تحذيرات من اندلاع حروب جديدة بسبب تداعيات حرب إيران

حفظ

التقارير تحذر من أن الدول التي تعاني من اضطرابات بالفعل ستتعرض لصدمات أقوى (رويترز)

امتدت آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران إلى الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي، وانعكست بشكل مباشر على حياة ملايين العمال والفئات الهشة في دول بعيدة عن ساحة القتال، عادة ما تكون غائبة في التغطية العالمية.

وفي تقارير متزامنة نشرتها صحف بريطانية هي إندبندنت وآي بيبر وفايننشال تايمز، برزت صورة متكاملة للثمن الخفي في الحرب.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وقد كانت للهجوم الأمريكي الإسرائيلي آثار واسعة على عالم مترابط سياسيا واقتصاديا، إذ تضررت الطبقة العاملة في بعض بلاد آسيا، وحذر مستثمرون من ندوب طويلة الأمد في الأسواق العالمية، بينما ظهرت تحذيرات من أن حرب إيران ستشعل صراعات جديدة حول العالم.

A farmer applies anhydrous ammonia fertilizer to a field near Gretna, Neb., Monday, April 6, 2015. (AP Photo/Nati Harnik)
وقف إطلاق النار لن ينهي أزمة الأسمدة والوقود وفق تقارير (أسوشيتد برس)

الغذاء والاستقرار السياسي

ويتناول تقرير آي بيبر التبعات الكارثية غير المباشرة لحرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في إيران، على الأمن الغذائي العالمي.

ويحذر من أن وقف إطلاق النار الهش لن ينهي الأزمة الحقيقية المتمثلة في نقص الأسمدة والوقود، مما قد يشعل حروبا وصراعات ثانوية في مناطق مضطربة أصلا.

هناك ارتباط وثيق بين الاضطرابات المدنية وأسعار المواد الغذائية

بواسطة كريس باريت، أستاذ الزراعة الدولية في جامعة كورنيل

فرغم الاتفاق على وقف إطلاق النار أسبوعين، فإن إيران لا تزال تفرض سيطرتها على مضيق هرمز وتهدد بفرض رسوم عبور.

ويمر عبر المضيق الحيوي 30% من نفط العالم و25% من الغاز الطبيعي، ولكن ما يغفله الكثيرون هو أن 35% من الأسمدة المنقولة بحرا تمر عبر المضيق أيضا، مما يجعله ركيزة أساسية في إدارة المحصولات والأمن الغذائي العالمي.

ومنذ بدء الصراع، بحسب آي بيبر، ارتفعت أسعار اليوريا بنحو 70% والأمونيا بنسبة 39%، وهي عناصر أساسية لإنتاج الغذاء العالمي.

A farmer ploughs a field on his tractor in Shendi, located on the banks of the Nile 190 kilometres (120 miles) from Khartoum, on October 5, 2023. - Sudan is among the countries hardest hit by climate change, and in the some regions, the rise in recorded temperatures is double the world average, according to the UN's Food and Agriculture Organisation. (Photo by AFP)
الأزمات الغذائية في السودان قد تؤدي إلى اضطرابات وفق توقع باريت (الفرنسية)

"الجائعون غاضبون"

ونقل التقرير عن خبراء تحذيراتهم من العلاقة الوثيقة بين الجوع والاضطرابات، إذ قال كريس باريت، أستاذ الزراعة الدولية في جامعة كورنيل، إن "الناس الجائعين هم بطبيعة الحال أناس غاضبون".

إعلان

وأوضح أن "هناك ارتباطا وثيقا بين الاضطرابات المدنية وأسعار المواد الغذائية"، فانعدام الأمن الغذائي يؤدي غالبا إلى زعزعة  الاستقرار السياسي والاجتماعي، وقد يتحول إلى صراعات مفتوحة.

في 2011 عند اندلاع الربيع العربي، وكذلك أثناء أزمة الغذاء عام 2008، أدى ارتفاع الأسعار إلى احتجاجات واسعة وسقوط حكومات

واستشهد بما حصل في 2011 عند اندلاع الربيع العربي، وكذلك أثناء أزمة الغذاء عام 2008، عندما أدى ارتفاع الأسعار إلى احتجاجات واسعة وسقوط حكومات.

وقال إن "الحكومات التي لم تكن توفر شبكة أمان فعّالة لشعوبها، واجهت فجأة اضطرابات محلية، وخرج الناس إلى الشوارع بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، واستغلت جماعات المعارضة الوضع للقتال ضد الحكومات، وأطاحت بها".

A person holds a pot on their head as Palestinians wait to receive food from a charity kitchen after the global hunger monitor, Integrated Food Security Phase Classification (IPC), said that Gaza City and surrounding areas are officially suffering from famine that will likely spread, in Gaza City, August 28, 2025. REUTERS/Mahmoud Issa
المجاعة في فلسطين ودول أخرى تجعلها من أكبر المتضررين (رويترز)

وأشار إلى أن الظروف الحالية قد تعيد إنتاج الاضطرابات التي شهدها العالم حينها، خاصة في بلدان تشهد اضطرابات بالفعل، ولكن على نطاق أوسع وأكثر تعقيدا.

