"الأخلاق" قرار أم هرمونات.. ما الذي يفعله التستوستيرون في سلوكك؟

يرتبط هرمون التستوستيرون في المخيلة العامة بصورة "الرجولة" المرتبطة بالقوة والسلوك الحاد، وغالبا ما يستدعى لتفسير الاندفاع في تصرفات الرجال خصوصا. لكن أبحاثا حديثة تقدم صورة أكثر تعقيدا لدوره، إذ تشير إلى أنه لا يحدد طبيعة السلوك بقدر ما يؤثر في آليات اتخاذ القرار والسلوك الاجتماعي، تبعا للسياق الذي يتحرك فيه الفرد.
في هذا الإطار، تفيد دراسات منشورة في دوريات علمية مرموقة، من بينها "نيتشر ساينتيفيك ريبورتس" (Nature Scientific Reports)، بأن تأثير التستوستيرون يتجاوز الربط التقليدي بالسلوك الحاد، ليمتد إلى توجيه قرارات الأفراد بما يحافظ على مكانتهم داخل محيطهم الاجتماعي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsوتظهر هذه النتائج أن تأثير الهرمون ليس ثابتا، بل يتغير وفق طبيعة الموقف، ففي البيئات التنافسية قد يعزز سلوكا أكثر اندفاعا أو حسما، بينما في السياقات التي ترتبط بالسمعة والانطباع الاجتماعي قد يدفع نحو سلوك أكثر انضباطا.
لماذا قد يجعلك أكثر صدقا؟
في تجربة لافتة نشرت في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم (Proceedings of the National Academy of Sciences)، خضع نحو 90 رجلا لاختبار مخبري بعد إعطائهم جرعة من التستوستيرون أو مادة وهمية، دون علمهم بطبيعتها.

طلب من المشاركين الإبلاغ عن نتائج لعبة تعتمد على رمي النرد بشكل فردي، بما يتيح لهم الكذب لتحقيق مكاسب مالية دون إمكانية كشفهم. وأظهرت النتائج أن الرجال الذين تلقوا التستوستيرون كانوا أقل ميلا للكذب مقارنة بغيرهم.
لا يعني ذلك أن الهرمون "يحسن الأخلاق" بالمعنى المباشر، بل يشير الباحثون إلى أن الأمر قد يرتبط بفكرة المكانة الاجتماعية، إذ قد يكون الحرص على الحفاظ على صورة الشخص النزيه -في بعض السياقات- أكثر قيمة من تحقيق مكسب سريع، حتى لو لم يكن هناك رقيب ظاهر.
تأثير الهرمون يتغير عند المنافسة
حين تصبح المنافسة العامل الأبرز في توجيه السلوك، يتغير تأثير هرمون التستوستيرون تبعا للسياق الاجتماعي. فقد اختبر باحثون من جامعات يابانية وأوروبية سلوك لاعبين داخل فريق يتمتع بتسلسل هرمي واضح، عبر مواقف يطلب فيها تقسيم مبالغ مالية بين المشاركين بشكل عادل أو غير عادل، بهدف فهم كيفية تأثير التستوستيرون والمكانة الاجتماعية في قراراتهم.
وأظهرت النتائج أن ارتفاع مستويات التستوستيرون لم يؤد إلى نمط واحد من السلوك لدى الجميع، بل ارتبط تأثيره بالموقع داخل المجموعة، إذ أبدى اللاعبون ذوو المكانة الأعلى ميلا أكبر إلى الحسم وفرض وجهة نظرهم في القرارات، في حين لم يظهر هذا النمط بالوضوح نفسه لدى أصحاب المكانة الأدنى.

وأشارت الدراسة إلى أن المشاركين لا يتصرفون وفق معيار أخلاقي ثابت، بل يميلون أحيانا إلى التشدد وأحيانا إلى التعاون، تبعا لما يعزز موقعهم أو صورتهم أمام الآخرين.
ويعني ذلك أن السلوك "الأخلاقي" لا يمكن اختزاله في صفة ثابتة للفرد، بل هو نتيجة تفاعل بين ثلاثة عناصر رئيسية:
- السياق الاجتماعي.
- موقع الفرد داخل المجموعة.
- العوامل البيولوجية مثل الهرمونات.
وفي السياق ذاته، تشير مراجعات في علم الأعصاب السلوكي إلى أن التستوستيرون قد يعزز الميل نحو الحسم والمجازفة عندما يرتبط السلوك بالسعي إلى التفوق أو الفوز، مما يدل على أن القرارات في مثل هذه الحالات لا تحددها القيم الفردية وحدها، بل تتداخل معها ديناميات المكانة والرغبة في الحفاظ على الأفضلية داخل المجموعة.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
يؤثر التستوستيرون في مناطق دماغية مرتبطة بالمكافأة واتخاذ القرار، من بينها القشرة الجبهية واللوزة الدماغية، وهي مناطق تشارك في تقييم المخاطر والاستجابة للمواقف الاجتماعية.

ولا يغير الهرمون طريقة التفكير جذريا بقدر ما يعيد ترتيب الأولويات، إذ يزيد من حساسية الدماغ لفكرة الفوز والخسارة، ويعزز سرعة اتخاذ القرار، ويقلل من التردد في المواقف الاجتماعية. وقد يفسر هذا أحيانا على أنه "ثقة بالنفس"، لكنه في جوهره إعادة توجيه للانتباه نحو ما يعتبره الدماغ أكثر أهمية في تلك اللحظة.
ولا تبقى هذه التأثيرات حبيسة المختبر، بل تنعكس في تفاصيل الحياة اليومية، ففي بيئة العمل قد تؤثر في أسلوب التفاوض واتخاذ القرار، وفي النقاشات قد تحدد سرعة الرد أو حدته، وفي العلاقات قد تنعكس على طريقة التعبير عن الحزم أو الصدق.
وفي جميع هذه الحالات، لا يكون السلوك انعكاسا مباشرا "للأخلاق" بمعزل عن غيرها، بقدر ما هو نتيجة تفاعل معقد بين الضغط والسياق الاجتماعي والعوامل البيولوجية.