إستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 تفشل في تحقيق أهداف الخارجية الأمريكية

ترامب انتقد عدم تخفيض سعر الفائدة رغم النمو الاقتصادي
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

عقب صدور إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025 في ديسمبر/كانون الأول، جاء إصدار إستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 هذا الشهر ليشكل تباينا مرحبا به من حيث النبرة.

فقد كانت إستراتيجية الأمن القومي (NSS) مشبعة بلغة جدلية ومقلقة، بدت أقرب إلى سجل شكاوى منها إلى إستراتيجية متماسكة وموحِدة لأمن الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية. أما إستراتيجية الدفاع الوطني (NDS)، فتبدو- بالمقارنة- محاولة أكثر عقلانية لربط الإستراتيجية بالأهداف المعلنة للسياسة الخارجية.

غير أن التمعن عن قرب يكشف أن الإعلانات العامة الواسعة التي تتضمنها الإستراتيجية تترك الكثير مما هو مطلوب، عندما يتعلق الأمر بربط الخطاب بالفعل، وربط كليهما بالأهداف المحددة للسياسة الخارجية.

إن استعداد إدارة ترمب لاستخدام القوة أو التهديد بها في عدة مناطق حول العالم في الوقت ذاته يبعث برسالة واضحة إلى خصوم أمريكا وحلفائها على حد سواء: من السهل جر الولايات المتحدة إلى صراعات زائدة عن الحاجة

تحدد إستراتيجية الدفاع الوطني أربع قضايا رئيسية يتعين على وزارة الحرب- بمسماها الجديد- معالجتها:

  • الدفاع عن الأراضي الأمريكية.
  • ردع الصين.
  • زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء والشركاء.
  • وتسريع وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية.

للوهلة الأولى، تبدو هذه الأهداف معقولة، بل وجديرة بالإشادة، لكنها لا توجد في فراغ، لا من حيث الخطاب ولا من حيث الفعل. فالإحباط واضح في مختلف أجزاء الوثيقة، ولا سيما في الإشارة إلى أن حلفاء الولايات المتحدة ببساطة لم يساهموا بما يكفي في الدفاع عن أنفسهم أو في الدفاع الجماعي عن تحالفات مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وتبدو الفكرة المحورية جلية: على حلفاء أمريكا أن يفعلوا الكثير، ولكن إلى أن يحدث ذلك، ستفعل الولايات المتحدة ما تشاء لتأمين مصالحها المباشرة، وعلى العالم أن يأخذ علما بذلك.

إعلان

وفي إطار إستراتيجية تهدف إلى تشجيع زيادة الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء، تشير الوثيقة مرارا إلى أن الولايات المتحدة ستعمل على "تحفيز وتمكين" حلفائها لتحقيق ذلك.

غير أن هذه الحوافز لم تكن واضحة في خطاب البيت الأبيض. بل يبدو أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تماما، إذ إن إدارة ترمب تدعم بشكل روتيني فرض الرسوم الجمركية؛ بهدف استمالة وإكراه أصدقاء أمريكا.

ولنأخذ على سبيل المثال الجدل الأخير حول غرينلاند، حيث أشار الرئيس ترمب إلى أن الولايات المتحدة ستحصل عليها "بطريقة أو بأخرى".

ومن المفارقات أن ترمب هدد بفرض عقوبات على حلفاء أمريكيين أرسلوا قوات عسكرية لتعزيز دفاعات غرينلاند، وهي خطوة تقوض بالكامل الرغبة المعلنة في "تحفيز وتمكين" مساهمات دفاعية أكبر. ولحسن الحظ، يبدو أن ترمب تراجع- في الوقت الراهن- عن مطالبه الإقليمية.

ومع إصرار إستراتيجية الدفاع الوطني على أن حلفاء أمريكا يجب أن يبذلوا المزيد، من اللافت أنها تصف إسرائيل بأنها "حليف نموذجي للولايات المتحدة"، رغم أن إسرائيل احتاجت إلى مساعدات عسكرية أمريكية مباشرة وكبيرة في عدة مناسبات خلال عام 2025. وقد يكون المقصود بـ"تمكين" الحلفاء هنا هو ببساطة توفير الدعم الخطابي والمادي اللازم لهم لمتابعة أهدافهم العسكرية الخاصة دون قيود أو تدخل.

كما تستعرض الإستراتيجية التهديدات التي تمثلها إيران، وكوريا الشمالية، وروسيا، والصين، وتعيد التأكيد على فكرة إستراتيجية "أمريكا أولا" الواردة في إستراتيجية الأمن القومي، والتي تقضي بضرورة "التقييم والفرز وتحديد الأولويات".

