اضطر لتناول معجون الأسنان خلال إضرابه عن الطعام.. أقدم طفل أسير تحرر وروى محطات ألمه وأمله للجزيرة نت

القدس المحتلة- "ضاعت طفولتي في زنازين مطحنة الأعمار"، بهذه الكلمات وصف الأسير المقدسي المحرر أحمد الشويكي طفولته في السجون الإسرائيلية التي قضى خلف قضبانها 20 عاما، عاش خلالها محطات ألم قاسية حرص على أرشفتها في ذاكرته.
في منزله بحي الثوري في بلدة سلوان، الجزيرة نت زار الأسير المحرر ليسرد له ما يعنيه أن يدخل الإنسان طفلا إلى السجن ويخرج منه شابا بعد 20 عاما.
لم يكن من السهل الحديث عن تفاصيل يوم الاعتقال خاصة أن رفيق دربه استشهد أمامه، وعن ذلك اليوم قال الشويكي إنه نفذ مع 5 قاصرين آخرين عملية إطلاق نار، قُتل على إثرها مستوطن وجُرح اثنان آخران.
وأضاف "الطائرات المروحية وعشرات العناصر من القوات الخاصة طوقوا المنطقة بعد 6 دقائق من تنفيذ العملية.. استشهد رفيق دربي سامر، وأصبت أنا بأربع رصاصات بيدي اليمنى، وفي الجيب العسكري كنتُ أعتقد ببراءة الطفولة أن سامرا على قيد الحياة لأن عينيه مفتوحتان، وكنت أسأله ماذا علينا أن نقول في التحقيق؟ وبعد سنوات أدركت أن ليس كل الأموات تكون أعينهم مغلقة عند الموت".

كان أحمد يبلغ من العمر 14 عاما عندما اعتُقل عام 2002، وقال إنه خاض أقسى تجربة في حياته داخل الزنزانة الانفرادية بمركز تحقيق المسكوبية التي نقل إليها بعد خضوعه لعمليات جراحية في يده اليمنى لاستخراج الرصاصات وتجبيرها بسبب إصابته بثلاثة كسور.
وقال "قضيت 18 يوما دون السماح لي بالاستحمام. كانت رائحتي بشعة بسبب الدم والأدوية منذ إصابتي. شتموني وعذبوني وهددوني، وأنا أُهدئ من روعي بالتفكير أن السجن لن يطول أكثر من 6 أشهر.. كنتُ أعتقد أن هذا أطول حكم للأسرى".
ذاكرة مثقلة بالألم
مرّت السنوات الأولى قاسية على أحمد في سجن "هشارون" للقاصرين، ومن القصص التي لم تمح من ذاكرته تفاصيل أول إضراب عن الطعام خاضه بينما كان عمره 14.5 عاما.
عن تلك التجربة قال "كنتُ أعتقد أن الإنسان يموت بعد 3 أيام من الإضراب، ودعوتُ ربي في اليوم الرابع أن أموت وأنا نائم من شدة الخوف، وبالفعل لم نعد قادرين على الحركة أنا واثنين من القاصرين معي في الزنزانة، واضطررت في اليوم الرابع لتناول معجون الأسنان، والطفل الآخر تناول نصف ليمونة متعفنة كانت على نافذة زنزانتنا".
خاض أحمد تجارب أقسى من قدرة طفل على تحملها، لكنه تحدث عنها بروح مفعمة بالأمل والقوة، وتمكن خلال عقدين سلبت فيهما حريته خلف القضبان من الحصول على شهادة الثانوية العامة ودراسة تخصص التاريخ، وذلك بالانتساب لجامعة القدس المفتوحة التي سيلتحق بمقاعدها في الفصل الأخير بعد تحرره الآن.

وعن الأسرى داخل السجون، قال إنهم جميعا يعيشون على أمل التحرر بصفقة تبادل للأسرى، وإن آخر شهر عاشه بينهم كان الأصعب عليه من الناحية النفسية، لشعوره أن تحرره وبقائهم خلفه بمثابة "الخيانة"، كما وصفها.
وقال "تمنيت لو أن المخابرات استدعتني للتحقيق وعزلتني في زنزانة انفرادية في الشهر الأخير، كي لا أضطر لوداع أشخاص عشت معهم أكثر مما عشتُ مع أفراد أسرتي".
وبالرجوع 6 أشهر إلى الخلف للحديث مع أحمد عن صدى عملية "نفق الحرية" داخل السجون، قال إن الفرحة بتحرر الأسرى الستة كانت عارمة، لأن لا أحد يشعر بقيمة هذه الحرية سوى من سُلبت منه بالقوة.
وإلى جانب الشعور بالفرح كان الخوف يقض مضاجع كافة الأسرى، من إمكانية إلحاق الأذى بالأسرى الفارين عند إعادة اعتقالهم.
وقال "عند سماعنا خبر إعادة الاعتقال عمّت حالة من الإحباط على كافة الأقسام بسجن النقب حيث كنت أقبع.. أذكر أنني لم أتحدث مع أحد 3 أيام متتالية، ولم أمارس الرياضة ولم أستمع لنشرات الأخبار".
تحرر أحمد لكن حكايا السجون ستبقى تتردد على لسانه، كيف لا وهو ما زال يشعر أنه مقيد حتى الآن، وهذا ما لاحظته والدته هالة الشويكي.
غادرتُ السجن ولم يغادرني
تقول أمه "قبل يومين استحم أحمد وارتدى ملابسه وجلس على الأريكة ولم يخرج، وبعد مرور نحو نصف ساعة سألته عن السبب، فقال: أنتظر أن يُفتح لي الباب.. وبعد لحظات تذكر وقال أنا حرّ، لماذا أنتظر أن يفتح لي السجان الباب؟".
ليس هذا فحسب، بل نام أحمد في أولى الليالي بعد تحرره وهو ينتظر أن يوقظه صوت السجّان صباحا من أجل "العدد"، وقال "خلدتُ للنوم وقلت عندما أستيقظ للعدد سأحدث شقيقتي عن شيء مهم، وفي الثالثة فجرا استيقظت وتذكرت أن السجان لن يأتي صباحا. كيف سأستيقظ؟ للأسف كان السجانون هم المنبه الوحيد لي على مدى 20 عاما".

رئيس لجنة أهالي الأسرى المقدسيين أمجد أبو عصب، كتب أن أحمد يعتبر أقدم طفل في العالم يقضي هذا العدد من السنوات خلف القضبان، وعن ذلك تساءل أحمد "كيف يمكن لقاض يدّعي أنه يحكم بالعدل أن يصدر حكما بالسجن الفعلي لمدة 20 عاما على طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره؟".
غادرنا منزل عائلة الشويكي على وقع حوار دار بين أحمد ووالدته التي تتمنى أن تزوجه ليستقر وترى أبناءه، بينما يبتسم أحمد ويقول لها "ما زال الوقت مبكرا، أريد أن أركب الدراجة الهوائية وأتعلم اللعب مع الأطفال بألعابهم الإلكترونية.. لم أعش طفولتي، أريد أن أعيشها الآن يا أمي".