الصين تغزو أوروبا في عقر دارها.. كيف تستعد القارة العجوز للدفاع؟

حفظ

ST AUSTELL, ENGLAND - NOVEMBER 11: Cornish Lithium personnel at work in the new Lithium Hydroxide Demonstration Plant on November 11, 2024 in St Austell, Cornwall, England. The Cornish Lithium plant opening marks a significant milestone in the UK's transition to clean power by 2030. The Trelavour Hard Rock Project is just one element of Cornwall's critical mineral potential. Cornish Lithium is also pioneering lithium extraction from geothermal waters that run deep beneath the county's surface, with the potential by-product of carbon-free heat energy. (Photo by Hugh Hastings/Getty Images)
تتخلى أوروبا جزئيا عن إيمانها بالتجارة الحرة وتتبنى سياسات أكثر حمائية (غيتي)

في الوقت الذي يتوافد فيه القادة الغربيون إلى الصين فيما يشبه موسم "حج سياسي" إلى بكين، تشتعل مواجهة مكتومة بين أوروبا والتنين الصيني عنوانها الرئيسي هو الاقتصاد. فالخلاف الذي بدأ ذات يوم كأرقام جافة في دفاتر الميزان التجاري المختل، أو حرب مناوشات بالرسوم الجمركية، قد خلع قناعه البيروقراطي ليميط اللثام عن صراع وجودي أعمق.

إنها معركة صياغة "جينات" الاقتصاد العالمي خلال الأعوام القادمة. في كواليس هذا الصراع، يدرك الجميع حقيقة واحدة قاسية: من يضع يده اليوم على سلاسل الإمداد، ويتحكم في شيفرات التكنولوجيا الفائقة، لن يقود الأسواق فحسب، بل سينحت تضاريس النظام الدولي الجديد، ويملك القدرة على تطويع مفاهيم الأمن والسيادة الوطنية للدول بحسب مشيئته.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وفي قلب هذا المشهد، تولد مواجهة شرسة عنوانها مشروع "صنع في أوروبا"، الذي تبلور بوضوح في قانون الصناعة صافي الانبعاثات الصفرية (Net-Zero Industry Act) -والمعروف مجازا بقانون تسريع الصناعة الأوروبي. هذا القانون ليس مجرد حبر على ورق تنظيمي يدير تدفق أموال الدعم العام داخل القارة العجوز، بل هو محاولة صاخبة للاستقلال، ونقطة تحول درامية أعلنت فيها أوروبا توبتها عن أحلام "الانفتاح الصناعي الساذجة".

فبعد عقود من الاسترخاء والاعتماد الأعمى على الماكينة التصنيعية الصينية العملاقة -والتي احتكرت بذكاء مفاصل الطاقة النظيفة، وبطاريات الليثيوم، والمعادن النادرة، والسيارات الكهربائية- تلتفت أوروبا اليوم لتجد نفسها مكبلة بالقيود. اليوم، تبدأ القارة العجوز رحلة شاقة لإعادة التموضع الإستراتيجي، محاولة فك سلاسل التبعية الاقتصادية للتنين، في سباق مع الزمن لاستعادة كبريائها الصناعي قبل فوات الأوان.

التراجع الأوروبي أمام التوسع الصيني

شهدت أوروبا خلال العقدين الماضيين تراجعا تدريجيا في قدرتها الصناعية، خصوصا أمام التوسع الصيني السريع في قطاعات التكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية. وقد ذكرت وكالة الطاقة الدولية في تقرير "سلاسل الإمداد العالمية لبطاريات السيارات الكهربائية"، الصادر في يوليو/تموز 2022، أن الصين تسيطر على 75% من القدرة العالمية لإنتاج بطاريات "أيونات الليثيوم"، كما تهيمن على أجزاء واسعة من سلاسل تكرير المعادن الحرجة اللازمة للصناعات النظيفة. وبطاريات أيونات الليثيوم ليست مجرد تقنية، بل تستخدم في صناعة الهواتف والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة والمسيرات، بل وتمثل العمود الفقري للاقتصاد الأخضر.

إعلان

تكمن المشكلة بالنسبة لأوروبا في اعتمادها الواسع على الصين لإنتاج هذه البطاريات، سواء في تكرير الليثيوم أو في معالجة الكوبالت والغرافيت. وتشير دراسات إلى أن هيمنة الصين بلغت نحو 90% من إنتاج الكاثودات والأنودات عالميا. وقد أشار التقرير المذكور آنفا إلى أن شركات صينية مثل "كاتل" (CATL) و"بي واي دي" (BYD) من اللاعبين المهيمنين عالميا في هذا القطاع. وأمام هذا التفوق واجهت شركات أوروبية كبرى صعوبات متزايدة في منافسة المنتجات الصينية الأرخص ثمنا المدعومة حكوميا.

"الصين تسيطر على 75% من القدرة العالمية لإنتاج بطاريات الليثيوم، كما تهيمن على أجزاء واسعة من سلاسل تكرير المعادن الحرجة اللازمة للصناعات النظيفة"

وقد اشتكت شركات أوروبية عديدة، خصوصا في ألمانيا وفرنسا، من أن المنافسة مع الشركات الصينية أصبحت غير "متكافئة"، بسبب خضوع الشركات الأوروبية لقوانين بيئية وعمالية وتمويلية أكثر صرامة، في حين تستفيد الشركات الصينية من دعم حكومي واسع النطاق. ولعل مثال البطاريات أبسط وأوضح مثال على التفوق الصيني، الذي لا تزال مجاراته بعيدة المنال في أوروبا.

حاول الاتحاد الأوروبي الانتقال من موقع السوق المفتوحة المستهلكة، إلى موقع القوة الصناعية القادرة على حماية قطاعاتها الحيوية، لكنه أدرك أن الهيمنة الصينية لم تأتِ نتيجة التفوق التقني وحده، بل نتيجة نموذج اقتصادي قائم على دعم الدولة، وتوفير التمويل منخفض الكلفة، والسيطرة على المواد الخام، وتقديم حوافز ضخمة للمصنعين المحليين.

إستراتيجية أوسع

في مواجهة ذلك، طرحت دول الاتحاد الأوروبي مشروع "صنع في أوروبا"، ليكون جزءا من إستراتيجية أوسع لإعادة توطين الصناعة داخل القارة الأوروبية. ولا يهدف المشروع إلى دعم الإنتاج المحلي فقط، بل يسعى إلى ربط التمويل العام الأوروبي بنسبة معينة من المكونات المصنعة داخل الاتحاد الأوروبي، وإجبار الشركات الأجنبية الراغبة في الاستفادة من الدعم الأوروبي على نقل جزء من التكنولوجيا والخبرة الصناعية إلى داخل الاتحاد.

وهنا تكمن حساسية الموقف بالنسبة للصين، إذ تنظر بكين إلى هذه السياسات باعتبارها استهدافا مباشرا لنموذجها الصناعي وشركاتها التي أصبحت لاعبا رئيسيا في السوق الأوروبية، خصوصا في قطاع صناعة السيارات الكهربائية. وفي الصورة الأكبر، ترى بكين أن الاتحاد الأوروبي يتحرك تدريجيا نحو تبني نسخة أوروبية من السياسات الصناعية الأمريكية، التي ظهرت بوضوح مع قانون خفض التضخم الأمريكي الذي أقرته إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عام 2022. فقد خصصت إدارة بايدن نحو 369 مليار دولار لدعم الصناعات الخضراء والطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والبطاريات داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

مشرعون تتوسطهم رئيسة مجلس النواب الأمريكي آنذاك نانسي بيلوسي بعد توقيعها على قانون خفض التضخم في 12 أغسطس/آب 2022  (الفرنسية)

قُدِّم هذا القانون رسميا على أنه أداة لمكافحة التضخم وتسريع التحول المناخي، إلا أنه يعكس عمليا العودة وبقوة إلى سياسات الصناعة الحمائية، وربط الاقتصاد بالأمن القومي عبر منح الأفضلية للإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الصين في سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والمعادن الإستراتيجية. واعتمد هذا القانون بشكل كبير على الإعفاءات الضريبية والدعم الحكومي والحوافز الصناعية، والأهم أنه ربط الدعم بشروط المكونات المحلية.

