة والصحة العامة استكشفت رفاهية الآباء والأمهات المنفردين ودعمهم الاجتماعي، وأشارت إلى أن عدد الآباء الذين يربون أبناءهم وحدهم "في تزايد".

وتقول الدراسة إن تجاربهم كثيرا ما تهمش في النقاشات العامة والسياسات مقارنة بالأمهات المنفردات، في ظل افتراض ثقافي راسخ يربط الحضانة والرعاية اليومية بـ"مسؤولية أنثوية"، بينما يتوقع من الأب أن يكون "الممول" لا "المربي".

من هم الآباء الذين يربون وحدهم؟

تصنف الأبحاث الميدانية حالات الأبوة المنفردة إلى أنماط رئيسية بسيطة:

  • آباء أرامل: فقدوا الزوجة فجأة واضطروا لتحمل الصدمة النفسية مع الاستمرار في الحياة اليومية للأطفال.
  • آباء مطلّقون: حصلوا على الحضانة الكاملة قانونا أو يمارسون حضانة فعلية بحكم الواقع.
  • آباء في غياب قسري للأم: بسبب هجرة طويلة أو نزوح أو عمل خارج البلد أو مرض جسدي أو نفسي أو سجن يمنع حضورها اليومي.

تظهر دراسات نوعية منشورة في مجلات متخصصة بقضايا الأسرة أن القاسم المشترك بين هؤلاء الآباء هو الانتقال القسري إلى أدوار لم يدربوا عليها اجتماعيا، وأنهم يتعلمون "أبوة جديدة" وهم في منتصف الطريق.

Father holding hands with his two kids during fall walk.
عدد الآباء الذين يربون أبناءهم وحدهم "في تزايد" بحسب الدراسات (شترستوك)

داخل البيت.. معركة الأدوار اليومية

في مقابلة ميدانية يقول أحد الآباء "لم أكن أعرف مقاس حذاء ابنتي ولا اسم طبيبتها. الآن أعرف جدولها المدرسي ومخاوفها وما تحب أن تأكله حين تحزن".

إعلان

الانخراط اليومي ليس تفصيلا ثانويا، فأبحاث مايكل لامب وتشارلي لويس المنشورة في مجلة علم النفس الأسري (Journal of Family Psychology) تشير إلى أن مشاركة الأب في الرعاية اليومية -مثل الإطعام وتنظيم النوم والمتابعة الصحية واللعب- تعزز التعلق الآمن بينه وبين الطفل وتزيد شعوره بالكفاءة الأبوية وتحد من السلوكيات العدوانية لدى الأبناء.

لكن هذا الانخراط يأتي بثمن واضح من ضغط دائم في الوقت بين العمل والبيت وإرهاق جسدي ونفسي مستمر وشعور مزمن بالتقصير لأن الرجل يحاول أن يكون "اثنين في واحد".

دراسة نشرت عام 2018 في مجلة "حواء" (Hawwa) بعنوان "دور الآباء العرب وأثرهم"، وجدت أنهم يحققون درجات مرتفعة في دور "الموفر الجيد" للأسرة، لكن انخراطهم في المتابعة اليومية لتعليم الأطفال وحياتهم العاطفية يظل متواضعا نسبيا، وأن الأطفال الذين يحظون بأب أكثر حضورا في تفاصيل حياتهم يتمتعون بتقدير ذات أعلى، وهو ما يضع الآباء العرب الذين يربون وحدهم في موقع خاص لأنهم يضطرون لكسر هذا النمط التقليدي كل يوم داخل البيت وخارجه.

وحتى قبل أن يصبح الأب "منفردا" تظهر دراسات على آباء عرب في فترة الحمل أن كثيرا منهم مستعدون عاطفيا للمشاركة في رعاية الزوجة والجنين، لكن منظومة الرعاية الصحية في كثير من الدول العربية لا تزال تركز على الأم وحدها ولا تشجع حضور الأب أو إشراكه بشكل منظم، وهو ما يعني أن الرجل يدخل الأبوة محجوبا عن جزء من تجربته ثم يُطلب منه لاحقا أن يتحمل وحده عند الأزمات.

