موازين

منطق الانتقائية.. لماذا تتبدل مبادئ الغرب عند عتبة مصالحه؟

تناقش حلقة موازين ازدواجية المعايير في الخطاب الغربي، حيث تُستخدم الأخلاق لتبرير السياسات لا لضبطها، وسط هيمنة المصالح على القيم، مما يكشف انتقائية تطبيق المبادئ وتآكل النظام الأخلاقي الدولي.

بانر - موازين

تناولت حلقة (2026/3/25) من برنامج "موازين" إشكالية العلاقة الملتبسة بين السياسة والأخلاق مسلطة الضوء على ما تصفها بازدواجية المعايير في الخطاب الغربي، حيث تُرفع القيم الكونية كشعارات، لكنها تخضع لاختبارات المصالح حين تتحول إلى قرارات عملية.

وانطلقت الحلقة من تساؤلات حادة حول موقع الأخلاق في السياسات الدولية، خاصة في ظل الحروب المعاصرة من أوكرانيا إلى غزة، حيث بدت القيم الإنسانية وكأنها تُطبّق بانتقائية، فتُحتسب بعض الأرواح بدقة، بينما تُختزل أخرى في أرقام عابرة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وطرح مقدم البرنامج علي السند إشكالية مركزية تتعلق بطبيعة السياسة، متسائلا إن كانت بطبيعتها بعيدة عن المثالية الأخلاقية أم أن الحديث عن "فن الممكن" ليس سوى غطاء لتبرير تجاوزات القوة حين تتعارض مع القيم المعلنة.

وفي هذا السياق، أوضح جوزيف مسعد، أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا، أن السياسة تاريخيا لم تنفصل عن الادعاء الأخلاقي بل سعت دائما إلى تقديم نفسها بوصفها قائمة على منظومة قيمية، حتى عندما تنتهك هذه القيم.

وبيّن أن الإشكالية لا تكمن في غياب الأخلاق عن السياسة بل في إعادة صياغتها بما يخدم السلطة، بحيث تتحول الأخلاق إلى خطاب تبريري يُستخدم لتسويغ السياسات حتى تلك التي تتناقض مع المبادئ التي تُعلنها هذه الأنظمة.

وتوقف مسعد عند فكرة "العقد الاجتماعي" بوصفها أساسا لتشكل الأخلاق داخل الدولة الحديثة، مشيرا إلى أن هذه الأخلاق ليست موضوعية بل تُحدد وفق المدرسة الفكرية أو الأيديولوجية التي تتبناها الدولة أو المجتمع.

علاقة الدولة بالأخلاق

وفي سياق الجدل الفلسفي، استعرض اختلاف الرؤى بين مفكرين غربيين حول علاقة الدولة بالأخلاق بين من يرى ضرورة التزامها بها ومن يبرر انفصالها عنها، مما يعكس غياب توافق عالمي حول تعريف الأخلاق السياسية ذاتها.

وأشار إلى أن القومية التي صعدت بقوة منذ القرن الـ19، أعادت ترتيب سلم القيم بحيث أصبحت "المصلحة القومية" تتقدم على أي اعتبار كوني، مما جعل الأخلاق خاضعة لحسابات الصراع بين الدول.

وتطرق إلى تطور مفهوم حقوق الإنسان في أوروبا، موضحا أنه بدأ بإقصاء فئات واسعة مثل النساء والعبيد، قبل أن يشهد توسعا تدريجيا، لكنه ظل محكوما بإرث استثنائي يعاد تأويله بما يتوافق مع الحاضر.

وفي قراءة تاريخية، اعتبر مسعد أن الاستعمار الأوروبي لم يتوقف عند كونه مجرد مشروع سياسي أو اقتصادي، بل تأسس على منظومة أخلاقية تبريرية قامت على فكرة "المهمة الحضارية" التي منحت أوروبا شرعية الهيمنة على الشعوب الأخرى.

وأوضح أن هذه الرؤية استندت إلى تصنيفات ثقافية وعرقية وضعت أوروبا في قمة "السلم الحضاري"، مقابل تصنيف بقية الشعوب في مراتب أدنى، وهو ما وفر أساسا أخلاقيا لتبرير الاستعمار وإعادة تشكيل العالم وفق مصالحه.

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، تطورت هذه المنظومة لتأخذ شكلا جديدا عبر نظام الانتداب الذي قُدم باعتباره خطوة نحو الاستقلال بينما ظل في جوهره امتدادا للسيطرة الاستعمارية بصيغة محدثة.

نموذج الأخلاق السياسية

وفي المقابل، رأى مسعد أن العالم العربي لم يشهد نموذجا مستقرا للأخلاق السياسية في ظل أنظمة يغلب عليها الطابع غير الديمقراطي تعتمد على مزيج من الهيمنة الأيديولوجية والقمع لتكريس شرعيتها.

واعتبر أن الفارق بين الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية ليس في جوهر الممارسة، بل في درجة استخدام أدوات القمع، إذ تلجأ الأنظمة الغربية أيضا إلى القمع حين تفشل في فرض هيمنتها الفكرية.

وفي هذا الإطار، شدد على أن مفهوم الأخلاق نفسه ليس ثابتا وإنما يُعاد تعريفه وفق مصلحة السلطة، مستشهدا بتبرير ممارسات مثل القمع والتعذيب تحت ذريعة "الأمن القومي" الذي يتحول إلى قيمة أخلاقية عليا.

كما تناول دور المعارضة السياسية، مميزا بين معارضة "موالية" لا تمس جوهر النظام وأخرى "غير موالية" تُقمع بدعوى تهديدها للاستقرار، الذي يعكس حدود الأخلاق في الممارسة السياسية الفعلية.

وفي سياق نقده للخطاب الغربي، أشار إلى أن مفاهيم مثل "الديمقراطية" و"التحرير" و"الإصلاح" تُستخدم أحيانا كأدوات لإعادة إنتاج الهيمنة، مقدما إياها بوصفها امتدادا حديثا للخطاب الاستعماري.

وسلط الضوء على دور النخب الفكرية والأكاديمية في إنتاج هذه الخطابات، مؤكدا أن عددا من المفكرين والمؤسسات البحثية ساهموا في تبرير السياسات الإمبريالية سواء عبر التنظير أو تقديم الاستشارات.

إعادة صياغة الواقع

كما تناول مسعد الاستخدام المقصود للمصطلحات في الإعلام الغربي، وأشار إلى أن توصيفات مثل "الرد" و"الأضرار الجانبية" تُستخدم بعناية لإعادة صياغة الواقع، بما يخدم رواية معينة ويخفف من وقع الانتهاكات.

وفي حديثه عن القضية الفلسطينية، استعرض تحولات صورة الفلسطيني في الخطاب الغربي من لاجئ إلى "إرهابي" ثم إلى "ضحية" مشروطة لا يُسمح لها بممارسة حقها في المقاومة دون فقدان التعاطف.

ورغم تسجيله تحولا نسبيا في الرأي العام الغربي، خاصة مع تصاعد الحركات الطلابية ووسائل التواصل، شكك مسعد في قدرة هذا التحول على إحداث تغيير فعلي في السياسات، التي تظل رهينة المصالح الإستراتيجية.

وأكد أن استمرار الدعم الغربي لإسرائيل يرتبط بوظيفتها في خدمة هذه المصالح، معتبرا أن أي تغيير حقيقي لن يحدث إلا إذا أصبحت إسرائيل عبئا على هذه الحسابات، وهو ما لم يتحقق بعد.

وخلص مسعد إلى أن الأزمة لا تكمن في غياب القيم بل في انتقائية تطبيقها، حيث تتحول الأخلاق إلى أداة مرنة تُستخدم لتبرير القوة، مما يؤدي إلى تقويض القانون الدولي وإفراغه من مضمونه.

المصدر: الجزيرة