
من يختار الفائزين؟ "استغراب" يكشف الوجه الآخر للجوائز العالمية
في عالم تمتلئ شاشاته بحفلات التكريم وقوائم "الأفضل"، تبدو الجوائز العالمية وكأنها ميزان موضوعي يقيس الإبداع والإنجاز، لكن حلقة جديدة من برنامج "استغراب؟" تطرح سؤالا إشكاليا لافتا: هل تعكس هذه الجوائز التفوق الحقيقي، أم أنها تعبير عن موازين القوة والنفوذ في العالم؟
تنطلق الحلقة (يمكن مشاهدة الحلقة كاملة عبر هذا الرابط) من قصة رياضية شهيرة تعود إلى عام 1912، حين فاز العداء الأمريكي جيم ثورب -وهو من السكان الأصليين- بميداليتين ذهبيتين في أولمبياد ستوكهولم، ووصفه ملك السويد حينها بأنه أعظم رياضي في العالم.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsغير أن هذا المجد لم يدم طويلا؛ ففي العام التالي سحبت اللجنة الأولمبية ميدالياته بدعوى أنه خالف قواعد الهواة بعد أن لعب سابقا مقابل المال، وهو ما اعتبرته اللجنة انتهاكا "لنقاء الرياضة"، رغم أن لاعبين آخرين ارتكبوا الأمر ذاته دون أن يتعرضوا للعقوبة نفسها.
وبقي اسم ثورب محذوفا من السجلات الرسمية عقودا إلى أن اعترفت اللجنة الأولمبية بخطئها عام 1982 وأعادت الميداليات لعائلته بعد وفاته، وهو ما يثير سؤالا أعمق -بحسب الحلقة- عن المعايير التي تحدد النجاح: هل تُقاس بالإنجاز ذاته أم بالشخص الذي يحققه؟
ومن هذه القصة ينتقل البرنامج إلى تفكيك فكرة "الأفضل" التي تقوم عليها معظم الجوائز العالمية، متسائلا عما إذا كان بالإمكان فعلا الاتفاق على معيار موضوعي للجودة في مجالات مثل الفن والأدب والسينما.
وتشير الحلقة إلى أن الدراسات النفسية والثقافية تظهر اختلافا كبيرا في تقييم الجمال والأعمال الفنية بين الشعوب، إذ توصلت تجربة قارنت بين تقييمات ألمان ويابانيين لبعض اللوحات إلى أن كل مجموعة ركزت على عناصر مختلفة تماما عند الحكم على العمل نفسه.
هذه الفروق الثقافية تجعل فكرة "الأفضل مطلقا" شبه مستحيلة، لذلك تعتمد الجوائز الكبرى -مثل الأوسكار– على مبدأ الإجماع بدلا من التفوق الفردي، حيث يُطلب من أعضاء الأكاديمية ترتيب الأفلام المرشحة وفق الأفضلية بدلا من اختيار فيلم واحد فقط.
ويعني ذلك أن الفيلم الفائز قد لا يكون الأكثر حصولا على المركز الأول في التصويت، بل الفيلم الذي يحظى بقبول أوسع لدى أغلب المصوتين حتى لو جاء في المرتبة الثانية أو الثالثة لديهم، وهو نظام يفضّل الأعمال التي لا تثير انقساما حادا بين أعضاء اللجنة.
فوز الأفلام الآمنة
ويرى البرنامج أن هذه الآلية تفسر فوز أفلام "آمنة" أو تقليدية أحيانا على حساب أعمال أكثر جرأة أو تعقيدا، كما حدث عام 2018 حين فاز فيلم "Green Book" بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم رغم أن فيلما مثل "Roma" حظي بإشادة نقدية واسعة.
ويضيف أن العوامل الفنية ليست وحدها المؤثرة في الاختيارات، إذ تؤدي السياقات السياسية والثقافية دورا بارزا في تحديد الأعمال التي تحظى بالدعم، خصوصا عندما تتناول موضوعات مثل العنصرية أو قضايا الأقليات.
غير أن هذا الاتجاه لم يكن سائدا منذ بداية جوائز الأوسكار عام 1929، حيث كانت غالبية الجوائز تذهب إلى ممثلين ومخرجين من الرجال البيض، كما كانت عضوية الأكاديمية نفسها تفتقر إلى التنوع العرقي والنوعي.
وتغير هذا الواقع تدريجيا بعد حملة واسعة عام 2015 حملت وسم "#OscarsSoWhite"، انتقدت غياب التنوع في ترشيحات التمثيل بعدما ضمت القائمة مرشحين بيضا فقط رغم نجاح أفلام عديدة شارك فيها ممثلون من خلفيات مختلفة.
وتحت ضغط الانتقادات، بدأت الأكاديمية في تعديل قواعدها، فظهرت معايير تعرف باسم "متطلبات التنوع والشمول" (DEI)، تفرض على الأفلام الراغبة في المنافسة على جائزة أفضل فيلم تحقيق شروط تتعلق بتمثيل الأقليات داخل العمل أو في فريق الإنتاج.
ويرى مؤيدو هذه السياسات أنها تصحح اختلالات تاريخية في صناعة السينما، لكن منتقدين يعتبرونها قيودا قد تدفع صناع الأفلام إلى التركيز على الرسائل السياسية بدلا من الجودة الفنية.
وبحسب الحلقة، فإن هذه التحولات تعزز فكرة أن الجوائز لا تكتفي بتقييم الأعمال، بل تساهم أيضا في توجيه صناعة الثقافة، عبر مكافأة أنماط معينة من القصص والشخصيات على حساب غيرها.
ولا يقتصر هذا الجدل على عالم السينما؛ فحتى جائزة نوبل، التي يفترض أنها تكافئ الإنجازات الإنسانية بعيدا عن السياسة، تعرضت بدورها لانتقادات متكررة منذ بداياتها.
مبرر المثالية الأخلاقية
فأول جائزة نوبل في الأدب عام 1901 مُنحت للشاعر الفرنسي سولي برودوم، رغم أن كثيرين رأوا أن كتابا آخرين كانوا أكثر استحقاقا، بينما بررت اللجنة اختيارها بالإشارة إلى "مثاليته الأخلاقية"، وهو تبرير أثار تساؤلات حول المعايير المعتمدة.
وقد أشار المفكر العربي عباس محمود العقاد في كتابه "جوائز الأدب العالمية" إلى أن اختيارات الجائزة غالبا ما ترتبط بشخصية الكاتب ومواقفه أكثر من ارتباطها بقيمة العمل الأدبي نفسه.
وتستعرض الحلقة حالات أخرى أثارت الجدل، مثل منح جائزة نوبل للأدب عام 1953 لرئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل تقديرا لكتاباته وخطبه السياسية، رغم الانتقادات الموجهة إلى مواقفه الاستعمارية وتصريحاته المثيرة للجدل.
كما تثير جائزة نوبل للسلام تساؤلات مشابهة، خاصة بعد منحها عام 1973 لوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، وهو قرار دفع بعض أعضاء اللجنة إلى الاستقالة احتجاجا على الدور الذي أدته سياساته في حروب عدة.
ولا يقف الجدل عند الماضي، إذ تشير الحلقة إلى أن اختيارات الجائزة كثيرا ما تُفسَّر في ضوء التوازنات السياسية الدولية، خاصة مع التفاوت الكبير في عدد الفائزين بين الدول والمناطق المختلفة.
وتعود الحلقة في ختامها إلى الرياضة، لتشير إلى أن اللجنة الأولمبية الدولية تعلن دائما سعيها للفصل بين الرياضة والسياسة، لكن الواقع يكشف أن هذا الفصل ليس دائما واضحا.
ففي أولمبياد باريس 2024، مُنعت روسيا من المشاركة بسبب حربها على أوكرانيا، في حين شاركت دول أخرى رغم اتهامات موجهة إليها بارتكاب انتهاكات جسيمة، وهو ما يعيد النقاش حول مدى حياد المؤسسات الرياضية الدولية.
وبين الأوسكار ونوبل والأولمبياد، يخلص البرنامج إلى أن الجوائز العالمية لا تعمل دائما بوصفها مرآة محايدة للإنجاز، بل قد تتحول في كثير من الأحيان إلى أدوات تعكس موازين القوة في العالم.