وكشف التقرير أن نحو 670 مليون شخص حول العالم يعانون حاليا من الجوع، مع تحذيرات من برنامج الغذاء العالمي من أن استمرار الأزمة قد يدفع 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي العام الجاري.

بؤر الانفجار

وقدم التقرير قائمة بـ"بؤر الانفجار" المتوقعة، استنادا إلى باريت:

  1. السودان وجنوب السودان: وصف التقرير الوضع هناك بالكارثي؛ إذ يعاني السودان أصلا من حرب. وبحسب الأمم المتحدة، جاءت حوالي 54% من واردات السودان من الأسمدة من منطقة الخليج العربي العام الماضي.
    ومع تعطل الشحن في البحر الأحمر بسبب مشاركة جماعة أنصار الله (الحوثيين) في القتال، وإغلاق مضيق هرمز، فقد البلد -الذي تعاني بعض مناطقه من المجاعة– أي قدرة على امتصاص الصدمة.
  2. منطقة الساحل ووسط أفريقيا: من المتوقع نشوب نزاعات جديدة في مالي وشمال شرق نيجيريا وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بسبب تراكم تكاليف الشحن وزيادة أسعار الذرة عالميا، مما سيؤدي بالضرورة إلى تفاقم أزمة الجوع، بحسب باريت.
  3. مالي وغزة واليمن: هذه المناطق تعيش بالفعل في المرحلة الخامسة من التصنيف العالمي للأمن الغذائي، وهي مرحلة "المجاعة المؤكدة"، مما يفاقم الضغوط عليها.
Asha Kano Kavi, an internally displaced woman from Kadugli, serves wild boiled leaves for food to orphaned children at the Bruam IDP Camp within the Sudan's People Liberation Movement-North (SPLM-N) controlled area in Tobo County in the Nuba Mountains, South Kordofan, Sudan June 22, 2024. REUTERS/Thomas Mukoya
مخيم بروام للنازحين داخل منطقة سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2024 (رويترز)

ويخلص التقرير إلى أن الحرب على إيران لم تعد مجرد صراع عسكري محدود، بل تحولت إلى عامل ضغط عالمي يهدد استقرار دول بأكملها، عبر مضيق هرمز بوابة الغذاء.

ويبدو أن وقف إطلاق النار الحالي، غير كاف لمنع تداعيات قد تعيد تشكيل خريطة الصراعات في العالم.

الهند نموذجا

وتتجلى آثار إغلاق المضيق أيضا في الهند، حيث تتكشف موجة هجرة ضخمة للعمال من المدن الكبيرة، حيث العمل والربح، إلى الصغيرة، التي عادة ما تكون مسقط رأسهم.

وأكد تقرير إندبندنت -بقلم المراسلة في نيودلهي شويتا شارما- أن المشهد يعيد إلى الأذهان الآثار الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا.

الهند تعتمد على الاستيراد لتلبية نحو 60% من احتياجاتها، و90% من هذه الكمية تمر بالمضيق

وأوضح أن السبب الرئيسي للنزوح -من المدن الاقتصادية وعلى رأسها نيودلهي- يعود إلى أزمة غاز الطهي الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز في سياق الحرب الإسرائيلية والأمريكية على إيران، مما أدى إلى نقص حاد في الغاز المنزلي بالهند.

إعلان

وأضاف أن البلاد تعتمد على الاستيراد لتلبية نحو 60% من احتياجاتها، و90% من هذه الكمية تمر بالمضيق.

أسعار الغاز ارتفعت بشدة في نيودلهي مما أثر على الكثير من العوائل (الأناضول)

ومع استمرار الإغلاق وارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، تحولت أسطوانات الغاز إلى سلعة نادرة ومكلفة، مما أدى إلى ازدهار السوق السوداء.

"ظلم بيّنٌ"

وبينما تُصرّ الحكومة الهندية على أن إمداداتها من الغاز المسال مستقرة وكافية، وتزعم الشرطة أنها تُكثّف جهودها لمكافحة السوق السوداء، فإن أنظمة التوزيع الموجودة لا تدعم المهاجرين، مما يجعلهم من أكبر الفئات المتضررة.

فالنظام الرسمي للتوزيع يتطلب "إثبات سكن" لتسجيل اشتراك قانوني والحصول على الغاز، وهو ما يفتقر له المهاجرون الذين يعيشون في غرف مؤقتة، بحسب التقرير.

وشبّه نيرمال غورانا، منسق اللجنة الوطنية لحملة القضاء على العمل الجبري، الوضع بالكارثة، مشيرا إلى فشل الحكومة في تسجيل العمال غير المنظمين بشكل صحيح بموجب قانون العمال المهاجرين بين الولايات لعام 1979.

وقال للصحيفة "ما يحصل ظلمٌ بيّنٌ بحقّ العمال المهاجرين، إذ تعجز الحكومة عن ضمان تسجيلهم بشكلٍ صحيحٍ ودقيق. وتصحيح الوضع سيكون خطوة أولى في سبيل استعادة كرامة هذه القوة العاملة التي تُعدّ ركيزةً أساسيةً لمدننا".

العمال في الهند يعتمدون على الأجور اليومية لتأمين مستلزمات حياتهم (الأناضول)

"لا نريد أن نموت جوعا"

وأوضح التقرير أن العمال يعتمدون على الأجور اليومية لتأمين مستلزمات حياتهم، ومن ثم لم يعودوا قادرين على تأمين ضروريات الغذاء في ظل ارتفاع الأسعار.

ونقل عن العامل روشان كومار قوله إن أجره اليومي لم يعد يكفي حتى لشراء أسطوانة غاز صغيرة، مضيفا: "الآن قد أضطر إلى التسول لكي آكل".

لا نريد أن نموت جوعا هنا، الغرف صغيرة جدا ولا يوجد خيار الطبخ على الحطب

بواسطة لاخي تشوهان، وهو عامل بناء

كما أكد العامل رام فيلاس ياداف أن عائلته اضطرت لمغادرة المدينة بعد نفاد الغاز، وأن لا أحد يغادر بإرادته، لكن الظروف دفعتهم. وأوضح أن أجورهم الضئيلة أساسا لا تكفي للاستمرار في الأكل من المطاعم و"حرق مدخراتهم".

ولا تتوفر خيارات الطهي على الحطب في المدن الكبيرة، كما أكد للصحيفة لاخي تشوهان -وهو عامل بناء-، وتابع قائلا "لا نريد أن نموت جوعا هنا، الغرف صغيرة جدا ولا يوجد خيار الطبخ على الحطب. على الأقل في بيهار (مسقط رأسه) سنتمكن من الطبخ على موقد الحطب التقليدي".

وعبر قصص العمال الذين تفصلهم عن الصراع آلاف الكيلومترات، يتبين سبب تصاعد الغضب العالمي من إغلاق المضيق الحيوي، وتضافر الجهود الدولية لإعادة فتحه.

FILE PHOTO: People walk along Wall Street near the New York Stock Exchange July 13, 2007. REUTERS/Brendan McDermid (UNITED STATES)/File Photo
أسواق الأسهم والسندات تعرضت لهزات قوية بسبب التصعيد العسكري (رويترز)

"ندوب" على الأسواق

وفي هذا السياق، أكدت صحيفة فايننشال تايمز أن الحرب على إيران تركت "ندوبا طويلة الأمد" في الأسواق المالية العالمية، في مؤشر واضح على أن كلفة الصراع تتجاوز ميدان القتال لتطال بنية الاقتصاد الدولي وثقة المستثمرين.

وأوضح التقرير أن أسعار الطاقة لا تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، رغم إعلان الهدنة، إذ بقي خام برنت مرتفعا بنحو 35%.

الحرب أثرت على مكانة الدولار والثقة به، في ظل ارتفاع الدَّين العام وتوتر العلاقات الدولية

كما تعرضت أسواق الأسهم والسندات لهزات قوية أثناء التصعيد العسكري، قبل أن تشهد انتعاشا جزئيا مع إعلان الهدنة، إلا أن هذا التعافي مؤقت وهش، بحسب الصحيفة.

ونقل التقرير عن مستثمرين قولهم إن الأثر الحقيقي للحرب يتمثل في تآكل الثقة، إذ قال جيمس فوكينز من شركة "أفيفا إنفيستورز" إن الأسواق ستحتاج إلى "علاوة مخاطر أعلى" حتى في حال التوصل إلى سلام دائم، مما يعني أن تكلفة التمويل والاستثمار ستظل مرتفعة لفترة طويلة.

إعلان

كما أشار إلى أن الحرب أثرت على مكانة الدولار والثقة به، في ظل ارتفاع الدَّين العام وتوتر العلاقات الدولية. وأكد خبراء أن هذا التحول قد يدفع المستثمرين إلى تنويع أصولهم والابتعاد جزئيا عن السوق الأمريكية.

وفي أوروبا، كانت التداعيات أشد، نظرا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة، إذ ارتفعت عوائد السندات بشكل أكبر، وتراجعت جاذبية الأسهم، وسط توقعات بضعف النمو الاقتصادي.

وفي المحصلة، تشير التقارير إلى أن كلفة الحرب لا تقتصر على الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى آثار هيكلية طويلة الأمد، تشمل احتمال توسع رقعة الصراع دوليا، وزعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لمختلف الدول، وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة كلفة الاقتراض، وتراجع الثقة في الأسواق، مما يجعل التعافي الكامل بعيد المنال حتى بعد توقف القتال.

المصدر: آي بيبر + إندبندنت + فايننشال تايمز
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان