لوبس تحكي قصة فخ فرنسي وقع فيه وكلاء من تنظيم الدولة

عام 2016، وقع جهاديون كانوا يبحثون عن أسلحة في فخ نصبته لهم أجهزة مكافحة الإرهاب الفرنسية، عندما تسلل أحد عملاء المديرية العامة للأمن الداخلي إلكترونيا إلى الجماعة التي ينتمون إليها، في عملية يرجح أنها جنبت فرنسا عملية شبيهة بهجمات "شارلي إبدو" في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015.
وتروي مجلة لوبس (L’Obs) الفرنسية تفاصيل هذا التحقيق المذهل، بمناسبة محاكمة مجموعة تنظيم الدولة الإسلامية المزعومة التي تبدأ اليوم الاثنين فاتح فبراير/شباط في باريس، وبالتالي سيتحدث المتسلل "يوليس" من وراء زجاج معتم يخفي صورته، ولكن بصوت غير مشوه، ليخبر محكمة الجنايات الخاصة التي تحاكم 3 يشتبه بهم بتفاصيل العملية.
حصان طروادة
وفي تقرير لماتيو دلاهوس، قالت المجلة إن كل شيء بدأ ربيع 2016، بعد أشهر قليلة من هجمات "شارل إيبدو" وما تلاها، حيث كانت أجهزة المخابرات الفرنسية قلقة من "عملية جديدة" يقوم بها عناصر من تنظيم الدولة في البلاد.
في تلك الفترة لعب شباب فرنسيون شمال سوريا دورا مهما في تجنيد العملاء لتنظيم الدولة، وساهموا في نشر الدعاية لها على الشبكات الاجتماعية وخدمات الرسائل المشفرة، ونجحوا في تشجيع المقاتلين وأحيانا العائلات على الانضمام إليهم.
ومن بين هؤلاء الشباب -كما تروي المجلة- نيل شويل الذي ظهر وجهه في مقطع فيديو وهو يقطع رأس اثنين من السجناء بصحبة شخص آخر، حيث صور الرجلان نفسيهما وهما يلوحان برؤوس دامية ويهددان رئيس الجمهورية الفرنسية قائلين "هذا سيحدث قريبا لمواطنيكم في شوارع باريس".
وقد شارك شويل في رسالة إلى مجموعة خاصة بمنصة تليغرام المشفرة وغير المعروفة وقتها جيدا بالنسبة لعامة الناس، يقول فيها بنشوة "خبر سار. يوجد فريق في باريس مكون من 6 أشقاء في شقة هناك" وهم يبحثون حسب قوله عن أسلحة لتنفيذ عمل ما.
وبسبب بلاغ من مصدر مجهول، أخذت أجهزة المخابرات التهديد على محمل الجد، فقررت المديرية العامة للأمن الداخلي والنيابة العامة لمكافحة الإرهاب في باريس الانضمام إلى منصة تليغرام، استنادا لقانون يسمح لهم بالتورط في التسلل السيبراني في مجال الإرهاب.
الطعم يعمل
أدخلت الأجهزة شخصا باسم يوليس المشهد في مارس/آذار 2016 -حسب المجلة- وبنى لنفسه قصة يعرف منها أنه مهرب يتاجر في منطقة باريس، ولديه الكثير من العناوين، ويمكنه العثور على أسلحة بتكتم، وبسرعة عمل الطعم، فوصله شويل بشخص يدعى "الصفاف".
وراء هذا اللقب -تقول المجلة- يوجد صلاح الدين غرمات، وهو فتى توصيل بيتزا سابق، غادر فرنسا عام 2014 للجهاد في سوريا، وصعد نجمه في تنظيم الدولة وارتقى بسرعة في الرتب، وقد طلب من يوليس 4 بنادق من نوع كلاشنيكوف معها 4 مخازن وذخيرة، واتفقا بعد مفاوضات سريعة على السعر (12 ألف يورو) ولكن كيفية تسليم المال والأسلحة لم يتم تحديدها في ذلك الوقت.
كان غرمات يبحث عن طريقة لإرسال المبلغ دون ترك أي أثر، وكتب إلى يوليس "أنت تعرف جيدا عدد السنوات التي ستقضيها في السجن إذا وصلوا إلى المسار الصحيح". وقال له نهاية الرسالة إنه من الممكن إيداع النقود في الجزائر أو النرويج، واختفي عدة أسابيع، قبل أن يستأنف الاتصال فجأة محذرا يولي في رسالة تقول "السلام عليكم أًخَي العبوة موجودة في مقبرة مونبارناس. خذ شارع إميل ريتشارد، خذ المدخل الأول للمقبرة بعد البوابة الخضراء. واصل السير مباشرة لمسافة 100 متر. اسلك طريقا ترابيا صغيرا على يسار اللافتة الخضراء التقسيم 28. القسم الثالث. ستجد القبر باسم (متوفى) الحزمة بين شاهد القبر والشق".
صباح اليوم التالي، دخل بين شواهد القبور عنصر من خدمة المساعدة الفنية المشتركة بين الوزارات، يتابعه نظام مراقبة أقامته الشرطة من بعيد، وأخذ الطرد ووجد بداخله 13 ألفا و300 يورو نقدا، وأظهر غرمات في الرسائل رضاه، متفائلا بأن "لا يعلم الكفار من أين جاءت النقود".
مخبأة في مونتمورنسي
ومنذ ذلك الوقت، بدأت الشرطة تدرس إستراتيجية لإحضار بنادق الكلاشنيكوف الأربع، وهي نماذج منزوعة السلاح عديمة الفائدة، إلا أن تسليمها في منطقة باريس يبدو خطيرا للغاية، لذلك تم اختيار دفن الأسلحة في مكان بالقرب من قرية مونتمورنسي، تحت رقابة الكاميرات ورجال مختبئين في شاحنات صغيرة، وأرسل يوليس إلى غرمات يقول "مونتمورنسي 95، لا يوجد رقم. نهاية الشارع يوجد موقف للسيارات، حاجز أخضر. شجرة عليها علامة 246 على اليمين ممر صغير ينزل".
ولمزيد من التفاصيل أرسل له إحداثيات المكان، مشيرا أن عليه فصل هاتفه الخلوي قبل الذهاب، وبدا أن الإستراتيجية تعمل، حيث تم دفع ثمن الأسلحة، ويعلم المحققون أن الجماعات الإرهابية تريد السلاح، ولديهم حدس بأن "النشطاء" سيأتون ويجمعون الطرود، ولكن متى؟
أحد أيام السبت من أكتوبر/تشرين الأول، مر رجل يرتدي بدلة رياضية لفريق مرسيليا بجوار المخبأ وجثم على الأرض للحظة ولكنه غادر على الفور، وبدأ الضيق والقلق يسريان بين المراقبين، إلا أن فريق التحقيق والقادة رأوا أن اللعبة تستحق كل هذا العناء، من أجل تجنب "13 نوفمبر جديد". غير أن مخبأ مونتمورنسي بقي في النهاية فخا لا يعمل.
مفتاح مشفر
أثناء الانتظار الذي لا ينتهي في غابة مونتمورنسي، ساهم تحقيق آخر في التقدم وهو استهداف اثنين من سكان ستراسبورغ "بصيرية ومكران" اللذين أمضيا 10 أيام معا بالعراق وسوريا قبل العودة إلى فرنسا، ويُشتبه في أنهما خططا لهجوم، ولم تتحقق الشبهات إلا بعد أن تحقق اتصال بين هواتفهما مع أرقام "معروفة لدى الأجهزة الأمنية".
وقد وجدت لدى أحد المشتبه فيهم أسلحة معها نص "ولاء" ومفتاح "يو إس بي" مشفر، داخله عدة رسائل من ضمنها واحدة تقول "مونتمورنسي 95، لا يوجد رقم.." وهي الدليل الذي أرسله يوليس لغرمات ومعها إحداثيات المخبأ، وهي مرسلة من قبل "أبو علي" الذي أشارت كل الاحتمالات إلى أنه عمر دياو، وهو جهادي فرنسي جند الرجلين.
لم تنته القضية بعد القبض على بصيرية ومكران، بل إن تحقيقا آخرا في مرسيليا كشف للمحققين أن هاتف هشام الحنفي يحدد وجهة قريبة هي باريس وتراب ومونتمورنسي، وظهرت في الهاتف مقاطع فيديو للمشتبه فيه عند المخبأ بنفس التاريخ والوقت والبدلة الرياضية، ولكنه غادر خالي الوفاض، وقبض عليه بعد 5 أيام من ذلك في مرسيليا.
الرعب
واليوم -تقول المجلة- لم يعد لدى القضاة ونيابة مكافحة الإرهاب "أي شك في الهدف من العملية التي تمثلت في ارتكاب مجزرة في مكان أو أكثر من الأماكن الرمزية في باريس".
وكان من المقرر أن تكون (ضد) المديرية العامة للأمن أو الشرطة القضائية أو المحكمة، وأيا كان المستهدف، فالنتيجة "هجوم آلي بالسلاح من شأنه أن يسفر عن خسائر كبيرة ويكون له تأثير كبير على الرأي العام".
واختتمت لوبس حكايتها بالقول إن العناصر الثلاثة سيُحاكمون اليوم دون حضور من كانوا يوجهونهم، حيث قتل غرمات مع بعض قادته في هجوم بطائرة بدون طيار بالرقة عام 2016، وعاد يوليس إلى عمله.