إعلان

أثار قانون خفض التضخم الأمريكي قلقا أوروبيا واسعا في حينه، إذ رأت فيه بروكسل محاولة أمريكية لجذب الاستثمارات الصناعية إلى الداخل الأمريكي على حساب الصناعة الأوروبية. وحذرت المفوضية الأوروبية من أن هذا الدعم قد يؤدي إلى هروب الاستثمارات الصناعية من أوروبا، وزيادة الفجوة الصناعية مع الولايات المتحدة والصين، وإضعاف القدرة التنافسية الأوروبية. وقد ذهب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى واشنطن في ديسمبر/كانون الأول 2022 إلى وصف بعض جوانب هذا القانون بأنها "عدائية للغاية".

قانون خفض التضخم الأمريكي أثار قلقا أوروبيا واسعا في حينه (الفرنسية)

تسييس الاقتصاد الأوروبي

كانت أوروبا تاريخيا من أكبر المدافعين عن التجارة الحرة، إلا أنها تحولت مؤخرا نحو أدوات الحماية الصناعية ذاتها. وقد ارتبط هذا التحول بإدراك متزايد بأن الاعتماد المفرط على الصين لم يعد مسألة اقتصادية فحسب، بل بات يمثل مخاطرة جيوسياسية وأمنية. ولذا أطلقت أوروبا في هذا السياق مشاريع عدة، أبرزها "صنع في أوروبا"، وقانون الصناعة صافي الانبعاثات الصفرية، وقانون تسريع الصناعات، التي هدفت إلى توطين الصناعات الحيوية داخل القارة.

تعكس هذه القوانين عودة قوية إلى سيطرة الدولة والسياسات الصناعية المركزية بعد عقود من الاعتماد على العولمة والأسواق المفتوحة. ويعد هذا التحول جزءا من ظاهرة مركزية أوسع هي ذوبان الحدود بين الاقتصاد والأمن القومي، إذ لم يعد بالإمكان الفصل بين القرارات الصناعية والاعتبارات الإستراتيجية، وهو ما يعكس انتقالا من "اقتصاد السوق" إلى ما يمكن تسميته "اقتصاد القوة". وقد أشار خطاب وزيرة الخزانة الأمريكية السابقة جانيت يلين إلى أن "الأمن الاقتصادي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي"، وهي عبارة تختصر التحول الأمريكي، إذ لم تعد الدولة تنظم السوق فقط، بل تستخدمه أداة لإعادة توزيع النفوذ.

"تشهد هذه الحقبة ذوبانا للحدود بين الاقتصاد والأمن القومي، إذ لم يعد بالإمكان الفصل بين القرارات الصناعية والاعتبارات الإستراتيجية"

يتجسد هذا التوجه بوضوح في سياسات التحكم في التكنولوجيا، إذ تؤكد دراسة أصدرتها مؤسسة "راند" للأبحاث الإستراتيجية عام 2023، أن "القيود الأمريكية على تصدير التكنولوجيا المتقدمة لا تهدف فقط إلى حماية الصناعة الوطنية، بل إلى إبطاء التقدم التكنولوجي الصيني والتحكم في نقاط الاختناق داخل الاقتصاد العالمي".

وقد أشارت تقارير عديدة أصدرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى العودة القوية للسياسات الصناعية، لا سيما في مجالي الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة. وأكدت المنظمة أن "الدول لم تعد تكتفي بتنظيم الأسواق، بل تتدخل فيها مباشرة عبر الدعم المالي والحوافز الضريبية وسياسات التوطين، لإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية وتقليل الاعتماد الخارجي"، ما يعكس تحولا بنيويا نحو تسييس الاقتصاد وربطه بالسيادة.

المفوض الأوروبي لشؤون الازدهار والإستراتيجية الصناعية ستيفان سيجورنيه يكشف عن "قانون تسريع الصناعة" في 4 مارس/آذار 2026 (الفرنسية)

في حالة الصين، لم يكن الدعم الحكومي الصيني مجرد أداة تحفيزية، بل جزءا من إستراتيجية متكاملة تهدف إلى السيطرة على حلقات الإنتاج الأساسية، بما يمنح بكين قدرة غير مباشرة على التأثير في الأسواق العالمية. في المقابل، تجد أوروبا نفسها في موقع أعقد بكثير، فهي تحاول الحفاظ على نموذج السوق المفتوحة، لكنها في الوقت ذاته مضطرة إلى تبني أدوات سيادية. وقد وصف مركز "بروغل" للأبحاث الاقتصادية الأوروبية المستقل السياسة الأوروبية الجديدة "بأنها محاولة متأخرة للتكيف مع عالم لم يعد يعمل وفق القواعد الأوروبية التقليدية".

إعلان

لقد كشفت جائحة "كوفيد-19" هشاشة الاقتصاد العالمي، إذ يوضح البنك الدولي أن "تعطل سلاسل الإمداد خلال الجائحة أعاد تعريف المخاطر الاقتصادية باعتبارها أخطارا سيادية، ولم يعد الاعتماد على الخارج كفاءة بل مسألة أمن، وبدأت الجائحة تضع ضعف سلاسل التوريد المتمركزة في منطقة واحدة تحت دائرة الضوء، خصوصا حين أغلقت الصين أجزاء من اقتصادها بين عامي 2020-2022. وأشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الأزمة كشفت الحاجة إلى تعزيز مرونة سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على مورد واحد أو منطقة واحدة، فأدرك العالم أن الكفاءة المطلقة باتت تتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية.

"بعد جائحة كوفيد-19، أدرك العالم أن الكفاءة المطلقة تتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية"

تحولت الرقائق الإلكترونية إلى قضية أمن قومي وسيادة صناعية، ما دفع الاتحاد الأوروبي في فبراير/شباط 2022 إلى إطلاق قانون أشباه الموصلات أو "قانون الرقائق الأوروبي" (European Chips Act) ضمن توجه "صنع في أوروبا". ويعتبر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS) أن "التكنولوجيا لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت أداة نفوذ جيوسياسي، حيث تسعى الدول إلى التحكم في المعايير التقنية وسلاسل الإنتاج لتعزيز موقعها في النظام الدولي".

توقيع قانون أشباه الموصلات أو "قانون الرقائق الأوروبي" عام 2022 (الفرنسية)

شريك ومنافس

لكن ذلك كله لا يعني أن أوروبا تسعى لفك الارتباط مع الصين. فرغم كل شيء، تعد الصين أحد أكبر أسواق السيارات الأوروبية، وموردا أساسيا للمكونات الصناعية، ولاعبا مركزيا في سلاسل الطاقة النظيفة. وهو السبب الذي يجعل أوروبا تتجنب مصطلح "فك الارتباط" مع الصين، وتفضل بدلا منه مفهوم "تقليل المخاطر". وعلى عكس الولايات المتحدة، لا تتعامل أوروبا مع الصين كخصم اقتصادي، بل كشريك تجاري، ومنافس في الوقت نفسه.

هدف أوروبا ليس فك الارتباط مع الصين، بل تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط عليها (أسوشيتد برس)

ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، فإن أوروبا تعتمد بشكل كبير على الصين في صناعة البطاريات والألواح الشمسية ومعالجة الليثيوم والغرافيت، ولا توجد حتى الآن مؤشرات موثوقة على قدرة أوروبا على استبدال الصين بالكامل في هذه القطاعات على المدى القريب. ويطرح هذا الواقع سؤالا جوهريا: كيف استطاعت الصين أن تجعل من إنتاجها الصناعي القاعدة الأساسية للصناعات في العالم؟

على مدار العقود الثلاثة الماضية، قامت العولمة على فرضية أساسية هي إمكانية تفكيك عملية الإنتاج وتوزيعها بين الدول وفق معيار الكفاءة الاقتصادية، فتوسعت التجارة العالمية بشكل غير مسبوق وأسهمت في نشوء سلاسل القيمة العالمية، حيث أصبحت عملية تصنيع المنتج الواحد موزعة بين عدد من الدول. ويشرح الاقتصادي ريتشارد بولدوين في كتابه "التلاقي العظيم" (The Great Convergence) أن التكنولوجيا والاتصالات "سمحت بنقل المعرفة الصناعية والإنتاج إلى الاقتصادات الناشئة، وليس فقط البضائع".

انضمت الصين عام 2001 إلى منظمة التجارة العالمية، وخلال عقدين أصبحت أكبر دولة صناعية في العالم من حيث القيمة المضافة. ولم يكن صعودها الصناعي قائما فقط على العمالة منخفضة التكلفة، بل على شبكة صناعية مترابطة وموانئ وبنية تحتية ضخمة ودعم حكومي واسع وقدرة عالية على الإنتاج السريع، ما جعل شركات أمريكية وأوروبية كبرى تعتمد عليها مركزا رئيسيا للتصنيع.

"انضمت الصين عام 2001 إلى منظمة التجارة العالمية، وخلال عقدين أصبحت أكبر دولة صناعية في العالم من حيث القيمة المضافة"

ومن الأمثلة الموثقة على ذلك اعتماد شركة آبل لسنوات على مصانع "فوكسكون" (Foxconn) التايوانية، التي تعد أكبر مُصنِّع بالتعاقد للإلكترونيات في العالم وتضطلع بدور محوري في سلاسل القيمة العالمية خصوصا في قطاع التكنولوجيا. وتشتهر "فوكسكون" بتجميع منتجات الشركات الكبرى داخل مصانع ضخمة في الصين، مما جعلها نموذجا واضحا للعولمة الصناعية.

في هذا النموذج، تصمم المنتجات في الولايات المتحدة وتدار تصنيعيا من تايوان وتجمع في الصين قبل بيعها عالميا. وعقب جائحة كوفيد، أشارت تقارير وكالة "بلومبرغ" وصحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن فوكسكون نقلت جزءا من إنتاجها إلى الهند وفيتنام والمكسيك في إطار توجه الشركات العالمية لتقليل الاعتماد على الصين وإعادة توزيع سلاسل التوريد، لا استبعاد الصين نهائيا.

epa03161515 (FILE) A file photo dated 26 May 2010 showing Foxconn employees working on the production line at the Foxconn Lunghua plant in the southern Chinese city of Shenzhen, Guangdong province. Foxconn Technology Group and Japanese Sharp company in two statements issued on 27 March 2012 announced 'to establish strategic global partnership to collaborate in various business fields.' 'Foxconn Technology Group and the Sharp Corporation have entered into an agreement to expand their current working relationship', Foxconn founder and Chief Executive Officer, Terry Gou, was cited as saying. 'Under the terms of the agreement, Foxconn and Sharp will enter into an alliance that covers a range of potential areas of cooperation, such as cross-investments', the statement says. EPA/YM YIK
تقوم "فوكسكون" بتجميع منتجات الشركات الكبرى داخل مصانع ضخمة في الصين (الأوروبية)

من "عولمة الكفاءة" إلى "صنع في أوروبا"

ربما يبدو ما يحدث اليوم وكأنه بداية نهاية العولمة، لكنه في الحقيقة انهيار للنموذج الذي حكمها طوال العقود الثلاثة الماضية. فالعولمة التي تأسست بعد نهاية الحرب الباردة على منطق الكلفة المنخفضة والإنتاج العابر للحدود والأسواق المفتوحة، لم تعد قادرة وحدها على إدارة اقتصاد عالمي باتت تحكمه الهواجس الأمنية والاصطفافات الجيوسياسية أكثر مما تحكمه قواعد السوق.

إعلان

وقد كشفت الأزمات المتلاحقة، من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية وصولا إلى التصعيد الأمريكي الصيني، أن سلاسل الإمداد التي صُمِّمَت لتحقيق أعلى درجات الكفاءة والسرعة يمكن أن تتحول في لحظة توتر إلى مصدر هشاشة إستراتيجية، وأن الاعتماد المتبادل الذي بنت عليه الدول ازدهارها قد يتحول بدوره إلى أداة ضغط ونفوذ، ما جعل العالم يعيد تعريف القوة الاقتصادية.

