السجان الذي نشأ على كره مانديلا انتهى مقربا منه.. كيف حدث ذلك؟

حفظ

South African President Nelson Mandela(L) speaks with his new wife Graca Machel, 52 years, widow of former Mozambican president Samora Machel and his former prison warder Christo Brand (C), at Mandela's official residence in Pretoria 18 July. Mandela celebrated his 80th birthday and married Machel at the couple's new private home in Houghton, Johannesburg. (Photo by STRINGER / AFP)
مانديلا (يسار) في عيد ميلاده الـ80 في حديث مع حارس سجنه السابق كريستو براند (وسط)، بمقر إقامة مانديلا في بريتوريا (الفرنسية)

يكشف فيلم وثائقي جديد بعنوان "حرروا نيلسون مانديلا" جانبا غير مألوف من تاريخ واحد من أكثر الرموز السياسية تأثيرا في القرن الـ20، عبر شهادات حية لأشخاص ارتبطوا به خلال سنوات سجنه الطويلة في جزيرة روبن آيلاند، بينهم كريستو براند، حارس السجن ذو البشرة البيضاء، الذي تحوّل تدريجيا من موظف شاب إلى شاهد على تحولات تاريخية غيرت جنوب أفريقيا.

وكتب مايكل أوديل مقالا نشرته صحيفة تايمز البريطانية أن هذا الوثائقي يعود -بعد نحو 4 عقود على خروج مانديلا من السجن في فبراير/شباط 1990- إلى تفاصيل الحياة اليومية خلف القضبان، حيث كان مانديلا يقضي حكمه بالسجن المؤبد منذ 1964، في عزلة قاسية داخل زنزانة صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار، وسط نظام فصل عنصري كان يحكم البلاد بقبضة أمنية مشددة.

FILE PHOT0 11FEB90 - President Nelson Mandela is accompanied by his former wife Winnie, moments after his release from prison February 11 1990 after serving 27 years in jail. Mandela celebrates his 80th birthday on July 18. Events planned around the country are due to run for at least a month and include celebratory parties for underpriveleged children, as well as concerts featuring local and international artists. MH/NS/FMS
مانديلا برفقة زوجته الأولى ويني بعد لحظات من إطلاق سراحه من السجن (رويترز)

علاقة إنسانية

كريستو براند، الذي التحق بسجن روبن آيلاند وهو في الـ19 من عمره، يروي كيف كُلّف في بداياته بمهام بسيطة مثل فرز بريد مانديلا. لكنه سرعان ما وجد نفسه أمام واقع مختلف عن الصورة التي رسمتها له الدعاية الرسمية، التي كانت تصف السجناء السياسيين بأنهم إرهابيون.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ويقول إن احتكاكه المباشر بمانديلا وقادة آخرين جعله يعيد النظر في تلك الرواية.

ومع مرور الوقت، نشأت علاقة إنسانية غير تقليدية بين الحارس والسجين، تطورت إلى ما يشبه الصداقة، رغم حدود النظام الأمني الصارم.

ويكشف براند أنه كان أحيانا يساعد مانديلا في الحصول على رسائل غير خاضعة للرقابة، بل وسمح له في إحدى المرات بحمل حفيدته بين يديه داخل السجن، في لحظة نادرة كسرت رتابة الحياة القاسية في روبن آيلاند.

A jubilant Sowetan holds up 11 February 1990 in Soweto a newspaper announcing the release of anti-apartheid leader and African National Congress (ANC) member Nelson Mandela, at a mass ANC rally. South African President de Klerk lifted 02 February the 30-year-old ban on the ANC and the South African Communikst Party, and 11 February, Nelson Mandela walked out of Victor Vester prison, near Cape Town, after 26 year since he was sentenced to life imprisonment. (Photo by TREVOR SAMSON / AFP)
في 11 فبراير/شباط 1990 رفع أحد سكان سويتو المبتهجين صحيفةً تُعلن إطلاق سراح مانديلا (الفرنسية)

الفصل العنصري

لكن خلف هذه العلاقة الشخصية، كان الواقع السياسي أكثر تعقيدا. فجنوب أفريقيا في تلك المرحلة كانت تعيش ذروة نظام الفصل العنصري، حيث كانت القوانين تفصل بين السكان على أساس العرق في السكن والعمل والتعليم والزواج.

إعلان

ويعرض الوثائقي شهادات تعكس الذهنية السائدة آنذاك، بما في ذلك مواقف عنصرية كانت تعتبر السود "غير مؤهلين" للمساواة.

في المقابل، يقدم الفيلم صورة عن نشأة كريستو براند نفسه في بيئة ريفية أقل تشددا، حيث كان والده يشكك في خطاب الحكومة العنصري، ويدعوه إلى معاملة الجميع بالاحترام نفسه. هذا التباين ساهم في تشكيل موقفه لاحقا داخل السجن.

إحدى أكثر اللحظات حساسية في الوثائقي تتعلق بمحاولة الحكومة في منتصف الثمانينيات الإفراج عن مانديلا بشروط، ورفض مانديلا العرض، متمسكا بموقفه الرافض للخروج دون إطلاق سراح رفاقه أيضا، قائلا إنه يفضل الموت في السجن على أن يُفرج عنه وحده

يفضل الموت على الخروج وحده

إحدى أكثر اللحظات حساسية في الوثائقي تتعلق بمحاولة الحكومة في منتصف الثمانينيات الإفراج عن مانديلا بشروط، خشية اندلاع اضطرابات أوسع.

لكن مانديلا رفض العرض، وهو ما دفع أجهزة الأمن إلى محاولة استغلال علاقة براند به، عبر تسجيل محادثات بينهما في محاولة لدفعه إلى تغيير رأيه.

غير أن مانديلا تمسك بموقفه الرافض للخروج دون إطلاق سراح رفاقه أيضا، قائلا إنه يفضل الموت في السجن على أن يُفرج عنه وحده.

وبالتوازي مع قصة مانديلا، يعرض الوثائقي شهادات أخرى لسجناء سياسيين سابقين، بينهم جيمس مانغي، الذي ينتمي إلى الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي.

مانغي، الذي تعرض للتعذيب وحكم عليه بالإعدام قبل تخفيف حكمه إلى السجن المؤبد، يقدم رؤية أكثر راديكالية مقارنة بمانديلا، خصوصا فيما يتعلق بتوزيع الثروة بعد سقوط النظام.

Johannesburg, SOuth Africa - September, 24th 2013: Mandela House in Soweto renovated as in its original form, where Nelson Mandela lived during the apartheid years before his imprisonment. A national monument visited by many tourists worldwide.
منزل مانديلا في سويتو حيث عاش خلال سنوات الفصل العنصري قبل سجنه (غيتي)

بوب مارلي روبن آيلاند

ويعترف مانغي بأنه اختلف مع مانديلا سياسيا، معتبرا أن تفاؤل الأخير كان مبالغا فيه. لكنه رغم ذلك احتفظ بعلاقة إنسانية معه خلال سنوات السجن، حيث جمعتهما الزنازين المتقابلة في روبن آيلاند.

كما يسلط الوثائقي الضوء على الدور الثقافي للمعتقلين، حيث تمكن بعضهم من تحويل السجن إلى مساحة مقاومة رمزية.

فقد أسس مانغي فرقة موسيقية داخل السجن، بعد نضال طويل للحصول على الآلات، مستخدما الإضراب عن الطعام كوسيلة ضغط. وقد لُقّب لاحقا بـ"بوب مارلي روبن آيلاند"، في إشارة إلى تأثير الموسيقى في رفع المعنويات داخل المعتقل.

JOHANNESBURG, SOUTH AFRICA - FEBRUARY 1: FILE: After spending 27 years in prison, Nelson Mandela returns home to Soweto and salutes the over 100,000 supporters, jammed into a soccer stadium in the township outside of Johannesburg for a rally in his honor in Johannesburg, South Africa on February 1, 1990. (Photo by Dudley M. Brooks / The Washington Post via Getty Images)
بعد قضاء 27 عاما في السجن عاد مانديلا إلى مسقط رأسه سويتو في 1 فبراير/شباط 1990 (غيتي)

حفل عيد ميلاده في ويمبلي

وعلى المستوى الدولي، يوضح الفيلم كيف ساهمت الموسيقى والحملات الشعبية في تحويل قضية مانديلا إلى رمز عالمي. ففي الثمانينيات، ساهمت أغنية "أطلقوا سراح نيلسون مانديلا" (Free Nelson Mandela) في نشر الوعي بالقضية، فيما أصبح حفل عيد ميلاده الـ70 في ويمبلي ببريطانيا حدثا عالميا شاهده مئات الملايين، بمشاركة نجوم موسيقى عالميين، ما زاد الضغط على نظام بريتوريا.

وبحلول نهاية الثمانينيات، أدى تصاعد العقوبات الدولية والإضرابات الداخلية إلى انهيار تدريجي لنظام الفصل العنصري، ليخرج مانديلا من السجن عام 1990 وسط استقبال عالمي غير مسبوق.

غير أن نهاية السجن لم تكن -بحسب بعض الشهادات في الوثائقي- نهاية للجدل حول مستقبل البلاد.

إعلان

فبينما دعا مانديلا إلى المصالحة وإعادة البناء، يرى بعض رفاقه السابقين أن التحول السياسي لم يحقق العدالة الاقتصادية المنشودة، وأن الفجوة الاجتماعية ما زالت قائمة حتى بعد الانتقال إلى الديمقراطية.

الندم والاعتراف

وفي ختام الوثائقي، تتقاطع شهادات متناقضة بين الندم والاعتراف، بما في ذلك اعتراف مسؤول سابق في نظام الفصل العنصري بأن الدولة "لم تفهم مطالب مانديلا بشكل صحيح"، وأن تنظيم المجتمع على أساس اللون كان "كارثة غير ضرورية".

أما كريستو براند، فيختتم شهادته بنبرة أقرب إلى التأمل، معتبرا أن آلاف القتلى وملايين المهجرين خلال سنوات الفصل العنصري لم يكونوا نتيجة حتمية، بل خطأ تاريخيا كان يمكن تجنبه. ويستعيد كلمات والده القديمة: كيف يمكن أن يكون سليما بناء دولة على أساس لون البشرة؟

ولا يقدم الوثائقي مجرد سيرة تقليدية لزعيم تاريخي، بل يعيد فتح أسئلة الذاكرة والعدالة والمصالحة، عبر أصوات من داخل السجن وخارجه، عاشوا التحول من نظام قمعي إلى دولة جديدة ما زالت تبحث عن توازنها بين الحلم والواقع.

المصدر: تايمز

إعلان