"أين الأم؟".. السؤال الذي لا يهدأ

لا يواجه الآباء المنفردون أعباء البيت فقط، بل نظرة المجتمع كذلك:

  • شفقة زائدة تضعهم في خانة "الحالة الإنسانية".
  • تشكيك في قدرتهم على تربية البنات خصوصا.
  • ضغط متكرر للزواج "من أجل الأطفال" وكأن وجود امرأة في البيت هو الحل لكل شيء.
A family symbol showing a father, mother, and child, with a mysterious hand pulling the father away, powerfully illustrates the concept of divorce or a family left without a leader due to separation
لا يواجه الآباء المنفردون أعباء البيت فقط بل نظرة المجتمع كذلك (شترستوك)

تظهر أبحاث سوسيولوجية في دراسات النوع الاجتماعي (الجندر)، أن الآباء المنفردين كثيرا ما يواجهون بنوع خاص من الوصم لأنهم يكسرون صورة "الرجولة التقليدية" التي تفصل بين الرعاية والذكورة، كثير منهم يواجهون تعليقات من قبيل "كيف تطبخ وتغسل؟ هذه ليست أعمال رجل" أو "بنتك تحتاج أما لا أبا فقط" وهو ما يفاقم شعورهم بالضغط والعزلة.

في السياق العربي، تتضاعف هذه النظرة لأن صورة "الأب الذي يعرف تفاصيل البيت" تفهم أحيانا علامة ضعف أو "أنوثة زائدة" لا جزءا من مسؤولية مشتركة، بينما يتحول الزواج الثاني إلى "وصفة جاهزة" تُقدم للأب الحاضن حتى لو كان الرجل والأطفال يحتاجون أولا إلى زمن للحِداد وإعادة البناء لا إلى إعادة ترتيب أوراق الهوية العائلية بسرعة.

صحة الأب النفسية

تظهر أبحاث في مجال الطب النفسي والصحة العامة أن معدلات القلق والاكتئاب أعلى لدى الوالدين المنفردين مقارنة بالأسر ذات الوالدين المتشاركين حتى بعد احتساب العوامل الاقتصادية، وأن توفر شبكة دعم اجتماعي -من العائلة والأصدقاء وسياسات عمل مرِنة- يقلل هذه المخاطر بشكل ملموس.

مع ذلك، كثير من الرجال لا يطلبون مساعدة نفسية رغم هذا الضغط، فقد أظهرت دراسات عن مدى لجوء الرجال إلى خدمات الصحة النفسية أن الخوف من الوصم والصورة النمطية عن "الرجل القوي الذي يحتمل كل شيء" تجعل الأب المنفرد يتحمل العبء بصمت مضاعف لا يراه أحد إلا حين ينهار، وهو نمط موثق أيضا في أبحاث عربية عن الرجال في المنطقة، إذ يرتبط طلب المساعدة بمشاعر "عار وضعف" لا باعتباره سلوكا مسؤولا لحماية الأسرة.

إعلان

في حالة الرجل العربي المغترب تتضاعف الحكاية تعقيدا، فالأب الذي يعيش مع أطفاله في بلد عمل جديد، حيث شبكة الأقارب محدودة أو غائبة، يجد نفسه وحيدا في مواجهة اللغة والمدرسة والنظام الصحي ونظرة المجتمع الغريب.

ومع ضعف شبكة الدعم الاجتماعي وطول ساعات العمل ونقص الخدمات النفسية الملائمة ثقافيا يبدو الأب الذي يربي وحده هناك أكثر عرضة للإرهاق والصمت حتى وهو يُقدم في الخطاب العام "رب أسرة ناجح" لا والدا منهكا يحتاج إلى إسناد.

Single caucasian father write homework and study with his daughters
كثير من الرجال لا يطلبون مساعدة نفسية رغم الضغط الذي يعيشونه (شترستوك)

الأطفال.. هل يخسرون أم يكتسبون؟

دراسات منشورة في مجلة علم نفس الطفل والطب النفسي (JCPP) تشير إلى أن العامل الحاسم في نمو الطفل ليس غياب الأم أو الأب في حد ذاته، بل ثلاثة عناصر أساسية:

  • مستوى الصراع الأسري قبل الانفصال وبعده.
  • الاستقرار الاقتصادي النسبي.
  • جودة العلاقة مع الوالد الحاضن سواء كان أبا أو أما.

في أسر مستقرة يقودها أب منخرط عاطفيا وحاضر في تفاصيل الحياة اليومية ينمو الأطفال نموا سليما وأحيانا يطورون قربا عاطفيا استثنائيا من الأب، وهو ما كان نادرا في الثقافة التقليدية التي أبقت العلاقة مع الأب رسمية أو صارمة.

حين يعيد الرجال تعريف الأبوة

ترى أبحاث الجندر أن الآباء الذين يربون وحدهم ليسوا استثناء غريبا، بل هم في طليعة تحول عالمي في معنى الأبوة.

تلخيص تحليلي نوعي منشور في مجلة "فاميلي بروسيس" (Family Process) عام 2022، يوضح أن كثيرا من هؤلاء الآباء وصفوا الأبوة المنفردة بأنها منحتهم "إحساسا جديدا بالمعنى"، وأنهم تعرفوا إلى جانب إنساني في أنفسهم لم تتح لهم فرصة اكتشافه من قبل رغم التعب والضغط والشعور بالوحدة.

هؤلاء الرجال يدمجون عمليا بين "الرجولة" و"الرعاية" فهم يغيرون الحفاضات ويطبخون ويحتضنون دموع أبنائهم المراهقين دون أن يروا ذلك تهديدا لرجولتهم، بل يعتبرونه جزءا منها.

هذا المسار الذي تدفع فيه الأبوة المنفردة الرجال إلى إعادة تعريف أنفسهم لا يختلف كثيرا عما ترصده دراسات ميدانية عن الآباء العرب، فالبحث المنشور في مجلة "حواء" أظهر أن كل خطوة يخطوها الأب العربي خارج دور "المعيل فقط" نحو مشاركة حقيقية في حياة أطفاله تنعكس مباشرة على ثقتهم بأنفسهم وصورتهم عنه حتى لو ظل المجتمع أبطأ من أن يواكب هذه القفزة في معنى الأبوة.

Comfort, consoling and crying son with father on sofa in living room of home for empathy or support. Emotions, love and sad boy child with single parent man in apartment for trust or understanding
هؤلاء الرجال يدمجون عمليا بين "الرجولة" و"الرعاية" (شترستوك)

ماذا يحتاج هؤلاء الرجال فعلا؟

لا يطلب الآباء الذين يربون وحدهم "شفقة"، بل اعترافا ودعما عمليا:

  • خطاب اجتماعي أقل قسوة: التوقف عن افتراض أن الطفل "ناقص" تلقائيا بلا أم، والاعتراف بأن الأب يستطيع -مع دعم مناسب- أن يكون حاضنا فعالا وعطوفا دون إنكار لأهمية الأم.
  • دعم نفسي دون وصم: تقديم خدمات استشارة أسرية وصحة نفسية تستهدف الرجال صراحة وتشجعهم على طلب المساعدة مبكرا، مع حساسية ثقافية للرجال العرب والمسلمين.
  • سياسات عمل مرنة في حالات الترمل أو الحضانة الكاملة: وذلك حتى لا يضطر الأب للاختيار يوميا بين لقمة العيش وحضور زيارة الطبيب أو اجتماع المدرسة.
  • إشراك الأب في منظومة الرعاية من البداية: من متابعة الحمل حتى المدرسة، بدل استمرار السياسات الصحية والتعليمية التي ترى الأم "المدخل الوحيد" للطفل.

هؤلاء الرجال لا يدعون أنهم عوضوا الأم ولا يلغون ألم غيابها لكنهم -في ظروف قاسية- اختاروا الحضور بدل الانسحاب وتعلموا أن الأبوة ليست دورا ثانويا يخصص له الوقت الباقي بعد العمل، بل هي علاقة تبنى كل يوم بالقلق والتعب والحب.

ربما لا يغيرون النظرة إلى الأبوة في يوم واحد، لكن كل وجبة يعدونها وكل واجب منزلي يجلسون عليه وكل يد صغيرة يمسكون بها في طريق المدرسة تكتب سطرا جديدا في قصة الرجل وهو يعيد تعريف نفسه "أبا كاملا لا نصف والد".

إعلان
المصدر: الجزيرة
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان