برامج متفرقة

بين جيلين من المنشدين.. حكاية "آل المرعشلي" مع الفن الأصيل

يستعرض المنشد السوري ياسين المرعشلي في برنامج “أصوات الشام” حكاية عائلته مع الإنشاد الديني منذ تأسيس والده فرقة المرعشلي في دمشق، مرورا بتجربته الشخصية وتحولاته بعد خروجه إلى مصر.

يستعيد برنامج "أصوات الشام" سيرة عائلة ارتبط اسمها بتاريخ الإنشاد الديني في دمشق، حين استضاف المنشد والإعلامي يحيى حوى، الفنان السوري ياسين المرعشلي، في حوار أعاد رسم ملامح مسيرة فنية تمتد جذورها إلى 3 أجيال (يمكن مشاهدة الحلقة كاملة عبر هذا الرابط).

ويحمل المرعشلي -مع كونه صوتا معاصرا في عالم الإنشاد- إرثا فنيا تشكَّل عبر عقود، بدأ مع الجد وتبلور على يد والده المنشد عبد القادر المرعشلي، الذي أسَّس مطلع ثمانينيات القرن الماضي فرقة إنشادية تركت أثرا واضحا في ذاكرة الموشحات والمدائح الشامية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

في مستهل اللقاء، يشير حوى إلى أن اسم المرعشلي يثير لدى السوريين صورتين متداخلتين: صورة الفرقة التي أسَّسها الأب في دمشق خلال الثمانينيات، وصورة الجيل الجديد الذي يقوده ياسين اليوم مستكملا المسيرة.

ومن هذه النقطة يبدأ المرعشلي باستعادة البدايات، موضحا أن والده دخل عالم الإنشاد مبكرا، إذ كان في الثانية عشرة من عمره قارئا للقرآن في مجلس الشيخ محمد صالح الحموي، الذي كان له أثر كبير في تكوينه العلمي والروحي.

في تلك البيئة، جمع عبد القادر المرعشلي بين دراسة العلوم الشرعية وحضور مجالس الذكر، إلى جانب تعلُّم مهنة خياطة الجُبَب الخاصة بالمشايخ، وهو ما شكَّل جزءا من الحياة التقليدية لطلاب العلم في دمشق حينئذ.

ومع مرور السنوات، تحوَّل مجلس الذكر الذي كان ينعقد يومَي الأحد والخميس إلى ملتقى للشباب المولعين بالإنشاد، قبل أن تتبلور فكرة تأسيس فرقة يقودها المرعشلي الأب في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

لم يكن المؤسس متحمسا للفكرة في البداية، لكنَّ إصرار الشباب وتوجيه الشيخ الحموي دفعاه إلى قبولها، فانبثقت فرقة "الرضوان" التي سرعان ما بدأت ترسم لنفسها مسارا خاصا في المشهد الإنشادي.

المدرسة المصرية

في تلك المرحلة، كان اللون الشامي التقليدي هو السائد في دمشق، لكنَّ المرعشلي الأب اختار أن يفتح بابا جديدا عبر إدخال التأثيرات المصرية في الابتهالات والمدائح.

ويشير ياسين المرعشلي إلى أن والده تأثر بأصوات مصرية معروفة مثل الشيخ سيد النقشبندي والشيخ طه الفشني، فبدأ يؤدي بعض أعمالهم في المجالس الدينية، وهو أمر لم يكن مألوفا في البيئة الشامية حينئذ.

هذا المزج بين المدرسة الشامية في الموشحات الجماعية والمدرسة المصرية في الطرب الديني خلق لونا جديدا جذب الجمهور، حتى أصبحت بعض الأعمال علامة مميزة للفرقة في الثمانينيات.

ومن بين تلك الأعمال موشح "ماشي بنور الله"، الذي ارتبط بحلقات المولد والمدائح النبوية، وكان يمتد في بعض المجالس وقتا طويلا عبر التفاريد والارتجالات الصوتية.

لكنَّ تلك المسيرة لم تكن بعيدة عن التحولات السياسية التي شهدتها سوريا في ثمانينيات القرن الماضي، وهي مرحلة يقول المرعشلي إنها تركت آثارها في الأنشطة الدينية ومجالس الإنشاد.

فمع القبضة الأمنية حينئذ، كان بعض القصائد التي تحمل معاني الثبات أو الجهاد يُنشد في المجالس المغلقة داخل الزوايا، بعيدا عن العلن خشية الملاحقة.

كما تعرَّض المرعشلي الأب لضغوط أمنية متكررة بسبب تأثيره الواسع في أوساط الشباب وكثرة الحضور في مجالسه، حتى وصل الأمر إلى اعتقاله ومحاولة إجباره على حلق لحيته.

لكنه تمسَّك بمواقفه ورفض الرضوخ، وهي تجربة تركت أثرا عميقا في نفس ابنه ياسين، الذي يقول إن تلك المرحلة شكلت لديه مبكرا إحساسا بالإصرار والتمسك بهوية هذا الفن.

مجالس الذكر

وعند الحديث عن طفولته، يروي المرعشلي أنه نشأ في مجالس الذكر منذ صغره، مستمعا للمنشدين الكبار قبل أن يجد نفسه فجأة مطالبا بأداء أول "تفريدة" منفردة أمام الحضور.

في تلك اللحظة، ارتجل أبياتا يناجي فيها الله، لينتهي أداؤه بتأثر واضح من الشيخ الحموي الذي سأل بعد ذلك عن صاحب الصوت.

ويقول المرعشلي إن الشيخ حين علم أن الصوت لياسين أشار إلى أنه يحمل بصمة تشبه صوت جدته من جهة والدته، التي كانت معروفة في دمشق بتعليم النساء والأطفال القرآن.

ذلك التعليق شكَّل لحظة فارقة في حياته، إذ عَدَّه بمنزلة إشارة مبكرة دفعته إلى مواصلة طريق الإنشاد بدعم من والده وشيخه. ومع اتساع التجربة، بدأ يتعرف أكثر على الأصول الفنية لهذا التراث، ومن بينها فن "النوبة" الذي يُعَد من أكثر الأشكال الإنشادية تعقيدا في المدرسة الشامية.

ويشرح أن النوبة ليست مجرد غناء بل منظومة من القصائد والإيقاعات المتتابعة التي تتطلب من المنشد التزاما صارما بالوزن والإيقاع حتى في لحظات الارتجال.

وفي ختام حديثه، يتوقف المرعشلي عند محطة مفصلية في مسيرته مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين قرر مع فرقته مقاطعة الفعاليات المرتبطة بالنظام.

ومع تصاعد الضغوط، غادر سوريا عام 2012 متوجها إلى مصر، حيث أعاد تشكيل فرقته، وبدأ مرحلة جديدة من الإنشاد، حافظ فيها على التراث الشامي مع تطويره لجيل جديد من المنشدين.

المصدر: الجزيرة