هل تواجه هتافات "الانتفاضة" و"المقاومة" اختبارا قانونيا في بريطانيا؟

حفظ

لافتة انتفاضة حتى النصر من تظاهؤه قبل تحرك المنظمات الصهيونيه المصدر كاميرتي
لافتة "انتفاضة حتى النصر" من تظاهرة سابقة في لندن (الجزيرة)

لندن – تستعيد "سارا" – اسم مستعار لامرأة بريطانية تعمل في مجال رعاية الشباب واللاجئين – تفاصيل اعتقالها بعد مشاركتها في مظاهرة مؤيدة لفلسطين بمدينة ليدز في ديسمبر/كانون الأول 2025.

ووُجهت لسارا اتهامات تتعلق بالتحريض على الكراهية العنصرية بعد مشاركتها في هتاف "الانتفاضة".

و يواجه عدد من النشطاء والمتظاهرين المؤيدون لفلسطين في بريطانيا تحقيقات واعتقالات استندت، جزئيا، إلى هتافات ومصطلحات عربية رُددت خلال احتجاجات عامة. في حين تؤكد النيابة العامة البريطانية أن استخدام كلمة "انتفاضة" أو "مقاومة" بمفردهما لا يقتضي قانونا الملاحقة الجنائية. 

الجزيرة نت تكشف استناداً إلى وثائق ومراسلات وشهادات حصرية من متهمين ومحامين وحقوقيين، عن مسار متدرج بدأ أواخر عام 2025 لتشديد التعامل مع بعض الشعارات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وسط جدل قانوني متصاعد حول حدود حرية التعبير ودور السياق في تفسير الهتافات السياسية.

متظاهرة ترفع لافتة تشير بحق فلسطين في الدفاع عن النفس
متظاهرة ترفع لافتة تشير إلى حق فلسطين في الدفاع عن النفس (الجزيرة)

احتجاز وإنذار

تقول سارا للجزيرة نت إن عناصر من شرطة غرب يوركشاير داهموا منزلها في اليوم التالي للمظاهرة، قبل اقتيادها إلى مركز احتجاز حيث بقيت نحو 15 ساعة رهن التحقيق لم يُعرض عليها سوى وجبة طعام واحدة، حسب شهاداتها.

وكانت المظاهرة تُبث مباشرة عبر الإنترنت، قبل أن تنتشر مقاطع مصورة منها على منصات التواصل الاجتماعي وتتبعها بلاغات وشكاوى للشرطة عبر موقع إكس.

ولا تزال سارا تخضع لشروط كفالة تمنعها من المشاركة في فعاليات مرتبطة بالقضية الفلسطينية، وتلقت لاحقا إنذاراً وظيفياً قد يؤثر على استمرار عملها.

وتُظهر وثائق اطلعت عليها الجزيرة نت أن منظمات مؤيدة لإسرائيل خاطبت أجهزة الشرطة البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 2025 مطالبة باتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه عدد من الشعارات المستخدمة في الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، وفي مقدمتها شعار "عولمة الانتفاضة" و"المقاومة".

كما تُظهر الوثائق أن بعض هذه المراسلات استندت إلى تقييمات وتقارير صادرة عن "رابطة الأمن المجتمعي" وهي منظمة بريطانية تُعنى بقضايا أمن المجتمع اليهودي ورصد حوادث معاداة السامية، إذ جرى الاستناد إلى ما وصفته المنظمة بتأثير بعض الشعارات والهتافات على شعور أفراد من المجتمع اليهودي بالأمن.

لحظات اعتقال ماهر المؤسس المشارك لمبادرة نبض فلسطين على خلفية هتافه انتفاضة المصدر فيديو مرسل من الناشط ***داخلية****
لحظات اعتقال ماهر المؤسس المشارك لمبادرة نبض فلسطين على خلفية هتافه انتفاضة (الجزيرة)

قضية ترسم منهجا

وفي لندن، يترقب محامون وحقوقيون مسار قضية ينظر إليها كثيرون باعتبارها اختباراً قانونياً مهماً. فقد وُجهت اتهامات إلى ماهر مؤسس مبادرة "نبض فلسطين" للمشاركة في فعاليات تضمنت شعارات من بينها "ثورة الانتفاضة" و"لا توجد إلا دولة واحدة، فلسطين 48″.

إعلان

وأنكر المتهمون جميع التهم الموجهة إليهم، بينما تقرر نظر القضية أمام المحكمة في أبريل/نيسان 2028.

ويقول محامو هيئة الدفاع إن القضية قد تؤثر في الكيفية التي ستتعامل بها المحاكم البريطانية مستقبلا مع القضايا المتعلقة بالشعارات السياسية المرتبطة بفلسطين.

ولم تتوقف الملاحقات عند الشعارات المرتبطة بكلمة "انتفاضة". فخلال فعاليات إحياء ذكرى النكبة في مايو/أيار الماضي، تعرض أحد النشطاء للتوقيف والاعتقال مجددا بعد هتافات تضمنت كلمة "مقاومة" وشعارات أخرى مرتبطة بالحرب في غزة.

