برامج متفرقة

خبراء: إيران والعراق.. ساحة نفوذ أم جبهة تهديد؟

هل تحوّلت الفصائل المسلحة من درع للدولة العراقية إلى عبء عليها؟ وهل بدأ النفوذ الإيراني يتآكل فعلاً؟ خبراء يستعرضون تفاصيل المشهد وتداعياته.

تتصاعد حدة المعضلة الأمنية في العراق مع اشتداد الصراع الإقليمي، إذ تجد الحكومة في بغداد نفسها أسيرة معادلة بالغة التعقيد: فصائل مسلحة تتمدد داخل مؤسسات الدولة وخارجها في آنٍ واحد، ونفوذ إيراني يُعيد تشكيل ملامحه في ظل حرب مفتوحة، وضغط أمريكي يضيّق الخناق على كل المساحات الرمادية.

وتناولت حلقة (8/4/2026) من برنامج "محاولة فهم" وهذا رابطها، هذه الإشكالية المركبة بأبعادها التاريخية والراهنة، في نقاش معمّق استعرض نشأة الفصائل المسلحة العراقية وطبيعة علاقتها بطهران وبغداد وواشنطن.

ووفقا للصحفي المتخصص في الشأن الإيراني عبد القادر فايز، فإن جذور المشهد الراهن تعود إلى عام 2003، حين ألغى الأمريكيون الجيش العراقي وفتحوا الباب أمام نخبة سياسية شيعية كانت تحتضنها إيران سنوات طويلة.

ودعمت طهران وصول تلك النخبة إلى الحكم، غير أنها عملت في الوقت ذاته على إفشال النموذج الديمقراطي الذي جاء به الأمريكيون، لأن نجاح الشيعة في العراق على النمط الغربي كان يُشكّل في نظرها تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

وفي السياق ذاته، أوضح فايز أن النفوذ الإيراني الإقليمي لم يُبنَ ترفاً أو طموحاً توسعياً، بل نشأ من رحم إستراتيجية دفاعية وثّقتها طهران عام 1991 إثر خروجها مدمّرة من الحرب مع العراق.

ورأى أن رفض أمريكا إشراك إيران في مؤتمر مدريد للسلام عام 1993 دفع طهران إلى اعتماد مبدأ نقل المعركة خارج حدودها، فانطلقت في بناء شبكة نفوذ إقليمي متكاملة تعمل في مساحة الثورة لا في مساحة الدولة.

ومن جهته، أشار رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور حيدر سعيد إلى أن اللحظة التأسيسية للفصائل المسلحة العراقية الحالية لم تأت بظهور تنظيم الدولة الإٍسلامية عام 2014، بل سبقته بسنوات حين أحسّت النخبة الشيعية الحاكمة بالخطر الذي أفرزه الربيع العربي والثورة السورية عام 2011.

آنذاك، أعاد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي تأهيل الفصائل نفسها التي حاربها في "صولة الفرسان" عام 2008، ليجعل منها قوة رديفة للمؤسسة الأمنية الرسمية.

انقسام داخل النخبة الشيعية الحاكمة

ولفت سعيد إلى أن ثمة انقساماً عميقاً داخل النخبة الشيعية الحاكمة حول هذا الملف، إذ يرى تيار واسع منها أن إبقاء الفصائل على وضعها الراهن سيقود المشروع الشيعي برمّته إلى الانهيار.

ومن زاوية أخرى، لفت أستاذ الدراسات الأمنية في معهد الدوحة للدراسات العليا الدكتور مهند سلوم إلى طبيعة الوضع القانوني الملتبس للحشد الشعبي، مبيّناً أنه مؤسسة تموّلها الدولة بمليارات الدنانير شهرياً، لكنها ترفض الاندماج في الجيش العراقي، فأصبح كياناً يشبه الحرس الثوري الإيراني دون مرشد أعلى، قريباً من الأحزاب الحاكمة ومستقلاً في آنٍ واحد.

غير أن ذلك الوضع المريح بات اليوم في مهب الريح، بعد أن أعلنت السفارة الأمريكية في بغداد صراحةً أن عناصر من الفصائل يحملون هويات حكومية رسمية، وشرعت واشنطن في استهداف مواقع الحشد.

وانسجاماً مع هذا الطرح، رأى سلوم أن قدرة هذه الفصائل على الإضرار بالمصالح الأمريكية تبقى محدودة فعلياً، في حين تُلحق ضرراً بالغاً بالعراق ذاته وبعلاقاته مع دول الخليج التي تمتلك أدوات ضغط اقتصادية وسياسية وازنة.

وتتقاطع آراء الخبراء الثلاثة على أن المشهد يتجه نحو بداية نهاية النفوذ الإيراني الإقليمي بصيغته الراهنة، إذ إن إيران المُنهَكة بعد الحرب لن تكون قادرة على رعاية هذه الشبكة الواسعة بالمستوى ذاته، فيما تتصاعد الضغوط الداخلية العراقية نحو حصر السلاح في يد الدولة، وإنهاء الازدواجية الأمنية التي طال أمدها.

وفي المقابل، يتكاثر الفاعلون المحليون والإقليميون الساعون إلى تقليص هذا النفوذ، من الفاعل الكردي الذي يرى في الفصائل خطراً وجودياً، إلى دول الخليج التي باتت تُفرّق بين العراق الدولة والذراع الإيرانية داخله، مروراً بشريحة واسعة من النخبة الشيعية العراقية نفسها تُدرك أن الرهان على السلاح قد يُودي بالمشروع السياسي كله.

المصدر: الجزيرة