"سلاسل الإمداد التي صُمِّمَت لتحقيق أعلى درجات الكفاءة يمكن أن تتحول في لحظة توتر إلى مصدر هشاشة إستراتيجية"

لم تعد الهيمنة تقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو حجم التجارة، بل بإمكانية السيطرة على الرقائق الإلكترونية والمعادن والطاقة والبطاريات والتكنولوجيا وسلاسل التوريد الحيوية. وتحولت الصناعات التي كانت تعد قطاعات تجارية عادية إلى ملفات مرتبطة مباشرة بالأمن القومي والسيادة. وفي هذا السياق تحديدا يمكن فهم التحول الأوروبي نحو مشاريع "صنع في أوروبا" و"قانون تسريع الصناعة" و"قانون الصناعة صافي الانبعاثات الصفرية"، التي لا تعكس مجرد رغبة في دعم الصناعة أو حماية الوظائف، بل تعبر عن إدراك أوروبي متزايد بأن القارة دخلت مرحلة لم يعد فيها ممكنا الفصل بين الاقتصاد والسيادة.

لقد أدرك الاتحاد الأوروبي، بعد تجربة الاعتماد على الغاز الروسي وهيمنة الصين على التكنولوجيا الخضراء والمعادن الحيوية، أن الأسواق المفتوحة وحدها لا توفر الأمان، وأن الكفاءة الاقتصادية قد تتحول أحيانا إلى هشاشة إستراتيجية. ولهذا بدأت بروكسل تتحرك نحو سيادة صناعية أوروبية تقوم على إعادة توطين الصناعات الحيوية وتقليل الاعتماد على الخارج وربط الاقتصاد بالأمن الإستراتيجي للقارة.

وهكذا انتقل العالم تدريجيا من "عولمة الكفاءة" التي كانت تبحث عن الأرخص والأسرع، إلى "عولمة الثقة" التي تبحث عمن يمكن الاعتماد عليه سياسيا وإستراتيجيا وقت الأزمات، فلم تعد الدول تسأل "من يبيع بسعر أقل؟" بل "من يمكن الوثوق به في لحظة التوتر؟". ولم تعد الشركات تبحث عن الأيدي العاملة الأرخص، بل عن البيئات الأكثر استقرارا والأقل عرضة للصدمات الجيوسياسية.

"تدرك أوروبا يوما بعد يوم أن الأسواق المفتوحة وحدها لا توفر الأمان"

من جهتها، تدرك الصين أن الاتحاد الأوروبي ليس موحدا بالكامل في موقفه منها، فهناك انقسامات داخلية واضحة حول كيفية التعامل مع بكين؛ إذ تميل فرنسا أكثر إلى تبني سياسات حمائية صناعية وتعزيز السيادة الاقتصادية الأوروبية، بينما تبدو ألمانيا أكثر حذرا بسبب تشابك مصالحها الاقتصادية مع الصين. فيما تنقسم دول شرق أوروبا بين من يرى الصين شريكا استثماريا مهما، ومن يفضل الاصطفاف الكامل مع التوجهات الأمريكية. وفي الخلفية، يبرز العامل الأمريكي عنصرا أساسيا في المشهد، إذ تمارس الولايات المتحدة ضغوطا على حلفائها الأوروبيين لتشديد موقفهم تجاه الصين، وإن أبدت أوروبا تحفظات على "حدية" المقاربة الأمريكية.

في هذا الإطار، عبرت رئيسة المفوضية الأوروبية مرارا عن أن هدف أوروبا ليس الانفصال عن الصين بل تقليل المخاطر، غير أن بكين لا تنظر بعين الرضا إلى هذا الطرح، وتعتبره تسمية جديدة لسياسات احتواء اقتصادية تستهدف الحد من صعودها التكنولوجي والصناعي. في الوقت نفسه، تطرح السياسات الأوروبية الجديدة أسئلة قانونية معقدة مرتبطة بقواعد منظمة التجارة العالمية؛ فالصين تعتبر أن اشتراط نسب تصنيع محلية يمثل انتهاكا لمبادئ المنافسة الحرة.

المشكلة الآن أن النظام التجاري العالمي نفسه يعيش حالة ضعف غير مسبوقة، ومنظمة التجارة العالمية تواجه شللا جزئيا. وفي هذا العالم الجديد، لم تعد التجارة منفصلة عن السياسة، ولا التكنولوجيا منفصلة عن الأمن القومي، ولا الصناعة مجرد أداة للنمو الاقتصادي، بل أصبحت جميعها جزءا من معادلات النفوذ والقوة في النظام الدولي المقبل.

المصدر: الجزيرة

إعلان