السياق الكامل

وتشير وثائق ومذكرات قانونية اطلعت عليها الجزيرة نت إلى أن تقييم أي هتاف سياسي بموجب قانون النظام العام البريطاني لا يعتمد على الكلمات وحدها، بل يستند إلى مجموعة من العناصر تشمل المعنى والسياق وقصد المتحدث ودوره في الحدث ومدى انتشار الرسالة وتأثيرها المحتمل.

كما تؤكد النيابة العامة البريطانية أن تفسير الشعارات السياسية يجب أن يتم في ضوء الظروف المحيطة بكل واقعة، وليس من خلال قراءة الكلمات بمعزل عن سياقها.

غير أن منظمات حقوقية ومحامين يدافعون عن متهمين في هذه القضايا يرون أن الممارسة الميدانية لا تعكس دائما هذا النهج.

وفي هذا السياق، قالت أولا رو، مسؤولة الشؤون العامة والتواصل في المركز الدولي للعدالة وحقوق الفلسطينيين ، للجزيرة نت إن القانون البريطاني يشترط تقييم الكلمات ضمن سياقها الكامل، معتبرة أن بعض الاعتقالات الأخيرة تثير مخاوف بشأن اتساع نطاق التفسير الأمني لقانون النظام العام.

ومن جهتها، أضافت  تشارلين بينك، مديرة الحملات في مشروع القانون الجيد ، للجزيرة نت إن الجدل الدائر حول بعض الشعارات المرتبطة بفلسطين يعكس نقاشاً أوسع حول حرية التعبير وحدود تدخل الدولة في تنظيم الاحتجاجات السياسية.

 

وحدة تتوجه لإنزال ملثم تسلق مبنى تبين إنه طفل قاصر
وحدة تتوجه لإنزال ملثم تسلق مبنى تبين إنه طفل قاصر (الجزيرة)

ماذا تقول الشرطة؟

وتواصلت الجزيرة نت مع شرطة لندن بشأن المعايير المستخدمة في التعامل مع الهتافات والمصطلحات العربية خلال الاحتجاجات، إلا أنها أحالتنا إلى تصريحات سابقة لمفوض الشرطة، أكد فيها أن التعامل مع الشعارات والهتافات المثيرة للجدل يعتمد على تقييم السياق والتشريعات ذات الصلة والظروف العملية للعمل الشرطي، مشيرا إلى أن بعض العبارات قد تُعد قانونية أو غير قانونية تبعاً لملابسات استخدامها.

كما استندت الشرطة إلى مواقف سابقة معلنة لمسؤوليها تفيد بأن بعض الشعارات السياسية تخضع لتفسيرات متباينة بين فئات مختلفة من المجتمع، وأن توجيه الضباط بشأن التعامل معها يتم في ضوء السياق والاعتبارات القانونية والظروف الخاصة بكل حالة.

متظاهرات ذهبن للهتاف بجانب سيارات مكافحة الإرهاب
متظاهرات في بريطانيا يحملن لافتات تضامن مع فلسطين أمام سيارات الشرطة (الجزيرة)

جدل لغوي وأكاديمي

من جانب آخر، اعتبر الباحث في علم الاجتماع السياسي ديفيد ميلر، في حديث للجزيرة نت، أن الجدل القائم حول مصطلح "انتفاضة" يتجاوز البعد الأمني إلى أسئلة تتعلق باللغة والتمييز العنصري في التعامل مع الخطاب السياسي.

وقال ميلر إن كلمة "انتفاضة" تُترجم عادة إلى "Uprising" في اللغة الإنجليزية، وهي مفردة مستخدمة في سياقات سياسية وتاريخية متعددة دون أن تُعد في حد ذاتها تعبيراً غير مشروع.

إعلان

وأضاف أن السماح باستخدام المصطلحات المكافئة باللغة الإنجليزية مع إثارة الجدل حول نظيراتها العربية يطرح، من وجهة نظره، أسئلة تتعلق بالمساواة اللغوية وحرية التعبير في المجال العام. وشكك ميلر في أن هذا النهج قد يطال اللغة الفارسية لاحقا.

صورة من ملف التهم ***داخلية*** ا
صورة من ملف التهم (الجزيرة)

 

معركة قضائية مفتوحة

في المقابل، يؤكد محامون يمثلون عدداً من المتهمين أن الملاحقات الجارية تفتقر إلى أساس قانوني كاف، وتمس حقوقاً محمية بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية التجمع السلمي.

ويستعد فريق الدفاع التابع لمكتب المحاماة "عمران خان وشركاؤه" لخوض معركة قانونية لإسقاط بعض القضايا؛ إذ تقدم المحامون بطلبات رسمية للمحكمة لإنهاء الإجراءات في عدد من الملفات، مستندين إلى دفوع قانونية وإجرائية تتعلق بظروف التوقيف والتحقيق، فضلاً عن الدفع بعدم توافر الركن الجنائي في استخدام مصطلحات يرون أنها تندرج ضمن الخطاب السياسي المحمي قانونا.

فيما يطرح المدافعون عن المتهمين تساؤلات حول الأساس القانوني لتجريم استخدام مصطلحات مثل "الانتفاضة" و"المقاومة"، وما إذا كانت ملاحقة استخدامها تنسجم مع الالتزامات القانونية البريطانية المتعلقة بحرية التعبير والتجمع السلمي.

 

المصدر: الجزيرة

إعلان