الثورة الإيرانية.. الطريق إلى جمهورية ولاية الفقيه

حفظ

TOPSHOT - A woman poses with the pictures of Iran's late and current supreme leaders, Ayatollah Ruhollah Khomeini and Ayatollah Ali Khamenei, as she stands before an installation depicting the Iranian flag, during a rally marking the 47th anniversary of the 1979 Islamic revolution, in Tehran on February 11, 2026.
امرأة ترفع صورتي خميني (يمين) وخامنئي خلال مسيرة بمناسبة الذكرى 47 للثورة في طهران (الفرنسية)

ثورة شعبية أطاحت بالنظام الملكي في إيران عام 1979، بعد مسار احتجاجي متصاعد شاركت فيه معظم تيارات المجتمع وشرائحه، وانتهى بسقوط الشاه محمد رضا بهلوي وقيام "الجمهورية الإسلامية" المؤسسة على نظرية "ولاية الفقيه".

لم تكن هذه الثورة حدثا منفصلا عن سياقه، بل حصيلة تداخل بين أزمة سياسية وهيمنة أمنية وتحولات اجتماعية واقتصادية سريعة، مع قدرة تعبئة كبيرة امتلكتها المؤسسة الدينية وشبكاتها.

استمرت أحداث الثورة الإيرانية الحاسمة قرابة 16 شهرا، وقدّمت عشرات الآلاف من القتلى، وشكلت تحولا سياسيا إقليميا وحدثا تاريخيا وإستراتيجيا شغل العالم.

Iranian protesters hold their country's flags and posters of the late revolutionary founder Ayatollah Khomeini and Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei in an anti-U.S. and anti-Israeli rally at Enqelab-e-Eslami (Islamic Revolution) square in downtown Tehran, Iran, Tuesday, June 24, 2025. (AP Photo/Vahid Salemi)
إيرانيون يرفعون أعلام بلادهم وصور الخميني وخامنئي وسط طهران عام 2025 (أسوشيتد برس)

الأسباب المباشرة.. لماذا اندلعت الثورة؟

لا يمكن نسبة اندلاع الثورة الإيرانية إلى عامل محدد، بل اجتمعت فيها العديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، التي شكلت مجتمعة شرارة انطلاقها.

  • عامل اجتماعي واقتصادي: تفاوت اقتصادي وفجوات

شهدت إيران في عهد الشاه سياسات تحديث اقتصادي وتنموي ارتبطت بعوائد النفط وبمشاريع تصنيع وبنى تحتية، لكن التحوّل السريع لم ينتج شعورا عاما بالاستقرار، فقد اتسعت الفوارق الاجتماعية، وازدادت حدة التفاوت بين طبقات تستفيد من الاقتصاد الجديد وقطاعات تشعر بأنها تدفع إلى الهامش.

رافق ذلك اتهامات واسعة بتفشي الفساد وتزاوج النفوذ بالمال وامتيازات دوائر قريبة من الحكم، وهذه الاتهامات شكلت رافعة مهمة في خطاب المعارضين، خصوصا مع تنامي شعور بأن الدولة تعيد تشكيل المجتمع من أعلى، من دون مشاركة سياسية حقيقية أو ضمانات اجتماعية كافية.

هذا إضافة إلى تزايد التضخم الاقتصادي وارتفاع درجة الفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما شكل عاملا أساسيا في انفجار موجات الاحتجاج التي تجمعت بتوالي السنوات حتى انفجرت في أحداث ثورة عارمة متلاحقة.

إعلان
  • عامل سياسي وأمني: مجال عام مغلق

على المستوى السياسي، برزت أزمة التمثيل والتعددية، وتكرّست سياسة الحزب الواحد، حزب رستاخيز (البعث) الحاكم، وضاقت قنوات العمل السياسي وازدادت الرقابة على الإعلام والمعارضة، وتحوّل الاحتجاج تدريجيا من محاولة للتأثير داخل النظام إلى مواجهة معه في الشارع.

في هذا السياق، برز اسم جهاز "السافاك" بوصفه رمزا للبطش والملاحقة وإثارة الذعر في المجتمع، بناء على سرديات معارضي الشاه، مما عمق حالة الخوف والغضب وأضعف إمكانية بناء تسويات سياسية. وعندما تغلق السياسة أبوابها، تصبح المظاهرات والاضرابات مساحة التعبير الأبرز، ويغدو التصعيد أكثر احتمالا.