وتشير، على وجه الخصوص، إلى أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ ستشكل قريبا نصف الاقتصاد العالمي، وتوضح أن هيمنة الصين على هذه المنطقة قد تمثل "حق نقض" فعليا لوصول الولايات المتحدة إلى "مركز الثقل الاقتصادي" العالمي.

ولمواجهة هذا التهديد، تؤكد الإستراتيجية الحاجة إلى تعزيز "الردع عبر المنع" من خلال الحلفاء في سلسلة الجزر الأولى. لكنها لا تشرح فعليا كيف ستعمل الولايات المتحدة على زيادة التماسك والكفاءة بين هؤلاء الحلفاء لتعزيز مفاهيم الدفاع الذاتي الجماعي، خاصة في ظل غياب اتفاق جماعي شبيه بالناتو.

ومع ذلك، فإن هذا الأمر يتطلب أن تمتلك الدول الواقعة على طول هذه السلسلة- ولا سيما اليابان والفلبين وتايوان- ما يكفي من الإرادة والموارد العسكرية لردع أي توغل صيني محتمل.

وبينما تركز إستراتيجية الدفاع الوطني على فكرة أن الولايات المتحدة ستولي اهتماما أكبر بنفسها بينما يتحمل الحلفاء عبء الدفاع عن أنفسهم، فإن الإجراءات المتخذة خلال العام الماضي تُظهر رغبة شبه متعمدة في الانخراط في تشتيتات اختيارية، بدلا من التركيز على التهديدات العسكرية الجوهرية للبلاد أو لتحالفاتها.

فعلى سبيل المثال، كانت المواجهة حول غرينلاند غير ضرورية تماما، إذ إن الولايات المتحدة كانت تمتلك بالفعل معاهدة تمنحها حق الوصول العسكري إلى الجزيرة، كما أن التهديدات قوضت الأساس الذي يقوم عليه حلف الناتو نفسه. وكذلك قرار ضرب المنشآت النووية الإيرانية كان خيارا غير حتمي، لكنه جاء بلا شك بتشجيع من الهجوم الإسرائيلي الجزئي وغير المكتمل على إيران. كما كان السعي لإزاحة نيكولاس مادورو عن السلطة في فنزويلا خيارا إضافيا غير إلزامي.

إعلان

إن استعداد إدارة ترمب لاستخدام القوة أو التهديد بها في عدة مناطق حول العالم في الوقت ذاته يبعث برسالة واضحة إلى خصوم أمريكا وحلفائها على حد سواء: من السهل جر الولايات المتحدة إلى صراعات زائدة عن الحاجة.

وبينما يُفترض أن تهدف هذه السياسة إلى الردع، فإن هذا الحماس لاستخدام القوة العسكرية قد يوفر في الواقع فرصة لإلهاء الجيش الأمريكي واستنزافه وتشتيت قدرته على الاستجابة لأزمة كبرى. وهذا بدوره يبرز الحاجة الملحة لأن يكون الحلفاء قادرين على الدفاع عن أنفسهم، لأن الولايات المتحدة قد تكون ببساطة مشغولة أكثر من أن تقدم المساعدة. ولا شك أن الصين تراقب ذلك عن كثب.

تواجه الولايات المتحدة عددا كبيرا من التحديات حول العالم، وتعبر قيادتها عن رغبة واضحة في التعامل مع هذه التحديات دون تردد أو مراعاة دقيقة للفوارق. وتعمل إدارة ترمب انطلاقا من فرضية مفادها: أن القوة والحسم يشكلان معا حجر الزاوية في نجاح السياسة الخارجية.

ووفق هذا المنطق، قد يؤدي غياب التحفظ إلى إظهار نوع القيادة القوية والفعل الحاسم اللازمين لمعالجة تلك التحديات. غير أن تبني عقلية "القوة تصنع الحق" دون فهم عميق لتعقيدات تلك التحديات من المرجح أن يقود إلى كارثة طويلة الأمد.

وربما هنا تكمن دلالة إستراتيجية الدفاع الوطني كرسالة تحذير لبقية دول العالم: ما لم تكن لديك الموارد التي تمكنك من الإسهام المباشر في مصالح الولايات المتحدة، أو القدرة على إلحاق الضرر بها، فإن رأيك واحتياجاتك لا أهمية لهما. فإذا أردت أن يكون لك صوت، فعليك أن ترتب شؤونك وتبادر، لأنك إن لم تكن قادرا على معالجة قضية دولية معالجة ذات معنى، فقد تتولى أمريكا الأمر بنفسها، وقد لا يعجبك الناتج.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان