الشريعة والحياة في رمضان

الصادات الأربع.. كيف يبني رمضان الإنسان من الداخل؟

يوضح أستاذ التفسير وعلوم القرآن في جامعة الجزائر الدكتور عبد الحليم قابة خلال برنامج “الشريعة والحياة”، أن أربع عبادات كبرى تجتمع خلال شهر رمضان المبارك.

 

وتشكّل في مجموعها منظومة تربوية متكاملة لبناء الإنسان روحا وجسدا وسلوكا؛ هي الصيام والصلاة والصدقة والصبر، وقد استأثرت هذه "الصادات الأربع" بالنقاش في الحلقة -التي يمكن متابعتها من هذا الرابط– كاشفةً عن ترابط عميق بين هذه العبادات لا يمكن فهم إحداها بمعزل عن الأخرى.

ويرى قابة أن هذه العبادات ليست متوازية بل متسلسلة في بنائها التربوي؛ إذ يمثّل الصيام تخليةً للنفس وتطهيرا لها، فيما تمثّل الصلاة تحليةً وغذاءً للروح وتعظيما لله في القلوب، أما الصدقة فتأتي لتطهير النفس من داء الشح وتحليتها بخلق البذل والإيثار، ولا يقوم كل ذلك إلا على ركيزة الصبر الذي هو ملاك هذه العبادات جميعها.

وفي السياق ذاته، توقف قابة عند الآية الكريمة "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ" (سورة البقرة/ من الآية 45)، مستخلصا أن تقديم الصبر على الصلاة ليس اعتباطا، بل لأن الصبر شرط لازم لتحقيق الخشوع الذي هو جوهر الصلاة، فمن دون صبر لا يستطيع المرء أن يصلي صلاة الخاشعين ولا أن يقاوم وساوس الشياطين التي تسعى إلى صرفه عن المناجاة.

وفيما يتعلق بالصيام، سلّط الضوء على "فقه الامتناع" بوصفه الحكمة الجوهرية من فريضة الصوم؛ فالصائم يتدرب على مخالفة هواه والامتناع عن المباحات قبل المحرمات، مما يُرسّخ في نفسه ملكة التقوى التي نصّت عليها الآية الكريمة "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (سورة البقرة/ من الآية 183) غايةً صريحة لتشريع الصيام.

عبادة سرية

وأضاف أن الصوم عبادة سرية بين العبد وربه، وهو ما يفسّر الحديث القدسي "الصوم لي وأنا أجزي به"، إذ لا مجال فيه للرياء الذي يُفسد سائر العبادات.

وفيما يخص فضل الصلاة في رمضان تحديدا، أشار قابة إلى أن الفريضة في هذا الشهر تعدل 70 فريضة في غيره، داعيا إلى الحرص على صلاة الجماعة ولما تتضاعف فيه الأجور، ولفت إلى أن الجمع بين الصيام وتلاوة القرآن في الصلاة مع حضور القلب يُحقق أعلى درجات القُربة إلى الله في آنٍ واحد.

وشدّد قابة على أن الصحبة الصالحة تمثّل "صادا إضافية" تُقوّي الإنسان على الصبر والثبات، مستدلاً بقوله تعالى "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ" (سورة الكهف/ من الآية 28).

وختم بالتأكيد على أن الثبات بعد رمضان لا يتحقق إلا بالمواظبة على صلاة الجماعة والذكر والدعاء بالثبات ومصاحبة الصالحين، لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء.

المصدر: الجزيرة