النيابة العامة في مصر.. منصب بين التوريث والموالاة

يحرم آلاف المصريين من حقهم في التعيين بالنيابة العامة لأسباب غير معروفة، في مخالفة لنصوص دستور عام 2014 التي تنص على المساواة وتكافؤ الفرص.

المناصب القضائية في مصر تقوم في جزء كبير منها على التوريث والموالاة (الجزيرة)
المناصب القضائية في مصر تقوم في جزء كبير منها على التوريث والموالاة (الجزيرة)

مطلع شتاء 2017، استقل محمود الأمير القطار من أسيوط إلى القاهرة للتقدم لوظيفة معاون نيابة عامة التي أُعلن عنها في فبراير/شباط من العام نفسه. كان محمود خريج كلية الحقوق ضمن أكثر من 10 آلاف شاب تجمعوا أمام شبابيك دار القضاء العالي لسحب ملفات التقديم.

تخرج محمود من كلية الحقوق بجامعة أسيوط بتقدير عام "جيد جدا" مع مرتبة الشرف، وجاء ترتيبه ضمن العشرة الأوائل في العام 2016 بالكلية؛ ويقول "لقد كافحت 4 أعوام للحصول على ذاك التقدير أملا في اللحاق بفرصة التعيين بالنيابة العامة".

اجتاز كل الاختبارات المؤهلة من شراء ملف التقديم بمبلغ 200 جنيه، وإجراء المقابلة الشخصية، انتهاء بالتحريات الأمنية التي تُجرى لمن يتقدمون للعمل بهذه القطاعات، لكنه فوجئ بعدم وجود اسمه بين قائمة المقبولين الواردة في القرار الجمهوري رقم 166 لسنة 2017 الخاص بتعيينات معاوني النيابة العامة. ويؤكد أن تلك "كانت صدمة لم أستطع لا أنا ولا أهلي استيعابها".

محمود الأمير واحد من آلاف المصريين الذين حُرموا من حقهم في التعيين بالنيابة العامة لأسباب غير معروفة، بالمخالفة لنصوص الدستور المصري الصادر في العام 2014، إذ تُلزم المادة التاسعة الحكومة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين من دون تمييز، وتؤكد المادة الـ14 أن "الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة من دون محاباة أو وساطة".

يوثق هذا التحقيق كيف حُرم هؤلاء الآلاف من الوظيفة وأُزيحوا لصالح تعيين المئات من أبناء القضاة، ويكشف أن نسبة المُعينين من أبناء القضاة بلغت 27% خلال السنوات من 2012 حتى 2021، إذ عُيِن 1035 معاونا للنيابة العامة من أبناء وأقارب القضاة من بين إجمالي 3833 معاونا جديدًا للنيابة العامة تم تعيينهم، وذلك عبر مراجعات بالأسماء لكل من تم تعيينهم خلال تلك السنوات.

مقابلة التفتيش!

يقول محمود الأمير إنه بعد سحب الملف وتقديمه، تُجرى مقابلة يُطلق عليها "التفتيش"، يقوم بها أحد القضاة المُشرفين، إذ يتأكد من استيفاء ملف المُتقدم للمستندات والوثائق المطلوبة.

وظيفة قاضي التفتيش هي التأكد من المستوى المادي والاجتماعي للمتقدم من خلال الاطلاع على المؤهل التعليمي للوالد وسندات الملكية ومصادر الدخل، إضافة للمهن التي يعمل بها أخوة المُتقدم ومؤهلاتهم التعليمية، وكذلك الأعمام والعمات والأخَوال والخالات، ثم يُدون كل ما يراه في تقرير يرفعه للجنة المشرفة، وفيه يُحدد الموقف من المُتقدم إما بالقبول وإما بالرفض.

المستندات المطلوبة للتقدم لوظيفة وكيل النيابة (أريج)

المقابلة الشخصية

يقول محمود الأمير إنه اجتاز تلك الاختبارات الأولية، ثم حُدد له موعد لإجراء الاختبار الثاني "المقابلة الشخصية"، إذ تتم مواجهة المُتقدم بلجنة قضائية، يُطلق عليها "اللجنة السباعية".

ويُفسر المحامي حازم صبري (يعمل بشكل أساسي على قضايا الاستبعاد من التعيين بالهيئات القضائية) السبب وراء تلك التسمية قائلا "هذه اللجنة تتشكل من 7 مستشارين هم: النائب العام، ورئيس مجلس القضاء الأعلى رئيس محكمة النقض، ورئيسا محكمة استئناف الإسكندرية وطنطا، إضافة إلى أقدم 3 مستشارين بمحكمة النقض".

ارتدى الأمير في يوم المقابلة الشخصية بذلته السوداء، وربطة عنق اشتراها خصيصًا لهذا اليوم، وانتظر دوره حتى نودي على اسمه ضمن 15 آخرين من المُتقدمين دخلوا جميعًا إلى غرفة ذات إضاءة خافتة.

انتظم المُتقدمون الـ15 صفا واحدًا أمام طاولة تجمع القضاة السبعة، الذين وجهوا إليهم سؤالا واحدا تم تمريره على الجميع من دون تغيير، يتعلق بإحدى المواد القانونية. كل ذلك جرى في غضون دقيقتين أو 3، إذ لا يتخطى الزمن المُحدد للمُتقدم الثواني.

يعيب المحامي حازم صبري على اللجنة السباعية عدم وجود "معايير واضحة" أثناء إجراء عملية الاختيار بين المُتقدمين، قائلاً "متعرفش التقييم على أساس إيه!"، مدللاً على ذلك بحرمان متقدمين ذوي تقديرات مرتفعة من الاختيار، مقارنة بآخرين أقل منهم في التقدير العام وقع عليهم الاختيار.

من جهته، يصف غلاب الحطاب، المحامي بمحاكم النقض والدستورية والمتخصص في قضايا الاستبعاد، إجراء المقابلة الشخصية وفقًا لذاك النظام المتبع في هذه المدة الزمنية القصيرة بأنه "كلام يُجافي المنطق"، قائلا "لا بد من مراعاة فجائية السؤال والموقف، فلا يمكن تقييم شخص حاصل على درجات علمية بتقديرات تتنوع بين امتياز وجيد جدًا، بشهادة أساتذة جامعيين على مدار 4 أعوام في ثوان".

ويعتقد المحامي غلاب أن لجنة المقابلة الشخصية ليست جهة لتقييم الطالب، فلا هم أساتذة جامعيون ولا أطباء نفسيون للحكم والتقييم، مشيرًا إلى أن كل شاب مُتقدم اجتاز ما يزيد على 20 امتحانا تحريريا وشفويا خلال فترة دراسته، وهذا دليل على تفوقه العلمي.

الاختبار النفسي.. مرحلة التوريث

يقول محمود الأمير إنه بناء على نتائج تقارير مقابلة التفتيش والمواجهة الشخصية، يُحدد عدد المقبولين للمرحلة الثالثة في عملية الاختيار وهي "الاختبار النفسي"، التي يُجريها طبيبان متخصصان في المخ والأعصاب. وفي هذا الاختبار يُوجّه الطبيبان أسئلة للمتقدم مثل "لماذا التحقت بكلية الحقوق؟ ولما تريد أن تكون قاضيًا؟.. وهكذا".

ويكشف أنه لا يصل إلى هذه المرحلة إلا عدد محدد، فالاختيارات انتقائية، وغالبًا ما تلعب فيها الواسطة دورا، إذ يتم تجاهل أغلب المتقدمين لصالح أبناء القضاة والمستشارين.

ووفقًا لمراجعات أجريناها لــ3833 اسمًا ورد ذكرهم في قرارات تعيينات النيابة العامة الصادرة عن رئاسة الجمهورية خلال الفترة من 2012 وحتى 2021، اكتشفنا تعيين 1035 شخصا من أبناء وأقارب القضاة والمستشارين بنسبة بلغت 27% من إجمالي المعينين. وخلال المراجعات التي استمرت لأشهر، ركز معدّ التحقيق على البحث عن أقارب المتقدم من الدرجة الأولى فقط (الأب، والأم، والأشقاء، والأعمام) تم خلالها توثيق اسم المتقدم حتى الجد الخامس للتأكيد على روابط الصلة مع القضاة.

وكان عام 2021 الأكثر في معدل تعيينات أقارب القضاة بنسبة 34.1%، أما الأكثر عددا فكان عام 2015 حيث بلغ عدد المُعينين وقتها 182 معاونا جديدا للنيابة العامة، وفقًا لمراجعات معدّ التحقيق.

2 تعيينات أقارب القضــاة في النيابة العامة بمصر

ويرى الباحث بالمعهد المصري للدراسات رجب عز الدين أن نظرة التوريث لمسألة التعيين في القضاء تبدو مترسخة في وجدان قطاع كبير من القضاة بشكل لافت حتى صار التصريح بما يدعمها علنيا وبلا مواربة.

ويستدل على ذلك، في الدراسة الصادرة عام 2018، بتصريح وزير العدل الأسبق أحمد الزند حين قال "تعيين أبناء القضاة سيظل سنة بسنة ولن تستطيع قوة في مصر إيقاف هذا الزحف المقدس إلى قضائها".

تقول الباحثة في القانون منّة عمر إن توريث القضاة لأبنائهم وعائلاتهم لا ينم فقط عن رغبتهم في ضمان وظيفة لذويهم، بل يعكس أيضا رؤية القضاة لمهنتهم وشعورهم بالعلو والتباهي، ورفضهم أن يُعين بالمهنة كل من هب ودب.

وتُضيف في تقرير لها عبر موقع المفكرة القانونية عام 2014، أن توريث القضاء استقر في منتصف الألفية، حين وجد نظام الرئيس الراحل حسني مبارك رغبة القضاة في توريث أبنائهم المناصب وسيلة ناجحة للانقضاض على القضاة المعارضين له في "تيار الاستقلال"، والذين تولوا قيادة نادي القضاة في مصر بين أعوام 2001 و2009.

تأسس تيار استقلال القضاء عقب مؤتمر العدالة الأول عام 1986 بدعم شيخ القضاة المستشار يحيى الرفاعي. ودعا التيار إلى استقلال التفتيش القضائي عن وزارة العدل، وكان له دور بارز في فضح تزوير الانتخابات التشريعية عام 2005.

وقام نظام مبارك ردًا على اعتراضات النادي على تعديلات قانون السلطة القضائية عام 2006، بالإضافة إلى مواقفهم المشهورة ضد تزوير الانتخابات البرلمانية عام 2005، باشتراط تقدير "جيد" بدلا من "مقبول" للتعيين في النيابة العامة، وفقا للباحثة القانونية.

وتلفت منّة عمر إلى أن تعديل التعيين أتى بثماره، بحيث حمَّل القضاة "تيار الاستقلال" مسؤولية هذا التعديل الماس بمصالحهم في انتخابات النادي عام 2009، مما مهد لفوز المستشار أحمد الزند -من التيار المحافظ- المعروف بتصريحاته حول توريث القضاء بولايته الأولى.

المستشار أحمد الزند رئيس نادي القضاة في مصر
المستشار أحمد الزند من مؤيدي توريث القضاء (الجزيرة)

التحريات الأمنية

بعد اجتياز الاختبار النفسي، يتم إرسال ملف المُتقدم لمديرية الأمن التابع لها، وفقًا لمحمود الأمير. ثم تبدأ مرحلة التحريات الأمنية، حيث تُوضع بياناتك وبيانات أسرتك حتى الدرجة الثانية والثالثة، على جهاز تنفيذ الأحكام للكشف عليها في حال وجود قضايا، وهذا هو الشق الجنائي في عملية التحريات. ثم يأتي دور الأمن الوطني الذي يتحرى عن انتماءات أسرة المُتقدم وميولها السياسية.

ويرى المحامي في محاكم النقض والدستورية غلاب الحطاب أن النظام المتبع في التحريات الأمنية يُعطيها دورا مؤثرا بسبب التوسع فيها، وعدم قصرها داخل نطاق الأسرة الصغيرة (الأب والأم والأخوة فقط)، لأن التوسع في عملية التحريات يضر بالمُتقدم.

ويستند المحامي الحطاب على الأحكام الصادرة من مجلس الدولة التي أيدت قصر التحريات الأمنية على الأسرة الصغيرة فقط، وعدم الالتفات إلى التحريات الخاصة بالأعمام والأخوال وأبنائهم أو ما يُطلق عليها "الأسرة الكبيرة" .

النهاية.. استبعاد

بعدما اجتاز محمود الأمير كل هذه المراحل، انتظر وجود اسمه ضمن كشوف المقبولين بتعيينات النيابة العامة، لكن اسمه لم يكن موجودًا، وحلت بدلا عنه أسماء أخرى أقل منه في التقدير العام، كما يقول.

يذكر أن موعد صدور نتيجة القبول كان أحد أيام شهر رمضان، ولم يستطع إكمال يومه صائما بسبب وقع الصدمة على نفسه. تقدم لاحقا بتظلم لمعرفة السبب وراء تخطيه في التعيين، فكان رد اللجنة المشرفة بأنه "لم يجتز المقابلة الشخصية".

وتتشابه قصة محمود الأمير مع 7 حالات جمعها معدّ التحقيق تم استبعادها من التعيين في الهيئات القضائية (النيابة العامة، مجلس الدولة، هيئة قضايا الدولة) بسبب عدم اجتياز المقابلة الشخصية، رغم حصولها على تقديرات تتراوح بين جيد جدا وجيد بنسبة مرتفعة.

يكشف المحامي غلاب الخطاب أن اللجنة المشرفة على اختيارات النيابة العامة ترفض دوما إطلاع المحامي أو المتقدم الطاعن على قرار استبعاده على محضر المقابلة الشخصية، مشيرا إلى أن الرد غالبا ما يكون "المحضر ادشت" أي تم تمزيقه وإتلافه، رغم أن المحامي يطعن خلال 60 يومًا من تاريخ ظهور النتيجة.

كما تدعي اللجنة أحيانا أن هناك الكثير من الطاعنين الموجودين في المحضر الواحد ولا تستطيع تقديمه لمحام وحرمان الباقي، وفقًا لغلاب الحطاب، مضيفا "نطلب منهم نسخ 5 أو 6 صور رسمية من المحضر وختمهم وتقديمهم للطاعنين، لكنها ترفض، وأمام الإلحاح والإصرار، قد توافق هذه اللجنة على إعطاء الطاعن إفادة فقط".

ويلفت الحطاب إلى أنه خلال السنوات الأربع الأخيرة ابتدع قضاء مجلس الدولة معيارا جديدا للفصل في قضايا الطعن على الاستبعاد من تعيينات النيابة العامة، يقضي بالحكم لصالح الطاعنين إذا كان من أصحاب العشرة الأوائل على دفعته بالكلية سواء الحقوق أو الشريعة والقانون فقط، واستبعاد أي طعن آخر، حتى لو كان صاحبه حاصلا على امتياز مع مرتبة الشرف.

يختم محمود الأمير بقوله "مش (لن) أرفع دعوى، لأن محدش (لا أحد) كسب قضايا خالص، وبالنسبة للتظلمات أخذوا 10 من جامعة أسيوط منهم 4 أولاد قضاة و6 ضباط شرطة متخصصين".

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة "أريج"- إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية.

المصدر: الجزيرة