  • عامل ديني: مؤسسة قادرة على التعبئة

تاريخيا، لم تكن المؤسسة الدينية الشيعية بعيدة عن السياسة في إيران، وقد تجلى نفوذها في محطات سابقة، ثم تجدد صدامها مع مشروع الشاه المعروف بـ"الثورة البيضاء" عام 1963، الذي رأى فيه معارضون خطرا على الهوية الدينية وموقع رجال الدين، إضافة إلى ما اعتبروه ارتهانا متزايدا للغرب.

في تلك المرحلة برز روح الله الخميني كأحد أبرز أصوات المعارضة، وأودع السجن، فاجتمع كبار المراجع وأعلنوا ترقيته إلى رتبة "آية الله العظمى"، واكتسب بذلك حصانة تمنع سجن المراجع الدينية، وتكرس دوره السياسي الديني مما بوأه مكانة مرموقة في الدفع بالاحتجاجات الشعبية على نظام الشاه.

ومع احتدام المواجهة، خرج الخميني عام 1964 إلى المنفى في تركيا ثم العراق التي قضى فيها 14 عاما، قبل أن يستقر لفترة قصيرة في فرنسا أواخر 1978، ومن هناك حافظ على تأثيره في الداخل عبر خطابات ورسائل وأشرطة مسجلة، ثم عاد إلى طهران في 1 فبراير/شباط 1979 في لحظة فرّ فيها الشاه وكانت السلطة تترنح.

TEHRAN, IRAN - FEBRUARY 1: Military forces participate in the ceremony marking Khomeini's entry into Iran at the shrine of Ayatollah Khomeini in south Tehran on February 1, 2026 in Tehran, Iran. Iranians are marking the 47th anniversary of the 1979 Iranian Revolution, which saw the return of Ayatollah Khomeini from exile and culminated in the ousting of the Western-backed Shah of Iran, Mohammad Reza Pahlavi. Commemorative events are taking place amid the backdrop of rising tensions with the United States, as US President Donald Trump threatens military action over Iran's nuclear ambitions and deadly crackdown on recent anti-government protests. (Photo by Majid Saeedi/Getty Images)
القوات العسكرية شاركت في مراسم إحياء ذكرى دخول الخميني إلى إيران في الأول من فبراير/شباط 2026 (غيتي إيميجز)

قوى الثورة.. تحالف واسع فوق تناقضات عميقة

لم تكن الثورة في بدايتها فعلا لتيار واحد، بل شاركت فيها قوى عديدة متباينة، إسلامية وليبرالية ويسارية، رغم خلافاتها الفكرية والعقائدية وأهدافها الاستراتيجية وخططها التكتيكية.

ويمكن تلخيص المشهد في ثلاثة تيارات عريضة:

  • تيار ليبرالي وقومي، ركز على فكرة الدولة الحديثة وتوسيع الحريات وبناء مؤسسات منتخبة، ومن رموزه: شابور بختيار، والمهندس مهدي بازركان الذي تولى رئاسة الحكومة المؤقتة بعد سقوط الشاه.
  • تيار يساري، ضمّ فصائل ماركسية واشتراكية وتنظيمات راديكالية، ورفع خطاب العدالة الاجتماعية ومناهضة النفوذ الغربي، واختلف داخله بين من يراهن على العمل السياسي ومن يرى في العمل المسلح طريقا للتغيير.
  • تيار إسلامي، امتلك شبكة تنظيمية واسعة عبر المساجد والحسينيات والحوزات، وقدم تصوّرا للحكم بعد الشاه، تمثل لاحقا في تكريس "ولاية الفقيه" ضمن بنية الدولة الجديدة.

اتفق هذا التحالف الواسع على هدف إسقاط الشاه، لكنه لم يكن متفقا على شكل الدولة بعد إسقاطه. وقد ظهرت آثار هذا التباين بوضوح في السنوات الأولى للجمهورية.

أدوات الضغط: مظاهرات وإضرابات وعصيان مدني

اعتمدت قوى الثورة على أشكال متعددة من التعبئة، وكانت المظاهرات هي الأداة الأكثر وضوحا، لكن الإضرابات لعبت أيضا دورا حاسما في إنهاك نظام الشاه، خصوصا حين امتدت إلى قطاعات حيوية مثل النفط والنقل وبعض مرافق الدولة.

إعلان

ومع اتساع رقعة الاحتجاج، ظهر ما يشبه التنظيم الموازي في بعض المدن: لجان تساعد في إدارة الاحتجاج وتنسيق الإضرابات وتوفير احتياجات أساسية، مما منح الحركة الثورية قدرة أكبر على الاستمرار، وأضعف في المقابل هيبة السلطة وقدرتها على ضبط الشارع.

وشهدت سنوات ما قبل 1979 اختلافا داخل المعارضة حول الوسائل. فبعض التنظيمات اليسارية تبنت العمل المسلح في مراحل معينة، في المقابل دفع الخميني باتجاه تجنب الصدام المباشر مع الجيش، والسعي إلى تحييده أو كسبه خطابيا عبر التمييز بين الشعب وقيادة النظام، في محاولة لقطع الطريق أمام سردية الدولة التي تصف المحتجين بأنهم "مخربون". وكان الخميني الذي يحرّك الشارع بأشرطته المهربة من منفاه، يسمي أفراد الجيش "جنود الله المستضعفين"، وقد اتخذت قوى الثورة تدابير لحماية من ينشقون عن النظام وتأمينهم.

لم يمنع هذا الخلاف بين قوى الثورة من تعاظم موجات الاحتجاج، لكنه يفسر لماذا انتهت الثورة إلى لحظة حاسمة حين أعلن الجيش "الحياد" في فبراير/شباط 1979، وهو الإعلان الذي عجّل بسقوط النظام.

Iranian women pose for a picture as they attend the 47th anniversary of the Islamic Revolution in Tehran, Iran February 11, 2026. Majid Asgaripour/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY TPX IMAGES OF THE DAY
إيرانيات أثناء مشاركتهن في إحياء الذكرى 47 للثورة الإسلامية في طهران عام 2026 (رويترز)

محطات مفصلية.. من التصعيد إلى السقوط

1977: بدايات التسارع

مع أواخر 1977 بدأت وتيرة الاحتجاج تتسع، وتأججت جذوتها يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 1977 مع مقتل "مصطفى" الابن البكر للخميني في النجف على أيدي من قيل إنهم "عملاء" لأمن الشاه، فخرج الآلاف من أنصار والده في المدن الإيرانية للمشاركة في تأبينه رافعين شعار "الموت للشاه"، ووصف الخميني هذه المظاهرات بأنها "صحوة إيران".

واجهت قوات الأمن المتظاهرين بالقوة المفرطة، فوجّه الفقهاء انتقادات لاذعة للنظام، وقدموا له عريضة مطلبية من أبرز بنودها: السماح بعودة الخميني من المنفى، والإفراج عن المعتقلين، وضمان حرية التعبير، لكنهم لم يدعوا إلى "إسقاط النظام".

وفي يونيو/حزيران 1978، دعا قادة الثورة جماهير الشعب إلى وقف التظاهر وتنفيذ إضراب عام بالبقاء داخل منازلهم، وذلك للتخفيف من أثر حدة القمع الأمني على تعاطف الشارع مع الثورة.

وقاد ما سبق الشاه في صيف 1978 إلى الإعلان عن استعداده إتاحة المزيد من الحريات السياسية والدعوة إلى إجراء انتخابات حرة مبكرة خلال عام، لكن هذه الوعود لم تكن كافية لامتصاص الغضب، وقابلها قادة المعارضة بالدفع نحو استمرار الاحتجاج واعتبار تنازلات الشاه المحدودة محاولة لكسب الوقت. ومع كل موجة قمع، كان الشارع يزداد تصلبا، وتتعاظم رمزية الضحايا في خطاب الثورة.

1978.. نقطة اللاعودة

تعدّ أحداث "الجمعة السوداء" يوم 8 سبتمبر/أيلول 1978، من أكثر محطات الثورة حساسية وجدلا. فبعد إعلان الأحكام العرفية، فتحت قوات النظام النار على متظاهرين بطهران في منطقة ساحة جاله التي سميت لاحقا "ميدان الشهداء"، مما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا، وأسهم في كسر ما تبقى من فرص للتسوية السياسية، ودفع قطاعات أوسع إلى القناعة بأن المواجهة باتت وجودية.

وقد اختلفت الروايات اختلافا كبيرا بشأن أعداد الضحايا، فبعض التقديرات تحدثت عن عشرات أو نحو مئة قتيل أو أكثر قليلا، بينما ذهبت روايات أخرى إلى أرقام أعلى بكثير وصلت إلى حوالي 4500 قتيل. ونظرا لتباين المصادر والمنهجيات، فإنه يصعب تثبيت عدد نهائي يكون محل إجماع، غير أن الأعداد كانت كبيرا، مما جعل أحداث الجمعة السوداء محطة فارقة في تاريخ الثورة الإيرانية.

نهاية 1978.. إضرابات تشلّ الدولة

مع اتساع الإضرابات، خصوصا في القطاعات الاستراتيجية كالطيران والجمارك والبنوك، بدأت الدولة تبدو عاجزة عن إدارة الاقتصاد والحياة اليومية. فأخذت مؤسسات حيوية تعمل بالحد الأدنى، وتزايدت الضغوط على الشاه، في وقت كانت المعارضة فيه ترفع سقف مطالبها وتتعامل مع أي تراجع من الدولة بوصفه دليلا على ضعفها.

إعلان

وفي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1978، نظم طلاب جامعة طهران مسيرات شهدت مصادمات عنيفة مع الأمن قتل فيها عدد من الطلاب، وأعقبتها أعمال شغب أحرقت فيها المباني المجاورة للجامعة، فأعلن الشاه عزل الحكومة المدنية وعين مكانها حكومة عسكرية وأمر باعتقال العشرات من قيادات الثورة.

ومع استمرار الاحتجاجات، أعلن الشاه -في نهاية 1978- استعداده لتسليم منصب رئاسة الوزراء للمعارضة، لكنّ الخميني رفض العرض ودعا إلى مواصلة المظاهرات في أنحاء البلاد.

مطلع 1979: نهاية نظام الشاه السريعة

يوم 16 يناير/كانون الثاني 1979 غادر الشاه البلاد بذريعة العلاج، بعد أن عيّن شابور بختيار -أحد قادة "الجبهة الوطنية" المعارضة- رئيسا جديدا للوزراء، ثم عاد الخميني إلى طهران يوم 1 فبراير/شباط 1979، وسط استقبال شعبي حاشد.

وتلت ذلك أيام مضطربة، شهدت ازدواجية في السلطة بين الحكومة الرسمية ومحاولات ثورية لإدارة المرحلة. فقد عيّن الخميني المهندس مهدي بازركان -أحد قادة "الجبهة الوطنية" المعارضة أيضا- رئيسا لحكومة الثورة المؤقتة، لكنه لم يتسلم منصبه إلا يوم 11 من الشهر نفسه بسبب امتناع بختيار عن الاستقالة.

وفي 11 فبراير/شباط 1979، أعلن رئيس أركان القوات المسلح "حياد الجيش" الجيش حياده في الصراع، وكان ذلك بمثابة إعلان سقوط النظام الملكي، واكتمال التحول من احتجاج متصاعد إلى ثورة منتصرة.

من الثورة إلى الدولة.. الاستفتاء والدستور والمؤسسات

بعد سقوط الشاه، لم تكن المهمة سهلة. فالثورة التي جمعت تيارات متعددة واجهت سؤالا مباشرا: ما شكل الدولة الجديدة؟ وهو ما قاد لاحقا إلى استفتاء على شكل النظام في 1 أبريل/نيسان 1979، وأعلنت نتيجته الرسمية تأييد الإيرانيين لقيام "الجمهورية الإسلامية" بنسبة 98%.

ثم بدأت في العام نفسه عملية بناء المؤسسات: فتشكلت أجهزة جديدة لحماية النظام، إذ أعلن عن تأسيس "الحرس الثوري" في 5 مايو/أيار كقوة محورية، كما انتخب "مجلس الخبراء" لأول مرة في 3 يوليو/تموز، وكُلّف بصياغة الدستور الذي أقر باستفتاء شعبي يوم 1 ديسمبر/كانون الأول، ليكرس "ولاية الفقيه" موقعا مركزيا في بنية الحكم، ويعيد تعريف العلاقة بين السلطات والمؤسسات.

BLOGS - IRAN
مشهد تمثيلي لمحاكاة عودة الخميني من منفاه في باريس إيذانا بانتصار الثورة (رويترز)

تحديات كبرى

ولم تكد الجمهورية الإسلامية تولد حتى واجهت تحديات كبرى: فداخليا ظهرت صراعات سياسية على النفوذ واتجاه الدولة، وخارجيا دخلت إيران بسرعة في مواجهات حادة، من أبرزها أزمة رهائن السفارة الأمريكية في طهران أواخر 1979، ثم الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) التي كانت التحدي الأكبر للنظام الوليد، ورسخت كثيرا من سماته الأمنية والسياسية والاقتصادية.

لقد كانت الثورة الإيرانية حصيلة تداخل اقتصاد متوتر وسياسة مغلقة واحتجاج اجتماعي، مع قدرة تعبئة دينية وتنظيمية كبيرة، بدأت كتحالف واسع ضد الشاه، لكنها انتهت إلى قيام دولة جديدة رجحت فيها كفة التيار الإسلامي، وتكرست فيها "ولاية الفقيه" كإطار حاكم، ومنذ ذلك الحين لم تعد الثورة حدثا تاريخيا فحسب، بل تحوّلت إلى مرجعية سياسية حاضرة في الداخل الإيراني وفي علاقات إيران الإقليمية والدولية.

المصدر: الجزيرة
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان