
خرافة الاستبدال العظيم.. فرانسوا بورغا يفكك مخاوف الغرب من المهاجرين
تطرح التحولات السياسية المتسارعة في أوروبا أسئلة عميقة بشأن طبيعة صعود اليمين المتطرف وحدود تأثيره في بنية الديمقراطيات الغربية، في وقت تتصاعد فيه خطابات الخوف من المهاجرين، وتُعاد صياغة مفاهيم الهوية والانتماء.
وناقشت حلقة (2026/4/8) من برنامج "موازين" هذه الظاهرة من زاوية تحليلية، مستعرضة جذورها الفكرية والسياسية، ومسلطة الضوء على ما توصَف بـ"خرافة الاستبدال العظيم" التي باتت أحد أعمدة الخطاب اليميني المتشدد.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsوانطلقت الحلقة من واقع المشهد الأوروبي بوصفه يعيش موجة صعود غير مسبوقة لليمين، إذ تحولت شعارات الخوف من المهاجرين واستعادة الهوية إلى أدوات تعبئة سياسية، تدفع هذه التيارات من هامش السياسة إلى مركز القرار.
وفي هذا السياق، قدَّم مدير الأبحاث السابق في الهيئة القومية للبحث العلمي بفرنسا الدكتور فرانسوا بورغا قراءة نقدية لهذه الظاهرة، قائلا إن اليمين المتطرف ليس مجرد تيار سياسي عابر، بل هو تعبير عن أزمة أعمق داخل المجتمعات الغربية تتعلق بعلاقتها بالآخر وبإرثها الاستعماري.
وأوضح أن القاسم المشترك بين مختلف حركات اليمين المتطرف في أوروبا يتمثل في رفض الآخر، ليس فقط بوصفه مهاجرا أو مسلما، بل باعتباره امتدادا لشعوب الجنوب التي تحررت من الهيمنة الاستعمارية وتسعى إلى موقع متكافئ في النظام العالمي.
وأشار بورغا، الذي شغل منصب مدير المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى سابقا، إلى أن هذا الرفض ليس جديدا في التاريخ الأوروبي، إذ سبق استخدامُ اليهود "كبش فداء" قبل الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتحول العداء لاحقا نحو فئات أخرى، في سياق إعادة إنتاج آليات الإقصاء نفسها بأدوات مختلفة.
ويرى أن جوهر الأزمة يكمن في صعوبة تقبُّل الغرب لفكرة نهاية الهيمنة، إذ تواجه المجتمعات الأوروبية تحديا نفسيا وسياسيا في الانتقال من موقع السيطرة إلى موقع الندية، وهو ما يولّد ردودا دفاعية تتجلى في صعود اليمين.
صراع مكانة واعتراف
كما لفت الباحث الفرنسي إلى أن الخطاب السائد يبالغ في تصوير الصراع بوصفه دينيا، في حين أنه بحقيقته أوسع من ذلك، إذ يتعلق بصراع على المكانة والموارد والاعتراف، أكثر من كونه صراعا بين الإسلام والغرب.
وفي تحليله لسمات هذا التيار، أشار إلى أن رفض المؤسسات التقليدية يمثل أحد ملامحه الأساسية، إذ يتبنى اليمين المتطرف خطابا نقديا للنخب السياسية والاتحاد الأوروبي، مع الدعوة إلى استعادة السيادة الوطنية والانكفاء على الداخل.
لكنَّ الخطورة -بحسب بورغا- لا تكمن في صعود هذه الأحزاب انتخابيا فقط بل في تأثيرها العميق على بقية التيارات، إذ بدأت أحزاب اليمين التقليدي، بل وحتى بعض مكونات اليسار، في تبنّي أجزاء من خطابها.
وأدى هذا التداخل إلى انتقال أفكار اليمين المتشدد من الهامش إلى مركز الخطاب السياسي، بحيث لم يعد التمييز واضحا بين "المتطرف" و"المعتدل" خاصة في ما يتعلق بقضايا الهجرة والهوية والدين.
وفي هذا السياق، قال إن الإسلاموفوبيا لم تعد مجرد خطاب هامشي، بل تحولت تدريجيا إلى جزء من خطاب الدولة في بعض الدول الأوروبية، مما يعكس تحولا نوعيا في طبيعة التعاطي مع الأقليات المسلمة.
وعلى مستوى الجذور التاريخية، رفض بورغا الربط الحصري بين صعود اليمين ونهاية الحرب العالمية الثانية، موضحا أن اللحظة الفاصلة كانت نهاية الحقبة الاستعمارية، التي أعادت تشكيل موازين القوى بين الشمال والجنوب.
كما أشار إلى أن أحداثا مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تعكس هذا الميل نحو الانغلاق، حيث يُترجَم رفض "الآخر" إلى سياسات عملية تسعى إلى تقليص الانخراط في التكتلات الدولية.
تأثير فقدان الامتيازات
وبشأن العوامل المحفزة، يرى أن الأزمات الاقتصادية والأحداث الأمنية أدت دورا، لكنها ليست العامل الحاسم، إذ يظل العامل النفسي المرتبط بالخوف من فقدان الامتيازات هو الأكثر تأثيرا في تغذية هذا الخطاب.
وأضاف أن هذه الظاهرة ليست حكرا على الغرب، بل يمكن رصد أنماط مشابهة في دول أخرى، حيث يُستخدم خطاب الخوف من المهاجرين أو "الآخر" لتبرير الإخفاقات الداخلية وتحويل الأنظار عن الأزمات الحقيقية.
وفي تفكيكه لفكرة "الاستبدال العظيم"، شدَّد على أنها تقوم على مخاوف غير واقعية، تُضخمها بعض النخب السياسية والإعلامية لتحقيق مكاسب، رغم غياب أدلة حقيقية على حدوث تغيير ديموغرافي يهدد الهوية الأوروبية.
وأكد أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه المخاوف بحد ذاتها، بل في توظيفها سياسيا، مما يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمعات الأوروبية، ويغذي سياسات الإقصاء والتمييز.
أما على مستوى التأثيرات المستقبلية، فرأى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى توترات داخلية متزايدة، ويؤثر سلبا في علاقة أوروبا بالعالمَين العربي والإسلامي، خاصة مع تصاعد السياسات المعادية للهجرة.
وفي المقابل، لفت إلى وجود مؤشرات مضادة، تتمثل في حركات شبابية وفكرية ترفض هذا الانزلاق، وتسعى إلى إعادة الاعتبار لقيم التعددية والانفتاح، مما يفتح الباب أمام مسارات بديلة.
وخلص إلى أن مآلات هذه الظاهرة ستعتمد على كيفية تعامل المجتمعات الأوروبية معها، بين تركها تتفاقم أو مواجهتها عبر سياسات أكثر توازنا تعالج جذور القلق بدل استثماره سياسيا.
